لا يتوانى الاحتلال الإسرائيلي في استثمار الأحداث الجسام في المنطقة كستائر دخان على ممارساته في الأراضي المحتلة، وأهمها مدينة القدس، فقد انتهز فرصة الحرب الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى، بينما انطلقت حملات إسرائيلية دعت إلى مواصلة إغلاق المسجد حتى نهاية الحرب مع إيران وذبح قرابين فيه خلال عيد الفصح اليهودي في أبريل/نسيان المقبل.
وفي سياق تمرير الممارسات العدوانية الإسرائيلية خلف ستار الحرب مع إيران، خرج وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، بتصريح عدائي صارخ، أعلن خلاله انضمام مئات الآلاف من المستوطنين اليهود بالقدس لقائمة المؤهلين للحصول على سلاح، بعضهم يسكن في بؤر استيطانية وسط الأحياء الفلسطينية.
هذه السياسة التي تمارسها الحكومة اليمينية المتطرفة بذريعة أنها إجراءات أمنية تهدف لحماية الإسرائيليين، تكشف عن توجه خطير في مستوى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والأمني في القدس بما يخدم مشروع التهويد، ويعزز الضغوط على السكان المقدسيين لإجبارهم على الرحيل القسري، بما يعني تحويل المستوطنين إلى جيش مدني يقوده بن غفير من أجل السيطرة التامة على القدس.
ومنذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، لم تتوقف السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير هوية القدس وتركيبتها السكانية، إذ تبنت الحكومات المتعاقبة سياسة توسيع الاستيطان ومصادرة أراضي الفلسطينيين وفرض القيود على البناء الفلسطيني وسحب الهويات من السكان، إضافة إلى إغلاق المؤسسات الفلسطينية وتقييد الأنشطة الثقافية والسياسية.
غير أن تسليح المستوطنين يمثل مرحلة متقدمة من هذا المسار، لأنه يجعل المستوطن الإسرائيلي جزءًا من منظومة القوة التي تمارس الضغط على الفلسطينيين، فالمستوطنون ليسوا مجرد مدنيين يعيشون في أحياء معزولة عن القدس، وهم يمثلون رأس الحربة في تنفيذ السياسات التوسعية على الأراضي، علما بأن المستوطنات التي أقيمت في القدس الشرقية ومحيطها، تم تصميمها منذ البداية لتطويق الأحياء الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض، للحد من قدرة الفلسطينيين على التوسع العمراني والتواصل الجغرافي.
ومع تنامي التيار اليميني المتشدد في السياسة الإسرائيلية تعاظم الدور السياسي والأمني للمستوطنين، وأصبحوا أكثر تأثيرا في صناعات القرار، وتشغل بعض قياداتهم مناصب حكومية حيوية.
ومن المعلوم أن هناك عدة مجموعات استيطانية متطرفة نشطت في القدس، وتبنت خطابا عدائيا صارخًا ضد الفلسطينيين، مثل منظمة لاهافا اليمينية المتطرفة التي تدعو إلى الفصل الكامل بين اليهود والعرب، وتنظم مسيرات استفزازية متكررة داخل الأحياء السكنية الفلسطينية.
من الناحية العملية، فإن مشروع وزير الأمن الصهيوني بمنح تراخيص السلاح لمجموعات استيطانية معروفة بخطابها المتطرف وعدائها الصريح للفلسطينيين، يجعل المستوطن الإسرائيلي جزءًا من منظومة أمنية غير رسمية تمارس دورًا رديفًا للمؤسسات العسكرية تعمل خارج القيود القانونية التي تحكم عمل القوات النظامية.
الميلشيات المدنية المسلحة التي يعمل عليها بن غفير، يمكن أن تؤدي دورًا عدوانيًا أكثر خطورة بكثير من قوات الأمن الإسرائيلية تجاه المقدسيين، إذ أن الانتهاكات التي يقوم بها المستوطنون ستأخذ إعلاميًا شكل النزاعات المدنية، بينما تقوم قوات الأمن التي تغطي المستوطنين بالتدخل المسرحي لغسل يد الاحتلال من الجرائم التي يمكن أن تُرتكب.
احتكاكات المستوطنين بأهل القدس واستفزازهم اقتصر في السابق على اعتداءات فردية ومضايقات محدودة، لكن وفقا لما يعتزم بن غفير المضي فيه، قد تتحول إلى مواجهات جماعية مسلحة، خاصة من قِبل التجمعات اليهودية المتشددة في الأحياء المختلطة أو في المناطق القريبة من البؤر الاستيطانية، ولن يعجز الاحتلال في اختلاق الروايات التي تلوي أعناق الحقيقة حول طبيعة هذا الانفلات الأمني.
تحويل المستوطنين إلى قوة مسلحة له أبعاد سياسية تتجاوز حدود المدينة ذاتها، فهو بمثابة تكريس لفكرة أن القدس مدينة إسرائيلية خاضعة بالكامل لسيادة الدولة الإسرائيلية، وفي هذا الإطار يتم تقديم المستوطنين باعتبارهم خط الدفاع الأول عن المدينة، وهو خطاب يشرعن وجودهم المسلح وتبرير الاعتداءات التي تصدر عنهم بحق سكان القدس.
على الرغم من أن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة – بما في ذلك القدس – انتهاك للقانون الدولي خاصة بقرار مجلس الأمن 2334 الذي شدد على عدم شرعية المستوطنات، إلا أن التعويل على الشق القانوني لن يجدي في ظل الغطاء الأمريكي الممتد فوق العربدة الإسرائيلية.
لكن هناك أساليب أخرى للمواجهة أبرزها:
أولًا: تنشيط الدعوة إلى حملات دولية تهدف إلى مقاطعة الاقتصاد الاستيطاني، والضغط على المتاجر العالمية لوقف بيع منتجات المستوطنات، ويجدر في هذا الاتجاه الاستفادة من المنظمات اليهودية المعارضة للاستيطان في الخارج، للضغط باتجاه وقف تمويل المستوطنات.
ثانيًا: كشف سياسات وممارسات المنظمات والدول التي تدعم النشاط الاستيطاني في فلسطين محتلة بهدف تكوين رأي عام عالمي مناهض لها.
ثالثا: وهو الأهم، دعم صمود المقدسيين لعدم الاستجابة للضغوط الاستيطانية في مغادرة أراضيهم، وذلك من خلال تسليط الأضواء على معاناة سكان القدس اليومية وإبراز قضاياهم من خلال الإعلام العربي، وبث برامج توعوية من خلال المنابر الإعلامية وتناول صمودهم التاريخي من قبل قيام دولة الاحتلال إلى اليوم، والتأكيد على دورهم المركزي في القضية الفلسطينية، وقيامهم بدور الإعلام البديل في توثيق وبث الانتهاكات الاستيطانية في القدس.
المعركة الأساسية تبقى داخل القدس نفسها، ومستقبل المدينة المقدسة يعتمد بشكل أساسي على قدرة سكانها على الصمود، وكل منزل يتشبث به المواطن المقدسي، وكل أسرة ترفض المغادرة، هو شكل من أشكال المقاومة المناهضة للاستيطان الإسرائيلي.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة