حالة من البهجة والتفاؤل سادت الأوساط الرسمية والشعبية في سوريا، عقب إعلان أمريكي ببدء إجراءات رفع سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد ساعات من لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة.
الإعلان يبشر بإنهاء قرابة خمسة عقود من العزلة الدولية مورست ضد سوريا منذ عام 1979، ويأتي ضمن جهود الإدارة السورية الجديدة في عهد ما بعد سقوط نظام بشار للانخراط في البيت العربي والمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.
يُنظر إلى الحدث حال اكتمال الإجراءات دون معوقات، على أنه يمثل نقلة كبيرة للإصلاحات في الداخل السوري، إذ أن رفع سوريا من قائمة الإرهاب يعزز مجالات الاستثمار والتجارة الخارجية والاندماج في النظام المالي الدولي والشراكات الخارجية في قطاعات حيوية كالطاقة والصحة والتعليم والزراعة والاتصالات.
ولئلا نكون قد أفرطنا في التفاؤل، فينبغي الإشارة إلى أن هذا الإعلان لا يعني الموافقة النهائية على رفع سوريا من قائمة الإرهاب، حيث يدخل القرار ضمن مراجعة إلزامية من الكونغرس الأمريكي لمدة 45 يومًا، ويصبح نافذا حال انتفاء الاعتراضات خلال هذه المدة.
لكن في كل الأحوال، المبشرات بالشطب من القائمة قوية، وحلم السوريين أصبح قريبًا، تشير إلى ذلك التصريحات الرسمية لمسؤولي النظام السوري.
لكن السؤال الذي ربما يتردد في الأذهان: ما الذي تهدف إليه الإدارة الأمريكية من خلال هذه التوجهات المرنة تجاه سوريا؟
في عالم السياسة لا توجد تحالفات أبدية، ولا توجد خصومات أبدية، الثابت الوحيد في السياسة هو المصالح، وتلك قاعدة لفهم التحولات في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، سواء فيما يتعلق بمراجعة العقوبات أو التصنيفات القانونية أو حتى فتح مجالات للحوار السياسي.
وكما لم تكن الضغوط والعقوبات التي مارستها الولايات المتحدة ضد نظام بشار على مدى عقود بدوافع أخلاقية مجردة، فموقفها الحالي كذلك تجاه سوريا ما بعد الأسد ليس لدوافع أخلاقية أو إنسانية، فأمريكا ليست جمعية خيرية تمنح المكافآت بدافع قيمي، إنما هي دولة تبحث عن مصالحها، وتعيد رسم سياساتها كلما اكتشفت أن الأدوات القديمة لم تعد مناسبة للتعامل مع الوضع الراهن.
ما يحدث يعبر عن فلسفة إدارية للرئيس ترامب تنتقد حجم الإنفاق الأمريكي الضخم في الشرق الأوسط، وإدراك أن واشنطن قدمت كلفة باهظة تفوق المكاسب الاستراتيجية التي جنتها، فكان من الطبيعي أن تتعامل مع الملف السوري الجديد بعيدًا عن الإرث السياسي للإدارات السابقة.
أحد أهم دوافع التوجهات الترامبية الجديدة هو التحولات في موقف حلفائها العرب تجاه سوريا بعد سقوط نظام الأسد الذي كان يدين بالتبعية لإيران ويتحرك تحت مظلتها وأدى إلى دخول سوريا في عزلة عربية.
الإطاحة بنظام الأسد كانت إيذانًا بخروج سوريا من العباءة الإيرانية، ومن ثم اتجهت العديد من الدول العربية لدعم سوريا وإدماجها في البيت العربي، واستخدام علاقاتها الخارجية بالولايات المتحدة والمصالح المشتركة معها في حث واشنطن على اتخاذ مواقف أكثر مرونة تجاه سوريا ما بعد الأسد.
كان من الطبيعي وفق قواعد التحالفات، ألا تتجاهل أمريكا هذه التحولات في الموقف العربي، حتى لا تجد نفسها خارج المعادلة التي تسعى لترسيخها وقيادتها.
في السياق نفسه، كانت الولايات المتحدة تنظر إلى سوريا باعتبارها أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة التي تقع حليفها الأكبر إسرائيل في القلب منها، وبالتالي يمثل أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجهها في المنطقة، ومن ثم ترى واشنطن ضرورة احتواء سوريا، لأن الاستمرار في عزلها وفرض العقوبات عليها قد يدفعها للتقارب مع الخصوم التقليديين للولايات المتحدة من بينهم إيران.
قريبًا من ذلك، يأتي العامل الروسي كأحد أبرز الأسباب في تحولات السياسة الأمريكية تجاه سوريا، فمنذ التدخل الروسي في مسرح الأحداث عام 2015، أصبحت موسكو هي اللاعب الخارجي الأبرز حضورًا في سوريا، وأسهم الدب الروسي في تغيير المعادلة في الحرب الدائرة لصالح نظام بشار الأسد.
نتيجة لصراع النفوذ في المنطقة بين واشنطن وموسكو، رأت إدارة ترامب أن استيعاب سوريا وفتح مسارات سياسية معها، وتخفيف الضغط عليها، سوف يكون نقطة تفوق لها في المنطقة على حساب روسيا وأي منافسين استراتيجيين محتملين، فهي تدرك جيدًا أن مساحة الفراغ لابد وأن يأتي من يملأها.
تأسيسا على هذه النظرة، ترى إدارة ترامب أن الانفتاح الموزون أو التحفيز السياسي والاقتصادي المدروس لسوريا يمنح أمريكا أوراقًا جديدة للتأثير في المشهد السوري.
ولا ينبغي أن نغفل كذلك الاحتلال الإسرائيلي كأحد أهم العوامل التي تجعل الولايات المتحدة تعيد النظر في سياساتها الخارجية تجاه سوريا، فواشنطن قد بنت سياساتها في المنطقة على حماية الأمن القومي الإسرائيلي، ويهمها عدم فتح جبهات وساحات جديدة لمواجهة الكيان، تزيد من الكلفة التي تتحملها بدورها الولايات المتحدة.
أداء الشرع وحكومته فيما يتعلق بامتصاص العربدة الإسرائيلية في الجنوب، وتأكيد سوريا على المسارات الدبلوماسية وإشراك المرجعيات الدولية في الأزمة، كان بمثابة تأكيد على التوجهات السورية المعلنة إزاء تصفير النزاعات والانكفاء على إعادة الإعمار والنهوض بالأحوال المعيشية للمواطن السوري، دون الدخول في مواجهات إقليمية حتى ضد الكيان الإسرائيلي، وهو ما لاقى ارتياحًا لدى الإدارة الأمريكية.
النظام السوري الحالي يدرك أبعاد هذه التحولات وأسبابها، ومن ثم يعمل على استثمار هذه التحولات والاستفادة منها في النهوض بسوريا التي خلفها نظام الأسد رمادًا وأطلالًا.
مرة أخرى نشير إلى أن الطريق إلى رفع سوريا من قائمة الإرهاب على الرغم من كونه يبدو قريبًا، إلا أن هناك عراقيل ربما تحول بنسبة أو بأخرى دون إتمام الإجراءات، فهناك قيود قانونية وسياسية داخل الولايات المتحدة، وأي تغيير يتطلب مسارًا مؤسسيًا وليس مجرد قرار سياسي سريع، كما أن ترامب سوف يوازن حتما بين اعتبارات الأمن القومي ومواقف الكونغرس والتطورات الميدانية.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة