الرئيسية / مقالات / أحوال العباد بين المحبة والرجاء والخوف

أحوال العباد بين المحبة والرجاء والخوف

اشتُهِر عن بعض الزهاد قولهم في المناجاة والدعاء: «ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن لوجهك الكريم».

وعلى مثل هذه المعاني سار كثير من المنتسبين إلى الزهد والعبادة، والذين استحدثوا مصطلح العشق الإلهي للتعبير عن المحبة بين العبد وربه، ورأوا أن العبد يعبد ربه محبة، لا يعبده خوفا من عذابه أو طمعًا في جنته.

يرى هؤلاء أن من كان غايته الجنة ونعيم الجنة سيتمتع وينال من نعيمها، ومن يطلب الله فسيرفع الغطاء وتتجلى الزيادة وتظهر الحقائق، بمعنى أن من عبده سبحانه طمعا في الجنة وخوفا من النار فإن له مطلبه، يدخل الجنة وينجو من النار، لكن رؤية الله تعالى تكون لمن عبده حبًا، هكذا يدعون، فما صحة هذا الادعاء؟

المتأمل لآيات القرآن يرى أن الله تعالى عندما وصف الأنبياء الذين هم صفوة عباده، اشتملت هذه الأوصاف على عبادة الله رغبا ورهبا، كما قال عن نبي الله زكريا عليه السلام {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

وجمع الله للعابدين بين الخوف والرجاء في قوله تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9].

بل هو سبحانه من أمر عباده بأن يعبدوه خوفا وطمعا، قال عز وجل {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } [الأعراف: 56]، والدعاء هو العبادة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولو مكث هؤلاء الدهر كله يبحثون في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله لما وجدوا ما يشير إلى أن عبادة الله لا تكون إلا محبة، ولما وجدوا ما يؤيد زعمهم أن عبادة الله خوفا من عذابه وطمعا في رحمته مقامٌ دون المقام ومنزلة دون المنزلة.

ولو كان هذا الاعتقاد صحيحا وينافي المراتب العلية فكيف نفسر وجود هذا الحشد العظيم من آيات الترغيب والترهيب والوصف التفصيلي للجنة والنار ونعيم القبر وعذابه، والتي خوطبت بها الأمة على ما بها من صفوة البشر بعد الأنبياء وهم الصحابة رضوان الله عليهم والذين منهم من بشر بالجنة؟ فما ذاك إلا ليرغب العابدين ويردع المعرضين.

ولو دقق هؤلاء لعلموا أنه لا تعارض بين الحب، والخوف والرجاء، والذي يرجو الله ويخافه أكثر تحقيقا للمحبة من غيره.

فالواجب أن يعبد العبد ربه محبةً ورجاءً وخوفًا، فالمحبة هي أصل وجوهر العبادة، يقول ابن القيم: «الْعِبَادَةُ تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ: غَايَةُ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ»، فيعبد العبد المُحب المتذلل ربَّهُ خوفًا ورجاءً.

وأما ادعاؤهم بأن رؤية الله في الجنة تكون لمن عبده حبا له لا خوفا ولا طمعا، فهو باطل بالدلالة القطعية للقرآن، فقد دلت النصوص القرآنية على أن أهل الجنة كلهم يرون ربهم فيها، حيث جعل حجب رؤيته عقوبة للكافرين، قال الله تعالى {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، فالاستثناء في الرؤية وقع للكافرين وحدهم.

نسأل الله تعالى أن نكون من أهل الجنة، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجه الكريم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لولوة الخاطر.. قطرية تكشف زيف شعارات الغرب حول حقوق المرأة

«رمتْني بدائها وانسلّت»، مثل عربي سائر، يُشهَر في كل من يرمي الآخرين بعيبٍ هو فيه، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *