بل الشكر على الواجب

تطلق المرأة أسمى عبارات الشكر والثناء لمن يبذل إليها هدية أو أعطية من أقاربها أو أصدقائها، لكنها ربما لا تُسمع زوجها الذي ينفق عليها لسنوات طوال كلمة شكر، والعلّة: هذا واجب عليه.

يرى الرجل أنه مدين بالشكر لغيره بسبب وجبة تُقدم له خارج بيته ويكرر عبارات الثناء على مُعدّها، بينما يعيش طيلة حياته الزوجية تطعمه زوجته مرّات باليوم الواحد ولا تسمع منه كلمة شكر واحدة، والعلة: هذا واجب عليها.

لقد ضاعت بيننا قيمة الواجب فلا نكاد نراه، لأننا ألفناه واعتدنا عليه، فلم يعد يندرج في حسّنا تحت كلمة “المعروف”، وأصبح صاحب البذل العارض أو الطارئ هو من يفوز بتقديرنا وثنائنا.

دائما ما نكرر عبارة “لا شكر على واجب”، وهي إن كانت تقال ردًا على من شكرنا لصنيعنا معه، إلا أنها تحمل في طياتها قناعة بأن فعل الواجب لا يستوجب الشكر والثناء.

هذا المسلك الرديء كثيرًا ما يزهّد الناس في القيام بواجباتهم، لأن الإنسان بطبعه يحب أن يرى أثر أفعاله الحسنة على الآخرين، وقد حكي أن امرأة كانت تطبخ لأسرتها على مدى سنوات طوال دون أن تسمع من أحدهم كلمة شكر واحدة، فذات يوم وضعت لهم في الطعام تِبنًا أو شيئا من ذلك، فهاجوا وصرخوا، فكان ردها: حسنًا، قد أدركت أنكم تميزون بين الطعام والتبن، فوصلت إليهم الرسالة.

المشكلة في عدم إدراكنا أن الواجب يحتاج فعله إلى جهد وإلى شعور بالمسؤولية وإلى استعداد نفسي أيضًا، فليس لأنه واجب يكون يسيرًا على فاعله، خاصة وأن الواجب كثيرًا ما يأخذ صفة الاستمرارية والديمومة، خلافًا للمعروف التطوعي الذي يحصل ربما بسبب مناسبة معينة أو موقف معين، ومن ثم كانت عبارات التحفيز والتشجيع والشكر والثناء آكد في حق من يقوم بالواجب.

من يرى فيمن يقوم بالواجب نحوه دون أن يحصل منه على كلمة شكر شيئًا عاديًا، حريُّ به أن يسأل نفسه: من ذا الذي يقوم بواجباته في هذا العصر؟ فهذا الواجب الذي لا يلتفت إليه ويضن على صاحبه بكلمة شكر أو ثناء، كثير من الناس يقصرون به أو ربما لا يقومون به من الأساس.

القيام بالواجب منْقبة وفضيلة تستلزم إظهارنا الشعور بالامتنان لباذله وتقدير صنيعه، لا أن نتجاهله أو نقوم بتسطيحه.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، ويقول: (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه). لكن الذهن دائما ينصرف إلى مكافأة من يسدي إلينا معروفًا على سبيل التطوع، دون الوقوف على حقيقة أن من يقوم تجاهنا بواجباته قد بذل إلينا معروفًا يستحق أن نكافئه عليه ولو بكلمات الشكر والثناء والدعاء له.

القيام بالواجب ليس شيئًا هينًا، وتجاهله وتسطيحه وتهوينه خلل في التفكير، فلا يعني كونه واجبًا ألا يستحق المقابلة بالمثوبة، ولله المثل الأعلى يثيب على فعل الواجب أكثر من التطوع، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فليس لأن الفرائض والواجبات تأخذ صفة الإلزام يكون التطوع أكثر استحقاقًا منها في المثوبة.

إننا بحاجة إلى نظرة جديدة منصفة تجاه من يقومون بالواجب، حتى لا يغدو فعله وعدمه سواء، وحتى لا يشعر باذله بأنه لا يُرى فقط لأن ما يفعله واجب، بل يحتاج إلى أن نوفي له حقه بالشكر والثناء والمكافأة، لئلا يصير القيام بالواجب قيدًا وربْقة يفعله صاحبه على مضض وكُره.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا ينجح أعداء الأردن أحيانا في رواية قصته أكثر من الأردنيين أنفسهم؟

– من يفهم التاريخ يدرك أن الأمم لا تُهزم -على الحقيقة- حين تخسر أرضا أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *