ليس العيب أن تدخل على السلطان…

وإنما العيب أن تخرج من عنده وقد خرج الحق من قلبك….

حين يقرأ الناس في سِيَر السلف أن الإمام مالك، أو سفيان الثوري، أو أبو حازم، أو غيرهم، دخلوا على الخلفاء والسلاطين، يظن بعضهم أن مجرد الدخول دليل على الموالاة، بينما يظن آخرون أن مجرد الجلوس مع الحاكم شهادة بالبراءة من كل خطأ.

وكلا الفهمين بعيد عن منهج العلماء….

فالسؤال الحقيقي ليس: هل دخلت على سلطان أو هل أنت قريب من أهل السلطة والحُكم ؟

بل: كيف دخلت؟ ولماذا دخلت؟ وماذا قلت؟ وكيف خرجت؟

ولذلك لما قيل للإمام مالك رحمه الله: “إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون؟”… أجاب بكلمة تختصر فلسفة العالِم الربّاني:

“يرحمك الله، فأين المُكلِّم بالحق؟”

إنها ليست كلمة تُبرر الاقتراب من السلطة، وإنما تُحدد وظيفة العالِم أمامها.

العالِم ليس شاهد زور، ولا موظف علاقات عامة، ولا صانع هالات حول الحاكم، كما أنه ليس ثائرا دائما يرفض كل باب يُفتح له ولو كان فيه مصلحة للمسلمين.

إنما هو رجل يحمل أمانة الكلمة، فإذا وجد طريقا يوصل بها الحق إلى من بيده القرار، سلكه، بشرط ألا يبيع نفسه في الطريق.

ولذلك لم يكن دخول الإمام مالك على السلطان هو الموقف الذي خلّد اسمه، وإنما الطريقة التي دخل بها…

فعندما قدم هارون الرشيد المدينة، أراد أن يُؤتى إليه بالإمام مالك ليسمع منه الموطأ في مجلس الخليفة….

كان بإمكان مالك أن يعدّ ذلك شرفا دنيويا، وأن يُهرول إلى القصر، وأن يُقال: الإمام عند الخليفة… ومُقرّب من الخليفة ..

لكنه أدرك أن القضية ليست انتقال شخص من مكان إلى مكان، وإنما انتقال مكانة العلم…. فقال كلمته التي بقيت تضرب في التاريخ:

“إن العلم يُزار ولا يزور.”….

وحين أُلح عليه الرشيد، قال:

“لا تكن أول من وضع العلم، فيضعك الله.”

يا لها من عبارة!

لم يكن الإمام مالك يحمي نفسه، وإنما كان يحمي هيبة العلم من أن يتحول إلى تابع للسلطة…..

فإذا أصبح العالِم ينتظر الاستدعاء ليمنح الشرعية، فقد خسر العلم قبل أن يخسر نفسه.

فليست المشكلة في القرب من الحاكم… بل في القرب الذي يبتلع صاحبه….

في الفكر السياسي المعاصر، كتب الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:

“السلطة تميل بطبيعتها إلى التوسع ما لم تجد من يحدها”

وهذه العبارة لا تتحدث عن شخص بعينه، بل عن طبيعة السلطة في كل زمان.

ولهذا كان وجود أصحاب الضمير بالقرب من مراكز القرار ضرورة، لا تَرَفا.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول القريب من السلطة من ضمير يراجعها إلى لسان يُبرر كل ما يصدر منها …

فبين الناصح والمُصفّق لكل شيء.. مسافة هائلة.

وبين المستشار والمُنتفع … وادٍ سحيق.

ولهذا قال المفكر البريطاني إدموند بيرك:

“الشيء الوحيد اللازم لانتصار الشر هو أن لا يفعل الصالحون شيئا”

غير أن “الفعل” لا يعني دائما الصراخ في الساحات، كما لا يعني دائما الجلوس في القصور….

بل يعني اختيار الموقع الذي تستطيع فيه أن تقول كلمة الحق دون أن تفقد نفسك…

القرآن الكريم لم يمنع مخاطبة أصحاب السلطة… بل علّم كيف تُخاطب…

حين بعث الله موسى وهارون إلى فرعون، لم يأمرهما باعتزال فرعون، ولم يأمرهما بمداهنته… ولا بشتمه …

بل قال:

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۝ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.

فالذهاب كان واجبا…. واللين كان منهجا…. والحق كان مضمون الرسالة.

لم يذوبا في سلطانه…. ولم يتنازلا عن رسالتهما….

وفي المقابل، ذَمّ القرآن علماء بني إسرائيل الذين باعوا الحق لقاء المكاسب، فقال سبحانه:

﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.

فالميزان الشرعي ليس: هل اقتربت من السلطان؟

بل: ماذا دفعت ثمنا لذلك الاقتراب؟

السلف الصالح لم يكونوا على باب السلطان… بل كانوا بابا يدخل منه الحق…

كان أبو حازم عليه رحمة الله يقول للخليفة:

“إن خير الأمراء من أحب العلماء، وشر العلماء من أحب الأمراء.”

ولم يكن يقصد تحريم العلاقة، وإنما تحريم التبعية….

وقال سفيان الثوري عليه رحمة الله:

“إذا رأيت العالم يكثر الدخول على السلطان فاتهمه.”

لكن التاريخ نفسه يخبرنا أن بعض العلماء دخلوا على الخلفاء، وبعضهم امتنع، وكلا الفريقين كان ينظر إلى المصلحة والفتنة والقدرة على قول الحق….

فالمسألة ليست قاعدة جامدة…. إنها فقه مآلات.

والواقع اليوم أكثر تعقيدا !

في عصرنا، لا يقف كثير من الناس على أبواب القصور.

بل يقفون على أبواب الشاشات….

وقد تتحول مقابلة إعلامية، أو صورة، أو تغريدة، أو منصب استشاري، إلى وسيلة تمنح السلطة شرعية أو تمنح المجتمع نصيحة نافعة.

ولهذا فإن السؤال لا يزال هو نفسه:

هل وجودك هناك سيجعل كلمة الحق أقوى؟

أم سيجعل الباطل أكثر قبولا؟

هل ستخرج وقد حفظت استقلالك؟

أم ستخرج وقد أصبحت جزءا من آلة التصفيق؟

إن أخطر ما يصيب المثقف والداعية ليس أن يقترب من السلطة…. بل أن يبدأ بتعديل قناعاته حتى تناسبها…. فالإنسان لا يسقط غالبا في لحظة واحدة.

بل يسقط بتنازل صغير… ثم تنازل أصغر…

حتى يظن في النهاية أنه لم يتغير، بينما لم يبقَ من مواقفه الأولى إلا الذكريات.

فاحذروا الظُلم يا قوم …

ليس كل من دخل على السلطان منافقا….

وليس كل من اعتزل السلطان أو شتمه مُصلحا…

فالميزان الذي تركه لنا السلف أوضح من هذه الثنائيات الساذجة….

ادخل إن استطعت أن تحمل الحق معك….

وادخل إن كنت قادرا على أن تقول “لا” قبل أن تقول “نعم”….

وادخل إذا كان وجودك يرفع شأن العلم ولا يضعه.

أما إذا كان الثمن هو أن تبيع استقلالك، أو أن تزين الظلم، أو أن تجعل علمك سلعة على أبواب النفوذ، فحينها يكون البقاء بعيدا أشرف من القرب…

ولهذا بقي الإمام مالك مدرسة لا لأنه عرف أبواب الخلفاء، بل لأنه علّم الخلفاء أن العلم لا يقف على الأبواب… وإنما تُفتح له الأبواب….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

خارج قائمة الإرهاب…عوامل تحولات السياسة الأمريكية تجاه سوريا

حالة من البهجة والتفاؤل سادت الأوساط الرسمية والشعبية في سوريا، عقب إعلان أمريكي ببدء إجراءات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *