أعتذر ابتداءًا للقراء على انسحابي برهة من الشأن العام بكل ما حواه من ضجيج الأزمات، إلى الحديث عن شأني الخاص، لكنني لم أجد بدًا من الرد، لأن الهجوم علي هذه المرة جاء على نحو أكثر غرابة، سواء كان من حيث شخص المهاجم، أو من حيث مضمون الهجوم.
السياسي المصري المعارض المقيم في تركيا عصام عبد الشافي من الأكاديميين المعروفين، لم ألتقه شخصيا لكن جمعنا سويًا عمل مرئي عن الدكتور محمد مرسي فرج الله عنه، حيث أنتجتُ فيلما وثائقيا بعنوان “مرسي عميل إيران” والعنوان كما يعلم قرائي تهكّمي ساخر، حيث كان مضمونه الدفاع عن الدكتور مرسي ضد من يتهمونه بفتح أبواب التشيع في مصر إبان فترة حكمه قبل الانقلاب، وكان الأستاذ عبد الشافي من الضيوف الذين أدلوا بشهادتهم في هذا الفيلم إلى جانب الدكتور سيف عبد الفتاح والشيخ محمد الصغير وآخرين.
فوجئت بالأستاذ عصام عبد الشافي يكتب على حسابه تحت عنوان خناجر مسمومة:
“الخنجر الثالث إحسان الأردنية…
النسخة الأردنية من آيات المصرية…
نجحت بما لديها من إمكانيات وقدرات في إعادة تشكيل الخلطة السياسية..
10% بيانات ومعلومات..
10% دين وورع وتقوى وجلسات شيوخ..
10% دعاية وإعلان لزوم التسويق..
20% نصب وتضليل وتزوير..
50% اختراق…”
هذا نص ما ورد في منشوره على فيس بوك، ولن أسأل الأستاذ عصام لِمَ هذا الهجوم على كاتبة طالما عارضت وهاجمت _ ولا تزال_ نظام بلاده الانقلابي، أي أنها معه في خندق واحد في تلك القضية، لن أسأله عن ذلك، فهذا رأيه وهو حر فيما يبديه، لكنني هنا أستوقف الأستاذ عند مضمون المنشور الغريب.
الأستاذ وصفني في بداية كلامه بالخنجر الثالث، ولا أدري وكذلك القراء خنجر في جسد مَن؟ خنجر في جسد ثورات الربيع العربي التي أناضل من أجلها وأُعري الحكام المستبدين والقائمين على الثورات المضادة؟
أم خنجر في جسد المقاومة الفلسطينية التي لم أعرف منذ أمسكت القلم سوى الدفاع عنها ضد الكيان المحتل وصهاينة العرب والمتاجرين بالقضية الفلسطينية؟
أم خنجر في جسد إيران وأذنابها التي أفنيت وقتي في فضح مشروعها الفارسي التوسعي؟
أم خنجر في جسد ثالوث النيابة عن أمريكا في صناعة شرق أوسط جديد (السيسي، ابن زايد، ابن سلمان)؟ فأما الأول فليسأل الأستاذ عني زملاءه وأقرانه المعارضين وعما كتبت بشأنه، وأما الثاني فهو صاحب النصيب الأعظم من نقدي، وأما الثالث فليسأل السعوديين لِم تهاجمون إحسان الفقيه؟ سينبئونه أنها تهاجم النظام الجديد بعد التطورات المفزعة في السياسة السعودية الداخلية والخارجية والتي أحدثها ذلك الشاب.
ثم وجدت الأستاذ عصام يشبهني بالأستاذة آيات عرابي والتي وصفها بالخنجر الثاني هي الأخرى، ولم يبين وجه التشابه بيننا، وحتمًا لا أعني بذلك الإساءة للأستاذة آيات، ولكن يدهشني أن يقول ذلك ومقاطعها المرئية التي تهاجمني فيها مبثوثة على السوشيال ميديا، إضافة إلى أن عرابي باعتبارها مصرية معارضة تتمحور في تناولها حول قضيتها الخاصة أعني الانقلاب وتداعياته وآثاره وتركز على مهاجمته، أما أنا فتلك قضية من قضاياي وليست المحور بالنسبة لي، وقد تختلف معي وأختلف معها في تناول القضايا الأخرى ولا ضير في ذلك، لكنه مع ذلك لم يبين وجه التشابه.
وكنت أتمنى من الأستاذ أن يبين ما هي القدرات والإمكانيات التي سخرتها إحسان الفقيه لإعادة تشكيل الخلطة السياسية بحسب تعبيره، هل يقصد تمويل من الدول وأجهزة الاستخبارات مثلا؟ لطالما اتُّهِمتُ يا أستاذ عصام بذلك لكن يؤسفني أن سياسيًا بحجمك يلقي بالتهم جزافًا دون بينة أو توثيق، وأنت تعلم أنها التهمة الجاهزة لكل ذي قلم حتى أنتم يا معشر المعارضين المصريين لم تسلموا من التهمة بالمأجورية والعمالة وتمويل الدول، فما لكم كيف تحكمون؟
ثم شرع الأستاذ عصام في وضع النسب المئوية لمفردات تلك الخلطة السياسية التي يزعمها، وظهر في قوله (10% دين وورع وتقوى وجلسات شيوخ) أنه يتهمني بالمتاجرة بالدين، وهو بذلك ينصب نفسه حاكمًا على تديني الذي لا يحكم عليه سوى علام الغيوب، أيرغب الأستاذ في أن أتعرى وأتحدث عن حرية المرأة بمفهوم العلمانيين والليبراليين وأدعياء التنوير؟ أيرضيه عني ويُسكت نقده في هذا الجانب أن أرافق أهل السكر والعربدة؟
أنا مسلمة، وأدافع عن قضايا ديني وأمتي، ليس هذا سرًا أخفيه، وقضية حجابي كثيرًا ما تكلمت عنها، فقد نشأت عليه، ثم حال بيني وبينه ظروف قسرية، ثم من الله علي بعدها بأن ارتديته مرة أخرى، فلم يتهمني البعض وأنت منهم بأن حجابي عبارة ديكور لزوم الوضعية الجديدة في كتاباتي؟
اتهمني الأستاذ بالنصب والتضليل، وليته قدّر تاريخه السياسي حق قدره وأعطاه مزيدًا من الاحترام، فالأستاذ يعرف أكثر مني أن الكلام المرسل لا يساوي شيئًا في ميزان النقد، لقد كان أشبه بعقد محكمة لم يكن فيها شيء سوى الحكم، بدون مناقشة، وبدون تفصيل، وبدون حيثيات للاتهام، هل يكفي أن يكون للأستاذ شهرة ومصداقية عند جمهوره حتى يقول إحسان مضللة نصابة تتاجر بالدين ؟ أنا لا أطالب الأستاذ عصام بعدم توجيه النقد إلي، فهذا شأنه الخاص، لكني أطالبه باحترام عقلية القراء وترك الكلام المرسل وإصدار الأحكام جزافًا، وأن يفصل القول في ادعاءاته، والله هو حسبي وناصري، وهو غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة