لو إنك طلبت من أحدهم رسم صورة تخيلية لأبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، لرسم لك رجلا أشبه ما يكون بشيطان، لا ينقصه سوى أن يكون له قرنان، مع أن ما ورد في صفات هذه الرجل على العكس من ذلك، فقد كان شديد الوسامة.
الدراما لها قدرة طاغية على تشكيل الانطباعات لدى المتلقي، تجعله يقدم الصورة التي يتلقاها عما يراه أو يعلمه في الواقع، فتصبح في ذهنه صورة نمطية معينة عن شخص أو مجموع، خاصة مع التأثير التراكمي للدراما في مخاطبة العاطفة.
صورة المتدين في الدراما العربية، تخضع إلى حد كبير في رسم ملامحها إلى التوجهات السياسية للدولة، وعلاقتها وموقفها من الإسلاميين، وعلى الرغم من أن التدين أوسع بكثير من أن ينحصر في إطار الإسلاميين، إلا إن الدراما في تناولها لشخصية المتدين غالبا ما تعمد إلى الإسقاط على أوساط التيارات الإسلامية. شخصية المتدين، كانت إحدى الشخصيات التي تعرضت لتنميط الدراما، فهو منافق وصولي، أو ذو شخصية تعكس أمراضا اجتماعية وعقدا نفسية، وهو مشعوذ دجال، أو معتوه أشعث من الدراويش، وقد يكون شهوانيا زير نساء، وكثيرا ما يكون إرهابيا تكفيريا، كما هو الحال في أغلب الأعمال الفنية التي تتناول الشخصيات الإسلامية، وغير ذلك من الأنماط المختلفة التي يلاحظها المتابع بصورة جلية. وقد نتج عن هذا التناول خلق صورة ذهنية سيئة لدى الجماهير عن شخصية المتدين، حيث إن الطرق المتوالي على العوار ـ المختلق في معظم أحواله – للعلماء والدعاة والمتدينين، غيّر إدراك الناس لواقعهم، فصار وجدانهم يتفاعل مع ما يسمعونه ويشاهدونه على الشاشات، غاضين الطرف عن واقع احتكاكهم الفعلي بتلك الشخصيات. ولا ريب في أن الدراما بتأثيرها الحركي في المشاهد، استطاعت بالتضافر مع عوامل أخرى أن تزعزع منزلة الشخصيات المتدينة، التي تنال منها لدى الجمهور، حيث أن هناك ثلاث مستويات للشخصية كما يرى الدكتور سعيد إسماعيل علي في كتاب «فلسفات تربوية معاصرة»:
المستوى الأول: مستوى الوعي والإدراك المعرفي؛ وتتم تنمية هذا الجانب عند الإنسان من خلال تزويده بكمّ من المعلومات والمعاني والمفاهيم والحقائق، فضلاً عما يرتبط بهذا الجانب من ناحية طريقة التفكير، ومنهج البحث، وأساليب الربط، والاستنتاج والاستنباط، والتحليل والنقد.
المستوى الثاني: مستوى العاطفة والوجدان؛ وهو أخطر المستويات وأكثرها صعوبة، لتعلّقه بما هو داخل الإنسان، فهو أشبه بالكهرباء التي لا نراها، لكننا نرى آثارها. ومن هنا فإن هذا المستوى الذي يشتمل على الميول والاتجاهات والقيم، تتعرف عليه عادة بطرق غير مباشرة، عن طريق ملاحظة تجلياتها السلوكية.
المستوى الثالث: مستوى حركي؛ وهو الذي يتصل بالمهارات العلمية المختلفة، ويقوم بالدرجة الأولى على حركة البدن.
والملاحظ أن الدراما قد أثرت في المشاهد وانطباعاته تجاه شخصية المتدين عن طريق تلك المستويات مجتمعة. والحق أنه لا يخلو قطاع من قطاعات المجتمع من نماذج سلبية من المتدينين، فهناك بالفعل العالم المتزلف للسلطان والبائع دينه بعرض من الدنيا قليل، وهناك ذو الوجهين الذي يدعو الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو أبعد ما يكون عنهما، وهناك التكفيري الذي يوزع على الناس تهم الكفر بمجرد وقوعهم في المعاصي، وهناك الغليظ الفظ المنفّر بطباعه وهيئته، وهناك الذي يبتغي بمظاهر التدين السمعة والسيرة الحسنة لدى الناس، غير أن الدراما العربية استغلت تلك العينات والنماذج وسلكت عدة مسالك خاطئة في عرضها:
الأول: اتباعها منطق التعميم، فصورت المتدينين على هذا النحو السلبي، وكأن هذا هو الأصل في تلك الفئات والشرائح، فعلى سبيل المثال: جماعة التكفير والهجرة، التي ليس لها انتشار قوي في مصر، ويعدون على أصابع اليد في كل مدينة، وتقلصت أعدادهم بصورة كبيرة بعد أن تصدى التيار السلفي للفكر التكفيري، تعمد الدراما المصرية إلى أن تأخذ تلك العينة السلبية التكفيرية، وتقوم بتعميمها على كل فصائل التيار الإسلامي، فتصور الجميع على أنهم يكفرون الرائح والغادي.
الثاني: أنها لم تطرح تلك النماذج كمشكلة مجتمعية، تحتاج إلى دراسة وتحليل وسبل مواجهة، وإنما كل ما يعنيها الانتقاص من قدر هذه الشخصية، واستثارة مشاعر السخط والسخرية والكراهية، إزاء تلك الشخصيات.
الثالث: المبالغة، فهي لا تبرز السوء بحجمه الطبيعي الواقعي، وإنما تتعداه إلى حد اختلاق الأكاذيب التي تثير الاشمئزاز، حتى أن الأفلام والمسلسلات ادعت أن الجماعات الإسلامية، تحرّم الشرب من مياه الصنبور، وتحرم أكل الخيار والباذنجان، وكذا ركوب السيارات.
فأهل العلم والدعوة ومن يطلق عليهم المتدينون بصفة عامة، يمثلون شريحة كبيرة وقطاعا واسعا في المجتمع، وهم جزء أساس في تكوينه وتركيبته، وتشويه الرموز الدينية في الدراما العربية، يخلق ويعمق من الهوة بينها وبين فئات الشعب الأخرى. والمتأمل في سور القرآن وآياته يدرك مدى حرص الإسلام على اللحمة الداخلية للمجتمع، وفي سبيل الوصول إلى ذلك اشتملت «سورة الحجرات» على سبيل المثال، على مجموعة من المنهيات من شأنها خلخلة الأواصر المجتمعية، وذلك حتى لا تفسد العلاقات الاجتماعية وتتفكك لحمة المجتمع. الدراما العربية خلطت الحابل بالنابل، وبدلا من المعالجة الواقعية للغلو في التدين والشطط الفكري، ربطت شخصية المتدين في أذهان الجماهير بغلاة التكفير الناقمين على كل المجتمع، الذين ينفّرون من الدين وأحكامه، وإنك لترى في الأعمال الدرامية بوضوح الصورة النمطية السيئة للشخص الملتحي، مع أن هناك كثيرا من الملتحين في الواقع يشار إليهم بالبنان في حسن الخلق ومخالطة الناس، وكذلك المرأة المنتقبة التي تظهرها الدراما بالمرأة التي تتخفى وراء النقاب وبعيدة عن التدين بعد المشرقين، كثير من المنتقبات ذوات خلق ودين وطيب معشر.
ومن ناحية أخرى، حرصت الدراما العربية خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، على أن تقدم صورة للتدين تتفق مع اتجاهات الغرب ومخرجات مراكزه البحثية المعنية بالدول الإسلامية، وهي صورة الدرويش مرتاد الأضرحة والمقامات، الساعي وراء الكرامات، الزاهد في الدنيا بما عليها، وهي صورة تمثل النموذج الانسحابي الذي يخالف الصورة الحقيقية التي جاء بها الإسلام، ومن هنا ندرك أن الدراما العربية لم تنصف شخصية المتدين وأسهمت في تشويه ملامحها، خاصة في ظل غياب دراما هادفة تنقل الواقع كما هو وتعالج مشكلاته بموضوعية وحيادية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة
شكرا مقلب مهم ومنت اتمنى لو كان هناك عينات و شواهد وهو موضوع لفيلم وثائقي وقد انتجت مثله منذ 15 عشر عاما انتجت ثلسلة وثائقية باسم الصورة المشوهة كان منها هوليود 1 عن تشويه الغرب للعربي والسلم و هوليود 2 كيف نشوه انفسنا و بينت فيها التناول التاريخ وتحديد للاندلس اضافة الى مسلسل ما ملكت ايمانكم الذي انتجه انزور وقتها
بوركت
اسف مقال