ازدواجية الاعتزاز بالهوية

لماذا يُعتبر الاعتزاز بالسردية التركية وعيا حضاريا، بينما يُعامل الاعتزاز بالأردن كأنه تطبيل يا معشر المنافقين؟!

لسنا في خصومة مع سردية أحد، ولا نريد أن نبني اعتزازنا بالأردن على الانتقاص من تركيا أو غيرها…..

بل إننا نفرح بإنجازات تركيا، ونعتز بتاريخها الإسلامي، ونحترم قدرتها على صناعة صورة وطنية تجعل أبناءها وبعض العرب معهم يطيرون بكل مصنع تُركي يُفتتح، وبكل سلاح تُركي يُنتج، وبكل موقف سياسي يُعلن، وبكل صفحة من التاريخ العثماني تُستعاد….

وهذا حقهم، بل هو من تمام الوعي الوطني أن يعرف الشعب ما الذي أنجزته دولته، وأن يحفظ ذاكرته، وأن يروي تاريخه من منظوره هو، لا بحسب ما تلتقطه عيون خصومه.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح:

لماذا يصبح الاعتزاز بتركيا وعيا حضاريا، بينما يصبح الاعتزاز بالأردن تطبيلا؟

لماذا يجوز لبعض العرب أن يتحدثوا عن الجندي التركي، والصناعة التركية، والموقف التركي، والخطاب الرسمي التركي، والتاريخ التركي بحماسة لا سقف لها، ثم يضيقون بالأردني إذا تحدث عن جيشه، أو تماسُك دولته، أو تضحيات أهله، أو القيمة التي أضافها بلده إلى المنطقة؟!

نحن لا نستكثر على أحد حُبّ وطنه، فلماذا يُستكثر علينا أن نُحبّ وطننا ونشيد به ونبحث في أكوام القش عن بذرة خير وشُعلة نور ؟!

ليس بمقبول منا أن نُصغر الأردن كي نُثبت أننا عرب ولدينا انتماء للقضايا العربية الكبرى..

وليس بمقبول أن نخجل من تاريخنا كي نبدو موضوعيين وحياديين وقلوبنا على المُستضعفين من أبناء الأمة الإسلامية…

وليس من الحكمة أن نعتذر عن بقاء دولتنا لأن دولا أخرى انهارت…

والعروبة التي تطلب من الأردني أن يمحو نفسه ليست عروبة،

كما أن التعاليم الدينية التي تسمح لكل شعب بأن يعتز بدولته إلا الأردني ليس من الإسلام الحقيقي في شيء..

الأردني ليس أقل حقا من التركي في أن يمتلك سرديته….

ومن حقه أن يقول إن بلده حافظ على الدولة وسط الفوضى،

وإن جيشه دفع الدم،

وإن مجتمعه استوعب موجات اللجوء،

وإن أرضه حملت أعباء فلسطين وسوريا والعراق،

وإن هذا الوطن، على قلة موارده، لم يكن هامشا في تاريخ المنطقة ولا فائضا عن حاجتها…..

ولا يعني ذلك أن الأردن مثاليّ او كامل، ولا أن مؤسساته فوق النقد، ولا أن كل سياساته صائبة…

فالسردية الوطنية الناضجة لا تُنكر الأخطاء، لكنها ترفض أن تجعل الخطأ هو القصة الوحيدة، كما ترفض أن يتحول نقد السلطة إلى احتقار للدولة، أو أن يصبح الغضب من حكومة مُبررا لمحو تاريخ شعب كامل.

نحن مع كل إنجاز تركي، ونفرح له كما نفرح لإنجاز كل بلد نحبه….

لكن الأُخوة ليست أن نرفع أعلام الآخرين ثم نخجل من علمنا !!

ولا أن نحفظ أسماء معاركهم وقادتهم ومصانعهم، ثم نتعامل مع تاريخ الأردن كأنه تفصيل لا يستحق الرواية….

لا نطلب من أحد أن يحب الأردن كما نُحبّه، ولكن من حقنا ألا يُطلب منا أن نحبه بصوت منخفض أو خجول…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا ينجح أعداء الأردن أحيانا في رواية قصته أكثر من الأردنيين أنفسهم؟

– من يفهم التاريخ يدرك أن الأمم لا تُهزم -على الحقيقة- حين تخسر أرضا أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *