لماذا ربحت إيران وخسر العرب؟

“إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم )  حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح”.

تلك المعلومة أدلى بها شيطان إلى الصحابي الجليل وراوية الإسلام “أبي هريرة”، فلما عرضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: (صدقك وهو كذوب)، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر هذه المعلومة ما اعترفنا بها، ولا صدقناها.

لكن الحدث يحمل فيما تضمن من فوائد أن المؤمن لا يستنكف عن تحصيل الفائدة ولو كان من عدوه.

إيران هي عدوٌ لنا، نعم هي عدوٌ لنا بطائفيتها وارتكازها على منهج يخالف أصول الديانة، وبالفتن التي تسكبها في الأقطار الإسلامية العربية ليل نهار، وبمشروعها التوسعي على حساب دول الجوار في المنطقة، وبالميلشيات التي تنشئها وتزرعها في بلدان السنَّة، وبدعم الأقليات الشيعية في كل دولة لتكون خنجرا في خاصرة تلك الدولة.

لكن هذا العدو قد نجح إلى حد بعيد فيما يطمح إليه، ويواجه عقبات تلو عقبات، لكنه يتمكن من تجاوز معظمها بصورة أو بأخرى.

لقد كان الاتفاق النووي الأخير الذي تم بين إيران ومجموعة 5+1، آخر مظاهر النجاح الإيراني، والذي جاء على حساب دول الخليج، وذلك بعد فترة من المناورات الإيرانية على الساحة السياسية والدبلوماسية، انتهت بما اعتبر نصرًا جديدًا أحرزته إيران في مشروعها الصفوي.

وفي المقابل يظل العرب في تراجع وضعف عن التعاطي الإيجابي مع قضاياه وأزماته المزمنة، وهو ما يطرح السؤال: لماذا ربحت إيران وخسر العرب؟

حتما تتعدد الرؤى والاتجاهات في تحليل أسباب الربح والخسارة، لكنني لست في هذا المقام بإزاء عرض الأسباب التفصيلية المتعددة.

وإنما أردت تسليط الضوء على الأسباب الرئيسية من خلال التأمل في المشروع الإيراني نفسه، وبيان حاجة الدول العربية السنية إلى تلك الأدوات ذاتها لكي تحرز تقدما يتناسب مع حضارتها وتراثها وإمكاناتها والدور المنوط بها.

أبرز هذه الأسباب يمكن إيجازها فيما يلي:

أولا: المشروع

كلنا يعلم أن إيران لها مشروع قومي فارسي مستلهم من فكرة امتداد المجد الفارسي، ومرتكز على بعد طائفي (شيعي)، وكلنا كذلك يتحدث عن الهلال الشيعي.

وكثيرا ما تناولتُ كما تناول غيري الخطة الخمسينية لمرجعيات إيران في السيطرة على دول المنطقة وآلياتها ومراحلها.

فنحن نتحدث عن دولة لا تعيش حبيسة جغرافيتها وحدودها، إنما هي دولة لها رؤية وأهداف، تُجيِّش من أجلها مؤسسات الدولة، وتعبئ الجماهير للسير في اتجاه واحد لتحقيق هذا الهدف.

فالأمة الإسلامية العربية – كما يقول الدكتور بسام الضويحي في دراسة بعنوان “المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية”- : “مهددة اليوم بمشروعين يستهدفان وجودها؛ الأول المشروع الصهيوني، وهو مشروع تحدٍ لوجود الأمة، وحيث أن هذا المشروع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعقيدتنا وبالمسجد الأقصى فلا خوف … فالأمر مكشوف وواضح.

أما المشروع الثاني الذي لا يقل خطراً على وجودنا وحاضرنا ومستقبلنا فهو المشروع الإيراني الفارسي الصفوي، الذي يتخذ من المذهب الشيعي الصفوي غطاء له ويهددنا تهديداً وجودياً، وعقدياً، وفي قيمنا العربية والإسلامية”.

فخطورة هذا المشروع أن القائم عليه ينتمي إلى الأمة الإسلامية، وهو ما يسهل تمريره عن طريق التغرير وخفاء التفاصيل على كثير من أبناء الأمة.

فأين مشروعكم يا عرب؟ أين؟

لطالما ترنم أصحاب النعرة القومية بعروبتهم، فماذا قدمت القومية العربية غير التهام القيم والروابط الإسلامية التي كان يجتمع عليها العرب والعجم، امتدادا لتلك الروح العقدية التي سادت القرون المفضلة، عندما انصهر الجميع في بوتقة واحدة على اختلاف أجناسهم وألوانهم.

وماذا فعل أصحاب المشروع العلماني؟ وماذا قدموا للأمة غير مناهضة الفكرة الإسلامية والوقوف حجر عثرة في نموها وهيمنتها؟

 لقد فشل العلمانيون في أن يحققوا أي شيء على أرض الواقع سوى تشويه الأفكار واختزال الدين.

وبخلاف ذلك، لم نر مشروعا لدول السنة في مقابل المشروعين الصهيوني والإيراني، في تباين واضح بغيض يجعلنا نستعير عبارة الفاروق عمر بن الخطاب: “اللهم إني أشكو إليك جلَد الفاجر، وعجز الثقة”.

فويح أمة لا تمتلك رؤية مستقبلية لمواجهة مشاكلها وأزماتها واستعادة ريادتها، هي أمة تسلك ذات المسلك الذي اتخذته أليس في بلاد العجائب.

كانت “أليس” تسير في الغابة وحدها، قابلت صديقها الأرنب، والذي التقته عند مفترق طرق، لا تدري أيها تسلك.

فسألته: أي هذه الطرق أسلك؟

فأجابها الأرنب بسؤال: إلى أي مكان تريدين الذهاب؟

قالت أليس: لا أعرف

قال الأرنب: إذن يمكنك أن تسلكي أيًا منها..

ثانيا: الفكرة المركزية

ثاني أسباب نجاح إيران، هي الفكرة المركزية التي جمعت أتباعها عليها، فأي نهضة لابد لها من فكرة مركزية يتمحور حولها الجميع تتعلق بهوية المجتمع وثقافته، وأخرى محفزة تتعلق بواقع الناس، وتعتبر هي الوجه الشعوبي للفكرة المركزية.

ويرى الدكتور جاسم سلطان في كتابه قوانين النهضة أن “لكل نهضة فكرة مركزية وفكرة محفزة.

الفكرة المركزية: هي عبارة عن مجموعة المبادئ العامة التي تعتمدها أي دعوة أو حركة أو تجمع. أو المبدأ الذي تعتنقه الدولة، وتنظم حياتها تبعاً لتعاليمه.

الأفكار المحفزة: تعالج مشكلة محسوسة بشكل مباشر للمخاطبين بالفعل. وتربط ذلك بشكل أو بآخر بالفكرة المركزية”.

ويرى علماء الاجتماع أن الدين هو أعظم فكرة مركزية لأي نهضة، فابن خلدون مثلا يرى أن الملك يقوم على العصبية وهي التلاحم بين الجماعة الواحدة ، إلا أنه يرى أن الدين هو أعظم ضامن لضبط مسار هذه العصبية، فيقول في تاريخه: ” الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق”.

وقد استفادت إيران من قوانين النهضة، فجمعت الناس على فكرة مركزية دينية، تتمثل في المنهج الشيعي الإمامي الجعفري، والذي تعد فيه الإمامة أصل من أصوله، وكان لنظرية الولي الفقيه التي أتى بها الخميني من بطون الروايات الشيعية المكذوبة، أثرٌ في جمع الشيعة في كل مكان حول الولي الفقيه الذي ينوب عن الإمام الغائب ويأخذ صلاحياته.

فلا عجب أن ترى الشيعة في كل مكان على وجه الأرض يدينون بالولاء لمرجعيات إيران الدولة الأمة.

وأصدق كلمة قالها المخلوع حسني مبارك: إن ولاء الشيعي في أي مكان إنما هو لإيران وليس لوطنه”.

أليس الشيعة في بلادنا يدفعون بالخمس ويبعثون به إلى إيران؟

ألم تساعد إيران الولايات المتحدة الأمريكية في غزو أفغانستان عن طريق القبائل الشيعية الموالية لها على أرض أفغانستان؟

ألم يصرح حسن نصر الله بأنه وشيعته وحزبه يمثلون إيران في لبنان؟

ألم يصرح عبد الوهاب حسين زعيم تيار الوفاء الشيعي بالبحرين دون مواربة، أن “تيار الوفاء يؤمن بولاية الفقيه حتى النخاع ويلتزم بها عمليا؟”.

هذه الفكرة اجتمع حولها الشيعة في كل مكان، واستطاعت من خلالها إيران أن تحرك الأقليات الشيعية وفق أجندتها ومشروعها، بل إنها استطاعت أن تستميل الحوثيين باليمن والذين كانوا يعتنقون المذهب الجارودي الزيدي، فأصبحوا ذنبا لها في اليمن.

في المقابل، أين فكرة الدين لدى الأنظمة العربية؟ إنها تفر من الصبغة الإسلامية كفرارها من الأسد.

فهي إما أنظمة علمانية، أو عميلة، أو تخاف من سطوة الغرب ورفضه لهيمنة تلك الفكرة الإسلامية على مناحي الحياة بكل شموليتها.

والله لولا الإسلام ما كان العرب، ومهما التمس العرب العزة في غير الإسلام كان الذل عاقبتهم، هذا هو المعنى الذي أكد عليه الفاروق رضي الله عنه.

يا الله، الإسرائيليون يجهرون بيهوديتهم وأن دولتهم قامت على اليهودية.

وإيران قامت على المنهج الشيعي وأقامت عليه دستورها وتفتخر بذلك..

فما بال أهل الحق يولون ظهورهم للإسلام بمعناه الشامل الذي يهيمن على مناحي الحياة؟!

ثالثا: التحرك خارج الحدود

ثالث هذه الأسباب، وهي متعلقة بما سبق، أن إيران أنشأت أذرعا لها خارج الحدود، في شتى الدول، تدين لها بالولاء، وترعاها إيران وتتبناها أو تنشئها من الأساس.

هذه الأذرع إما أن تكون ميلشيات مسلحة وأحزاب، كميلشيات الحشد الشعبي في العراق ومنها سرايا الخراساني (وهو الاسم الذي كان يطلق على الخميني)، وحزب الله اللبناني الشيعي، وحزب الدعوة البحريني وحزب الله الكويتي، وكلها كيانات موالية لإيران.

وتستغل إيران هذه الأحزاب والميلشيات لفرض النفوذ الإيراني والتمكين للشيعة وتصفية الوجود السني وتهجير السنة على غرار ما يحدث في العراق وسوريا.

كما أن إيران تدعم الأقليات الشيعية في الوطن العربي، فهي تمدهم بالمال اللازم لإقامة الأنشطة الدعوية الشيعية وبناء الحسينيات والمراكز الثقافية والمكتبات وإقامة الاحتفالات الشيعية، كما تمدهم بالسلاح وتدرب عناصر منهم في مراكز تدريب في إيران وسوريا ولبنان.

وتستغل إيران هذه الأقليات في عملية تغيير التركيبة السكانية للسنة عن طريق بسط النفوذ الاقتصادي وشراء المنازل والمحلات في المناطق ذات الكثافة السنية العالية.

كما أنها تستخدمهم كأوراق ضغط في إثارة الاضطرابات والفتن وادعاء المظلومية للأقلية الشيعية، ما يدفع حكومات تلك الدول لتقديم تنازلات لإيران.

ولكن مع الأسف الشديد، لم يستفد العرب من هذه السياسة، بل راحت معظم الأنظمة العربية تحارب فصائل التيار الإسلامي، وتسعى للقضاء عليه.

ولو أن الدول العربية فتحت مجالا للتحاور مع التيار الإسلامي واستيعابه لكان ظهيرا لها ضد أعدائها، وورقة ضغط ناجعة في أي تفاوض سياسي.

ولو أن دول الخليج خاصة قدمت الدعم الكافي للأقليات السنية في إيران كعرب الأحواز، لاستطاعت تكسير أنياب إيران في المنطقة.

رابعا: وحدة الموقف الشيعي

فهم يتحركون تجاه قضاياهم بفكر موحد، وجهد موحد، المؤسسات الصلبة كلها تخدم القضية، وأذناب إيران في المنطقة يتحركون في اتجاه واحد ونحو هدف واحد ترسمه طهران.

وأما بلادنا العربية ففي كل واد يهيمون.

 مؤامرات ودسائس وتخوين وانعدام ثقة..

تحالفات عبثية مع دول كبرى على حساب اللحمة الداخلية…

فردية مقيتة تتعامل بها الأنظمة دونما اعتبار للإطار العام…

دول الخليج على سبيل المثال وحتى اليوم، لم تتمكن من صياغة موقف موحد تجاه ملف المشروع الإيراني.

بعضها رعى مفاوضات النووي بين إيران ومجموعة 5+1…

وبعضها أرسل التهاني إلى طهران بمناسبة نجاحها في الاتفاقية مع علمها بآثارها الوخيمة..

بارقة أمل:

لا مانع من بعض (التطبيل) المعتاد الذي أُتهم به كلما تحدثت عن السعودية، ولن أستنكف عن التصريح بدعم القيادة السعودية الجديدة لمجرد خوف النقد، ولست في حاجة لأن أباهل أقواما على أنني لست مأجورة وأنني لم ولن أبيع قلمي لأي أحدٍ مهما كان.

السعودية كانت صاحبة الخطوة الأولى في مواجهة العربدة الإيرانية في المنطقة، وقادت عاصفة الحزم ضد أذناب إيران في اليمن، وتمكنت بفضل الله من تحرير عدن، في الوقت الذي تتخذ موقفا حازما من النووي الإيراني وتهدد إيران بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه العبث الإيراني.

كما أن إرهاصات الدعم السعودي للمقاومة الفلسطينية قد بدأت تظهر للعلن، وأقرب مثال على ذلك زيارة مشعل للسعودية والتي نتج عنها إطلاق سراح معتقلي حركة حماس في السعودية.

أضف إلى ذلك العلاقات الآخذة في الفتور بين السعودية وأمريكا، والتي أكدتها إقامة علاقات ثنائية بين السعودية وروسيا، والتي تحمل إشارة إلى الخروج عن التبعية لأمريكا.

إن السعودية بقيادتها الجديدة تستعيد الريادة والقيادة للعالم السني، وتسعى للأخذ بزمام المبادرة في الملفات الخارجية، وهو ما يحتاج إلى تنسيق والتفاف من دول العالم الإسلامي السني مع المملكة.

وربما كانت السياسة الخارجية الجديدة للمملكة هي نواة لمشروع سني في المنطقة، وما ذلك على الله بعزيز.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

كيف يولد الغُلوّ ؟ ولماذا يتحول أحيانا إلى عنف؟

– من أكثر الأخطاء شيوعا أن نتعامل مع الغلو وكأنه مرض يظهر فجأة في عقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *