الرئيسية / مقالات / لهذا يُظاهرون المُستعبِدين ويقاومون المُحَرِّرِين

لهذا يُظاهرون المُستعبِدين ويقاومون المُحَرِّرِين

يُحكى أن ليكورجوس المُشرِّع الأسطوري لإسبرطة، الذي حوّلها لمجتمع عسكري، قد ربّى جرْوَيْن خرجا من رَحمٍ واحد، ورضعا من الثدي ذاته، أحدهما تم تسمينه في المطابخ، والآخر في الحقول وراء أبواق الصيد، وبعد فترة جاء بهما وسط السوق، ووضع بينهما أرنبًا وطبقا به حساء، فقام الذي تربى في الحقول بالركض وراء الأرنب، وقام الذي تربى في المطابخ بالجري تجاه الطبق، لقد أراد أن يُبيّن للشعب أن الناس هم ما تصنع بهم تربيتهم.


وقعت عيناي على تلك القصة تزامنًا مع متابعة مشاهد غريبة تجري على أرض مصر، حشدٌ لعمال الشركات والمصانع والموظفين، بل الطلاب وجموع البسطاء، في حافلات تُقلّهم إلى الميادين لتأييد السيسي الذي جلب الخراب لمصر، وأفقر شعبها، وباع أرضها وماءها وأذل أبناءها.


خرجوا تحت شعار الاحتفال بذكرى نصر 6 أكتوبر، رغم أنه لا تزال تفصلهم عن تلك الذكرى أربعة أيام، خرجوا جميعًا، بعضهم مُغرّرٌ به، وبعضهم مُكرَهٌ، والبعض الآخر طامعٌ في بعض العملات الورقية والوجبات الغذائية، التي يوزعها السياسيون ورجال الأعمال المؤيدون للنظام، يشاركهم في تلك الاحتفالات تلك الفئات التي دأبت على الموافقة والرضا بالفتات، أو تلك التي لا تعنيها الأحوال العامة في البلاد، طالما أنهم لم يصبهم ضرر كبير في أموالهم أو أنفسهم، ورضوا جميعا بأن يكونوا ورقة السلطة للتغطية على المظاهرات المعارضة، التي تطالب برحيل السيسي، في حماية قوات الأمن التي فتحت لهم الميادين، بينما حرّمتها على المعارضين.


ولعل هذه القصة هي زبدة القول، والتفسير الأوحد لتأييد هؤلاء لمن استعبدهم وخرّب بلدهم، وجعل أهله شيعًا، ومقاومتهم في الوقت ذاته للباحثين عن الحرية، والراغبين في تحرير البلاد من المُحتلّ المحلي، وليس في مصر وحدها، بل في أمتنا بأسرها، نعم هي التربية على القهر والذل التي مُورست على تلك الشعوب، حتى أفقدتها المُبادأة والمدافعة، بل سلبتها الرغبة في تقرير المصير. إذن لم يكن عجبا أنّ أهل الترف ومَلَأَ الحكام وكبراءَ القوم وحاشيةَ السلطة والمنتفعين بها، يحاربون راغبي الإصلاح والتغيير، فإنه من العجب العجاب أن يتولى هذا المهمة أيضا عموم الشعب وبسطاؤه والمتضررون من تلك الأنظمة القمعية التي تبدد ثرواتهم وتجعلهم يعيشون على هامش الحياة، ما الذي أوصل تلك الشرائح إلى مظاهرة المُستعبِدين ومقاومة المُحررين، لكنها تلك العوامل الضاغطة، والتربية الممنهجة التي تروض تلك الجماهير.


عندما تتساءل عن الجنود الذين يحملون السلاح في وجه الجماهير وعن أي قوة تجعلهم أداة قمع لا يفكرون سوى في الأمر الصادر إليهم، فثق أنهم تعرضوا لتذويب الشخصية وصهرها في بوتقة القطيع، وهكذا يتربى الجند منذ البداية، وفي بعض البلاد – كما حدثني كثير من الأصدقاء – يتعمدون إهانة الجندي وإذلاله بقَصّةِ شعْر مهينة، والأمر بالزحف على التراب قبل ارتداء الملابس العسكرية، والتجريد من الثياب أحيانا، وإعطاء الجندي رقما يُنادى به حتى يكاد ينسى اسمه، وإشعاره بأنه مجرد أداة، لا عليه سوى الطاعة المطلقة العمياء لمن يفوقه درجة أو رتبة، والويل ثم الويل له إن لم يؤد التحية العسكرية، وهنالك يكون مسلوب الإرادة، لا رأي له، وعليه أن يتحمل أقذر السباب، ويتلقى الصفعات، من دون إبداء أي اعتراض، وإلا أصبح مصيره السجن. بهذه التربية التي تعتمد على الإذلال وإهدار الشخصية، ينقاد الجندي بسهولة، لكي يوجه السلاح إلى إخوته، أو بني عمومته أو جيرانه، فقط لأنه تلقى الأمر. ليس الجندي وحده من يتلقى هذه التربية المقيتة، بل عموم الجماهير التي تتعامل في حياتها اليومية بمبدأ أن هناك سادة وعبيدا، في الشركات يكون الموظف عبدا لمديره، وفي المصنع يكون العامل عبدا لصاحب عمله، لأن العسف الذي تمارسه الدوائر العليا ينسحب تلقائيا على فئات الشعب المختلفة.

تربت هذه الشعوب المقهورة على التعرض للأزمات المستمرة المُصطنعة، التي يُشغلهم بها المستعبدون، حتى إذا ما شاهدوا أي إنجاز ضئيل لمستعبديهم، هلّلوا وقالوا مرحبا بالتغيير، ذلك لأن أعينهم أدمنت الأزمات، وقد جرت عادة الفرس في بعض الحقب التاريخية، أنه إذا مات الملك، تركوا البلاد أيامًا بدون حاكم وبدون نظام، إلى أن تدبَّ الفوضى وتنتشر السرقة، ويحل الخوف مكان الأمان، حينها يُمسك الملك بزمام الأمور، فيُعظم حينها، أي عمل صغير يقوم به في أعين الجماهير التواقة إلى السلام والاستقرار. تربت هذه الشعوب على الفقر الذي يكسر النفوس، والفاقة التي تلجئ اليد لأن تكون هي السفلى، وتجعل الهم منحصرا في تحصيل القوت، فتُهدر الطاقات الإبداعية، وتضيع سمات النبوغ، إضافة إلى تمكُّنِ الأمراض من الأجسام، بسبب نقص التغذية، فلا يبقى بعدها مكان في بؤرة الاهتمام بالشأن العام، أو البحث عن الحقوق والمطالبة بها. تربت هذه الشعوب على أن تنسب أملاك الشعب للحكومة أو الأسرة الحاكمة، فلا ترى هذه الشعوب أن لها حقا في تلك الثروات، التي تستحوذ عليها الأنظمة، أو تبددها، بل يحاولون إقناع الجماهير بأنهم عبءٌ على الدولة في تلقي العلاج والحصول على السلع الضرورية وتوفير فرص العمل والانتظام في التعليم المجاني.

تربت هذه الشعوب على غرس القناعة لديها بأن المناداة بالحرية والديمقراطية وتداول السلطة فوضى وانفلات، وأن ما تعرفه خير مما لا تعرفه، وأنه لا بد للجماهير من عصا ينقادون بها، وإلا سقطوا في فتنة الحرية واستأسدوا، حتى صار الناس يتحدثون عن أنفسهم بأنهم لا يصلحهم إلا السوْط، وهذا ما يسميه مالك بن نبي بالقابلية للاستبدادية، والتي تكونت من إلف القهر والاستعباد، حتى غدا للاستعباد بريق.


تربت هذه الشعوب على أنه لا طريق أمامها في مواجهة الأزمات سوى التكيّف معها، لا استئصال الأوضاع المتردية واستبدالها، ولا تزال الجماهير تتفاعل مع همِّ التكيّف، حتى يتحول إلى ظاهرة مَرَضيَّة، جاء في كتاب «كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد» لهشام حافظ وجودت سعيد وخالص جلبي: «تدفع إرادة الحياة الغريزية الغلّابة في النفس البشرية، إلى الاستجابة للوضع الاجتماعي وتكييف النفس على أساسه، بل وقد تزيد، فتبدع له فلسفة الخضوع والاستخذاء، بحيث يجد الفرد مبررًا ويحسُّ التذاذًا ويستشعر الزهو في الوضعية الجديدة». ولعل هذا ما عناه المتنبي بقوله:


قد تعيش النفوس في الضيْم حتى… لترى الضيم أنها لا تُضامُ
إذا علمنا هذا، فإنه يسهل علينا استيعاب تخنْدُقِ الكثيرين في خانة المستبدين المُستعبِدين لهم، في مواجهة أي نزعة تحررية أو حراك إصلاحي، ولا أتَّجهُ بهذه الكلمات إلى توصيف الأوضاع في مصر بصفة خاصة، بل تكاد تكون حالة عامة في الأمة، ولذا ينبغي أن لا يتغافل أهل الإصلاح عن إسقاط هذه الأصنام في وجدان الأمة، في غمرة انشغالهم بإسقاط عروش المستبدين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

مع أمريكا «بايدن» هل سيكون العالم بخير؟

من بين سحب الدخان التي وصلت إلى سماء منهاتن يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *