الرئيسية / مقالات / عدو عدوي ليس دائمًا صديقي…عن السعودية وإيران أتحدث

عدو عدوي ليس دائمًا صديقي…عن السعودية وإيران أتحدث

في إحدى روائع «والت ديزني» الكلاسيكية «الأسد الملك»، كان التحالف الذي أبرمه الأسد «سكار» مع الضباع العدو التقليدي للأسود، بهدف الإطاحة بالأسد الملك «موفاسا»، على قاعدة «عدو عدوي صديقي»، لكن أخطأ المتآمر خطأً جسيمًا، وخانه تقدير أمر غلبة الطباع، إذ أن الضباع هم من أكلوه عندما أتيحت لهم الفرصة.
«عدو عدوي صديقي» حكمةٌ عارية من الحكمة، تداولها الناس، وقالوا إنها وردت على لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في «نهج البلاغة»، وهو كتاب مطعون في نسبته للإمام رضي الله عنه، لشواهد كثيرة أبرزها أنه دُوّن بعد وفاته بأربعة قرون، وليس هناك سند متصل بين مؤلف الكتاب وعلي رضي الله عنه.
وأقول إنها عارية من الحكمة لأن الحكمة وضع الشيء في موضعه، والحال إن عدو العدو ليس بالضرورة أن يكون صديقًا، بل كثيرا ما يكون هو أيضا من الأعداء.
ويبدو أن هذا المبدأ صار القاعدة التي يتعامل بها البعض مع إيران والسعودية، فبعد أن خيّب النظام السعودي الحالي آمال الأمة، وأغرق في التطبيع مع أمريكا وطفلها الصهيوني المسخ، ووقف أمام تطلعات الشعوب مساندًا الأنظمة الديكتاتورية، اتجه البعض لتلميع العدو التقليدي للسعودية وأعني إيران، والترويج لأنه يمثل عصب محور الممانعة والمقاومة، ضد الصلف الأمريكي والصهيوني.
لا يختلف اثنان على أن السعودية يحكمها اليوم نظام يأخذ بها إلى الهاوية، ويسهم بقوة في تقديم الأمة لخصومها على طبق من ذهب، وموقفي منه معروف، لدرجة أنني أتعرض كل دقيقة لهجوم ناري من إخوتنا السعوديين، ولكن في المقابل، هل معاداة القيادة السعودية يستلزم أن نضع أيدينا في أيدي ملالي إيران، ونعتبر هذه الدولة التي تعيث في المنطقة فسادًا من الأصدقاء، ونسلمها زمام قيادة الأمة؟
نسينا مع الوقت أو تناسينا أننا انخدعنا من قبل مع انطلاق الثورة الخمينية، لدرجة أن القوى الإسلامية والمدنية كانت تعتبرها بداية ظاهرة تحررية في المنطقة، وتأمل في تكرار النموذج الثوري الإيراني، للتخلص من الأنظمة الاستبدادية، ونالت ثورة الخميني شعبية كاسحة في العالم الإسلامي والعربي، إذ قدمت نفسها بخطاب ديماغوجي يركز على الملف الفلسطيني، والدفاع عن قضايا الأمة، كما استمالت القوميين بتركيزها على الهموم المشتركة مع العرب، واستمالت كذلك اليساريين بصبغتها الثورية المناهضة للإمبريالية الأمريكية. ولكن سرعان ما تبين منذ العام التالي، من خلال تصريحات الخميني وممارساته، أن إيران الخمينية ما هي إلا استعادة للإمبراطورية الفارسية، وأن لها مشروعا توسعيا في المنطقة، يرتكز على الطائفية، وأول رئيس للجمهورية الإيرانية بعد الثورة أبو الحسن بني صدر، صرح بذلك قائلا: «كان  الخميني يقول إنه يريد إقامة  حزام شيعي للسيطرة على العالم الإسلامي، وكان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق  وسوريا ولبنان، وعندما يصبح سيداً لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج العربي  للسيطرة على بقية العالم الإسلامي».

لم يُخف الإيرانيون دورهم الأساسي في التمكين لأمريكا في العراق وأفغانستان، واعترف بذلك محمد علي أبطحي النائب الأسبق لرئيس الجمهورية، حيث قال بالنص: «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة». ولا أدري كيف تكون إيران صديقا لنا ونروج لها، وهي بمثابة الرئتين لبشار الأسد الذي ذبح شعبه، وأدخلت الحرس الثوري الإيراني إلى داخل الأراضي السورية، إضافة إلى الميلشيات الشيعية الموالية لها والمُموّلة منها، من أجل دحض الثورة السورية ودعم الحليف بشار. وكيف تكون صديقا لنا ونقدمها كأمل للشعوب، وهي التي تقاسمت مع الأمريكان احتلال العراق، وصيرت الدولة بعد خروجهم محافظة إيرانية، تعبث بمقدراتها وتنهب نفطها وخيراتها؟ وكيف تكون صديقا لنا ونسلمها الزمام وهي التي أسهمت بشكل رئيسي في دمار اليمن بدعمها المفتوح للحوثي؟ بل كيف تكون هي الصديق ضد العبث الصهيوني والأمريكي، وهي التي عرف عنها الصفقات المشبوهة والعلاقات ذات الطرفين مع أمريكا والكيان الإسرائيلي، بل اعتمدت سياستها مع الصهاينة على «الإكثار من الصراخ والقليل من الأفعال» كما يعبر عنه الباحث الأمريكي الإيراني الأصل تريتا بارسي، ولا تمثل تهديدا للنظام الصهيوني كما صرح أحمدي نجاد الرئيس الإيراني الأسبق في جريدة «الشرق الأوسط» عام 2006.
أتفهم أن الكيان الصهيوني يعمل برعاية أمريكية على الدخول في حلف سني لمواجهة إيران، وأن الغرض من ذلك تخفيف الضغط على دولة الاحتلال، بإدخال المنطقة في نزاع مع الإيرانيين تحت مظلة حماية المنطقة من الأطماع الإيرانية، ولكن أقول: إن كان التحالف بهذا الشكل ضد إيران مصيدة، فالتحالف مع إيران أيضا والترويج لها باعتبارها عصب الممانعة والمقاومة هو مصيدة لا تقل خطورة عنها.
من المؤسف أن يتم الترويج إعلاميا لإيران وأذرعها وحلفائها، إنهم غصة في حلق العدو ومطالبة الالتفاف حول ذلك الحلف لبناء تحالف للدفاع عن فلسطين في مواجهة الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وعار على منابر لبعض القوى الإسلامية أن تبشر بهذا الوهم.
فرقٌ بين التعاون مع إيران على أساس المصالح المتبادلة، وتسليمها زمام القيادة في الأمة والتغاضي عن جرائمها ودورها الرئيسي في خراب بلاد الأمة وسعيها الدؤوب لالتهام المنطقة، فالولايات المتحدة تحالفت مع الاتحاد السوفييتي ضد الألمان كعدو مشترك، لكنها لم تعتبر السوفييت أصدقاء ولم تروج للاشتراكية على حساب الرأسمالية.
وحتى في العلاقات الأمريكية الإيرانية في ملفات الخليج، تتلاقى الدولتان على مصالح مشتركة وقتية، فأمريكا دعمت صدام ضد الخميني، ثم تعاونت مع إيران لإسقاط صدام واحتلال العراق، ثم جاء أوباما ليعقد اتفاقية النووي مع إيران على حساب مصالح وأمن الخليج، ثم أتى ترامب ليقوم ببناء تحالف عربي لمواجهة الأخطار الإيرانية، هكذا السياسة، وهذا بخلاف ما يفعله قومنا اليوم، فليست قضية التقاء على مصالح مشتركة وقتية مع إيران العدو الظاهر، لكنها تضليل للأمة وتعمية لها عن الجرائم والأخطار الإيرانية في المنطقة. ينبغي أن لا نضع أنفسنا بين خيارين إما أن نتخندق مع السعودية أو نتخندق مع إيران، فالنظام الذي قاد مع الإمارات الثورة المضادة للربيع العربي ليُموّل ويدعم قتل آلاف المدنيين في مصر، باسم تطهيرها من الإسلام السياسي، وقام بالتطبيع مع الصهاينة، ليس بأشد خطورة من النظام الذي دمر العراق وسوريا واليمن وقتلت مليشياته ملايين الآمنين فيها، باسم تطهيرها من (الإرهاب السُني المزعوم) الذي عقد الصفقات المشبوهة من تحت الطاولة مع الأمريكان والصهاينة، فليس بالضرورة أن يكون عدو العدو صديقا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *