هل تغيّر الموقف السياسي يعني تغيّر العقيدة؟

هذا ردي على من رأى أن تغيّر موقفي من جماعة سياسية هو تغيّر في البوصلة، ثم نقل النقاش من السياسة إلى العقيدة؛ فتحدث عن “موالاة المؤمنين ومعاداة الشياطين”، وقال إن حماس “فيها نصوص شرعية” وإنها “شرف الأمة إلى يوم الدين”، وأرسل كلام أحد المشايخ لكي يحشُرني في زاوية أو يُفحمني…

وهنا تحديدا كان اعتراضي: متى تحوّل الاجتهاد في جماعة بشرية إلى معيار للثبات على الدين؟!

جوابي :

يا أخي الكريم ، لعل موضع الخلاف بيني وبينك ليس في حماس ولا في الإخوان أصلا، بل في شيء أعمق:

– أنت تخلط – في تقديري- بين الثبات على الدين والثبات على تنزيل سياسي بشري للدين….

أنا أدعو الله لي ولك بالثبات على الحق حتى الموت، لكنني لا أدعوه أن يثبتني على كل رأي سياسي قُلته في حياتي؛ بل أسأله أن يريني الحق حقًا كلما تغيرت الوقائع أو ظهرت لي معلومات لم أكن أعرفها….

الثبات محمود في “الأصول والقيم”:

في التوحيد، والعدل، وحرمة الدم، ونصرة المظلوم، ورفض الاحتلال الصهيوني والامريكي والإيراني والعدوان، والوفاء بالعهد….

أما الموقف من حزب أو حركة أو قائد أو دولة أو معركة أو تحالف، فهذا اجتهاد في تنزيل تلك الأصول على واقع متغير، وقد أصيب فيه اليوم وأخطئ غدا…

ولهذا توقفت طويلا عند قولك:”حماس فيهم نصوص شرعية وهم شرف الأمة إلى يوم الدين”…

ما معنى «فيهم نصوص شرعية»؟

النصوص الشرعية تتحدث عن الإيمان والجهاد والصبر والرباط ونصرة المظلوم وغيرها من المعاني، نعم؛ لكن تحويل النص العام إلى “شهادة إلهية لتنظيم معاصر باسمه، ثم تمديد هذه الشهادة إلى يوم الدين”، يحتاج إلى دليل لا إلى عاطفة….

حماس تنظيم بشري؛ فيه الصالحون والمخطئون، وفيه المجاهد والمجتهد، وله ما أصاب فيه وعليه ما أخطأ فيه….

وأرجو لمن قُتل منهم مُقبلا غير مُدبر القبول والشهادة، وأقول: رحم الله السنوار وتقبل الله أبا عبيدة وسائر من قضوا في عباده الصالحين؛ لكنني لن أجعل حسن ظني بهم “عقيدةً ألزم بها المسلمين”…

فالسرائر لله…. والجنة لله…. والحساب لله.

حتى الصحابة، وهم خير هذه الأمة بعد نبيها رضوان الله عليهم، اختلفوا في السياسة والاجتهاد والفتن، ولم يجعل أهل السنة قول فرد منهم وحيا لا يُراجع.

فكيف نصنع ذلك برجال القرن الحادي والعشرين؟

وأخطر ما تعلمته من تجربتي الفكرية أن “تقديس الأشخاص يبدأ غالبا بحسن نية”: نحب الرجل لأنه يحمل قضية عادلة، ثم نربط القضية به، ثم يصبح نقده نقدا للقضية، ثم يصبح مخالفته خيانة، ثم نبحث في النصوص عما يثبت أننا نحن “المؤمنون” وأن خصومنا “الشياطين”.

وهنا تضيع المسافة بين الوحي وقراءتنا للوحي….

أنا مع فلسطين دون أن تكون حماس معصومة….

وأرفض قتل الأبرياء وتهجيرهم وتجويعهم دون أن أحتاج إلى القول إن كل قرار اتخذته المقاومة الفلسطينية الإسلامية “حماس” كان صوابا.

وأحترم تضحية كُل رجل دون أن أجعل كل آرائه دينا يكفر من لا يُقرّ به…

فالقضية العادلة لا تحتاج إلى رجال معصومين لكي تظل عادلة..

أما سؤالي لك: “من المؤمنون ومن الشياطين؟”

فلم يكن سخرية… إنه سؤال منهجي حقيقي.

إذا قلتَ لي: المؤمنون هم الذين وصفهم الله بالإيمان، والشياطين هم شياطين الإنس والجن، اتفقنا….

أما إذا أصبح المعنى العملي: المؤمنون هم الجماعة التي أؤيدها، ومن عاداها صار من «الشياطين»، فهنا لم نعد نستعمل النص الشرعي لهداية موقفنا السياسي؛ بل أصبحنا ـ من حيث لا نشعر ـ نستعمل النص لتقديس موقف أو شخص اتخذناه سلفا ..

وهذا تحديدا ما لم أعد أريده لنفسي…. وأنت وأشباهك أحرار فيما تُريدون لأنفسكم ..

لقد كنتُ أكثر حدة في تصنيف الناس، وأكثر يقينا بأن مُعسكري هو معسكر الحق، وأقل استعدادا لرؤية تعقيدات البشر والسياسة. …

واليوم لا أخجل من القول إنني راجعت كثيرا من ذلك.

فأنا لم أغيّر بوصلتي؛ أنا فصلت البوصلة عن الأشخاص….

بوصلتي ما زالت نحو الله والعدل والحق ونصرة المظلوم… والله الأعلم بي منكم ..

لكنني لم أعد أُعلّقها في رقبة حزب، ولا قائد، ولا دولة، ولا جماعة.

لأن الرجال يُعرفون بالحق، وليس الحق هو الذي يُعرف بالرجال….

وإذا اكتشفتُ غدا أن موقفا أدافع عنه اليوم كان خطأ،…

فأسأل الله أن يمنحني شجاعة تغييره، لا أن يمنحني القدرة على اختراع المبررات كي أبدو “ثابتة” وابنة التيار وحليفة الموجة…

فالثبات على الخطأ بعد ظهور خطئه ليس ثباتا على المبدأ؛ إنه ثبات على النفس…

وأنا أخاف أن ألقى الله وقد عرفتُ أنني أخطأت ثم أصررت حفاظا على صورتي أمام الناس، أكثر مما أخاف أن يقول الناس عني: غيّرت موقفها.. أو مُلتوّنة أو مُتناقضة… أو مأجورة أو مرتزقة…

فالثبات الذي أرجوه من الله هو الثبات على الحق، لا الثبات على أخطائي.

===

بالنسبة للمقطع المُجتزأ الذي لا أعرف تكملته والذي سأتركه في التعليق الأول:

المقطع في الحقيقة لا يجيب عن الإشكال الذي طرحته عليك….

إرسال مقطع لشيخ يمدح حماس لا يُحوّل رأي الشيخ إلى نص شرعي، ولا يجعل الحركة فوق النقد….

أنا لا أناقش فضل المقاومة، ولا تضحيات أفرادها، ولا حق الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الدموي التهجيري الارهابي؛ أنا أناقش شيئا آخر تماما: تحويل موقفنا من جماعة بشرية إلى معيار للإيمان والثبات، ثم إحاطة رجالها بهالة تجعل نقدهم وكأنه طعن في الدين نفسه….

ولو قال أعلم علماء الأرض عن جماعة سياسية معاصرة كلاما عظيما، يبقى كلامه اجتهاد عالم في بشر وواقع سياسي، وليس وحيا نزل فيهم….

العالِم نفسه يُصيب ويخطئ، فكيف تصبح الجماعة التي يمدحها معصومة بسبب مدحه؟!

وهذه تحديدا هي النقطة التي تغيّرت عندي: كنت أستشهد يوما بكلام المشايخ لأغلق النقاش، أما اليوم فأسمع الشيخ وأحترمه، ثم أسأل: ما دليله؟

وهل وصفه الشرعي منضبط؟

وهل ينطبق على كل أفراد الحركة وقراراتها وفي كل زمان؟

أحب الصالح بفضل الله الذي رزقني فطرة سليمة وأسأل الله أن أموت عليها، وأترحم على الشهيد منهم، وأنصر المظلوم، وأحترم المجاهد، لكنني لا أضع مفاتيح ديني في جيب حزب، ولا أجعل رأي شيخ في جماعة صكّا إلهيًا لها إلى يوم الدين….

الفرق بيننا ليس أنك تحب المقاومة وأنا لا أحبها؛ الفرق أنني نزعت القداسة عن السياسة، ولم أنزع عن المقاومة فضلها؛ فالفضل شيء، والعصمة شيء آخر …

وأبقيت القداسة للوحي وحده….

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

«آسف».. تلك التي تُطفئ النار

(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث نبوي شريف يقرر حقيقة ما جُبل عليه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *