” ما أشبه النكبة بالبيضة تُحسب سجنا لما فيها، وهي تحوطه وتُربيه وتُعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضا إلى غاية، ثم تثقب البيضة فيخرج خلقًا آخر، وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته، عمله أن يتكوّن فيها، وتمامه أن ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل”.
الأديب مصطفى صادق الرافعي
في كل محنة منحة، والضربات التي لا تقصم ظهرك تقويه، هكذا قيل، وهكذا يكون…..
رغم حصده 41% من مجموع الأصوات وفوزه بالمركز الأول بانتخابات يونيو الماضي، إلا أن النتيجة لم تكن مرضية لحزب العدالة والتنمية، حيث أنه لم يصل إلى الحد الذي يسمح له بتشكيل الحكومة منفردا، وهو ما اعتبر نكبة مفاجئة للحزب.
ومنذ الإعلان عن نتائج الانتخابات، دخلت تركيا فترة تعثر في الحياة السياسية، لم تشهدها منذ تولي حزب العدالة والتنمية إدارة الجمهورية التركية، وظهرت آثار الاختلاف الأيديولوجي بين الأحزاب، وتحولت الدولة إلى ساحة لتصفية حسابات سياسية قديمة، ترسم توجهات الأحزاب بشأن تشكيل الحكومة الائتلافية.
وفشلت جميع المساعي التي قام بها رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو باعتباره زعيم حزب الأغلبية، ولم تحقق أهدافها في إحداث توافق حزبي حول تشكيل الحكومة.
وبناء على ذلك، ووفق المسارات القانونية، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان إجراء انتخابات مبكرة في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.
والتساؤل الأبرز الذي يتم تداوله في جميع الأوساط: هل سيربح العدالة والتنمية هذه المرة وفق معايير الربح والخسارة لديه؟ بمعنى هل يتمكن الحزب من الوصول إلى النسبة التي تؤهله لتشكيل الحكومة منفردا وإنقاذ البلاد من الدخول في فوضى سياسية؟
سنحاول الاقتراب من الإجابة على هذا التساؤل بعرض الأوراق والظروف والمعطيات الجديدة التي سيخوض الحزب على أساسها الانتخابات القادمة.
أولا: التعثر السياسي:
فالإخفاق النسبي للحزب في الانتخابات الأخيرة، ترتب عليه تعثر الحياة السياسية في تركيا، وحتما يقارن المواطن الذي منح صوته لغير العدالة والتنمية، بين الأوضاع الراهنة والسابقة، وتداعيات هذا التعثر على الصعيد الاقتصادي والأمني.
ولذا يتحدث مراقبون أن عدة شرائح في المجتمع التركي قد ندمت على أنها لم تصوت لحزب العدالة والتنمية، ما يعني أن ذلك حتما سيكون في صالح الحزب.
التراجع الاقتصادي وانخفاض العملة التركية، وعودة حزب العمال الكردستاني إلى أعمال العنف والتفجيرات – وهو الكيان الذي يعد حزب الشعوب التركي ذراعا سياسيا له – هذه الأسباب ستجعل الكثيرين يعيدون النظر في عملية التصويت، لأن هذه التغيرات طرأت على المشهد أعقاب نتائج الانتخابات، أي في غياب العدالة والتنمية عن إدارة شؤون البلاد.
ثانيا: الظهور القوي لـ أحمد داود أوغلو
ذلك الرجل الذي رسم معالم السياسة التركية عبر كتابه “البعد الاستراتيجي”، والمسمى بـ كسينجر تركيا، اتهمه البعض بأن مؤهلاته تنحصر في ثقة أردوغان به، إلا أنه مع الوقت منذ توليه رئاسة الحكومة، قد ظهر بقوة على مسرح الأحداث، وأبدى بالفعل حنكته السياسية، حيث واجه عدة ملفات معقدة في فترة رئاسة الحكومة، لكنه قاد السفينة باقتدار.
وكانت الشفافية التي تعامل بها داود أوغلو بشأن محاولة تشكيل حكومة ائتلافية، والوضوح في التعامل مع الأحزاب الأخرى والجماهير، إضافة قوية لرصيد أوغلو.
تزامنت تلك الجهود مع قيامه بمهام رئاسة الحزب، والذي أولاه ثقته مرة أخرى، حيث تأهل بجدارة ليقود القاطرة من جديد في المؤتمر العام للحزب والذي عقد الأسبوع الماضي، دون تزكية من أحد.
هذا الظهور القوي لداود أوغلو رئيس حزب العدالة والتنمية، سوف يعطي الحزب ثقلا في الشارع التركي، ما سوف يؤثر حتما على مسار التصويت.
ثالثا: مواجهة العنف الكردستاني
عودة العمال الكردستاني إلى العنف والتفجيرات والاغتيالات، أضعف موقف ذراعه السياسي “حزب الشعوب الديموقراطي”، خاصة وأن الأخير ظهر بمظهر سيء خلال تصريحاته وتعليقاته الباهتة على التفجيرات، وترتب على ذلك هبوط شعبيته بعد أن حصل في الانتخابات السابقة على 13% من الأصوات.
هذا المظهر غير الوطني لحزب الشعوب، سوف يفقده أصواتا كان قد حصل عليها سابقا، وستؤول هذه الأصوات إلى حزب العدالة والتنمية.
وإضافة إلى ذلك، تصدي الحكومة المؤقتة برئاسة داود أوغلو للإرهاب رفع من رصيده الوطني، باعتباره ينافح عن أمن تركيا بخلاف حزب الشعوب.
تقول “خديجة كاراهان” الباحثة في مركز “سيتا”: ” توقف عملية “السلام الداخلي” واشتعال فتيلة النزاعات والاقتتال من جديد جعلت الكثير من الناخبين الأتراك والأكراد يتأكدون بأنه لا أمل من توقف هذا الحراب إلا في ظل حزب سياسي مقتدر وقوي وليس حزب سياسي متصل بجماعة عسكرية لا يتحرك بدون مشورتها، وهذا سيجعل نصيب حزب العدالة والتنمية الحصول على الكثير من أصوات الناخبين المصوتين للأحزاب الأخرى كبير ووفير.”
رابعا: المراجعة والنقد الذاتي
يخوض حزب العدالة والتنمية الاستحقاق الانتخابي القادم، بعد فترة مراجعة داخلية للوقوف على أسباب التعثر، وهي نقطة سوف تمنح الحزب مزيدا من مؤهلات التفوق، وهو أمر صرح به داود أوغلو، حيث أكد على قيام الحزب بمراجعة داخلية، رغم تنويهه إلى أنها تحتاج حتما إلى وقت.
أرى أن من ضمن هذه المراجعات، تصحيح خطأ الاعتماد على الرصيد السابق من الإنجازات والركون إليه.
فكان التأكيد على رصيد الإنجازات هو أكثر ما عوّل عليه الحزب، دون إطلاق وعود اقتصادية تطمئن المواطن التركي، بل كان تركيز الحزب على ملف اللاجئين السوريين، وهو ما أثار غضب بعض الفئات، في الوقت الذي كان يطلق حزب الشعب وعوده الاقتصادية البراقة.
الحزب تدارك هذا الخطأ، ومن ثم أعطى تعهدات للشعب التركي بتطوير الأوضاع الاقتصادية، والإصلاحات الداخلية، الأمر الذي سيفتح شهية البعض للتصويت لصالح الحزب.
خامسا: عودة النجوم
وهي نقطة تتعلق بما قبلها (المراجعة والنقد الذاتي)، أحببت أن أفردها لأهميتها، فالقوانين الداخلية لحزب العدالة والتنمية تحظر ترشح العضو لثلاث دورات متتالية، الأمر الذي أثر على نتيجة الانتخابات السابقة بعد أن غاب عنها نجوم بارزة للحزب.
أدرك الحزب ضرورة إبداء مرونة في اللوائح الداخلية، فقام بتخطي هذا الحاجز غير الملزم، طالما أنه سوف يحقق مكاسب للحزب لا تتعارض مع الصالح العام التركي.
فيخوض الحزب الانتخابات المقبلة بعدد من النجوم، منهم:
“علي باباجان” نائب رئيس مجلس الوزراء السابق عن الشؤون الاقتصادية، الذي أشعل ترشحه وسائل التواصل الاجتماعي، وكما رصدَ د.وسيم بكراكي: “كان لهذا الترشح أثر على البورصة التركية وسعر صرف الدولار الذي تحرك إيجابيًا ترحيبًا بهذا الترشيح”.
ومن الشخصيات اللامعة التي لها ثقل في الشارع التركي والمرشحة لخوض الانتخابات، وزير الصحة السابق رجب أكداغ، ووزير الداخلية السابق إيفكان آلا، وعمر تشيليك، وبن علي يلديريم، وجميل تشيشك، وإيرتان أيدن ، وجاهد أرسلان، وبشير أتالاي، وغيرهم من الأسماء البارزة.
هذه الباقة من النجوم بما لها من تأثير في عدة قطاعات، سوف يكون لها تأثيرها حتما في عملية التصويت لصالح الحزب.
سادسا: الوصول إلى قواعد الأحزاب الأخرى
وذلك عن طريق ترشيح شخصيات بارزة كانت تنتمي لأحزاب أخرى، على سبيل المثال يترشح عن الحزب توغرول توركيش نائب رئيس الوزراء بالحكومة المؤقتة، والذي تم فصله من حزب الحركة القومية لقبوله بالمشاركة في الحكومة مخالفا رئيس الحزب، وهذا من شأنه الوصول إلى دائرة تأثير هذا الرجل من أعضاء حزب الحركة القومية، باعتباره كان نائبا لرئيس الحزب.
كما يترشح عن الحزب إسماعيل كهرمان الذي كان يشغل منصب وزير الثقافة في حكومة نجم الدين أربكان عام 1995م، وكان أبرز شخصيات حزب السعادة الذي يترأسه أربكان، الأمر الذي قد يتيح الوصول إلى قواعد الحزب.
سابعا: التركيز على المناطق الكردية:
وذلك عن طريق التنسيق مع رؤساء العشائر الكردية، والدفع بمرشحين من أبناء تلك العشائر للبرلمان، وحول ذلك يقول الباحث محمود عثمان: “تشير معلومات خاصة إلى اجتماع تم بين رؤساء العشائر الكردية وبعض كبار المسؤولين في الدولة نتج عنه اتفاق شرف بين الطرفين , بأن تنحاز تلك العشائر الكردية إلى جانب الدولة ضد حزب العمال الكردستاني مقابل ترشيح أبناء تلك العشائر لنيابة البرلمان في الانتخابات المقبلة.., إضافة إلى ترشيح بعض الشخصيات الكردية البارزة مثل وزير الزراعة السابق مهدي أكار ضمن قوائم المدن الكبرى , حيث يقطن مدينة استانبول لوحدها أكثر من مليون مواطن من أصول كردية”.
التركيز على هذه المناطق التي يضعف فيها تأثير حزب العدالة والتنمية، قد تتجه إلى التصويت لصالح الحزب، خاصة بعد أحداث العنف التي افتعلها حزب العمال الكردستاني، وما ترتب عليه من هبوط شعبية حزب الشعوب الديموقراطي.
وأخيرا:
باستقراء الواقع، والاستناد إلى نتائج الاستطلاعات، وتحليلات المراقبين، نستطيع القول بأن حزب العدالة والتنمية سوف يتجاوز النسبة التي حصل عليها في الانتخابات السابقة.
وأما وصول الحزب إلى النسبة التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده (50%+1) فهو أمر محتمل أيضا، إلا أنه لا يمكن التنبؤ به، في ظل وضع بعض الأحزاب على رأس أولوياتها إسقاط حزب العدالة والتنمية بسبب الاختلاف الأيديولوجي، وفي ظل التدخل الخارجي سواء من بعض الدول العربية أو الغربية لإسقاط الحزب، إضافة إلى الكيان الموازي وتنفذه.
ولكن بالرغم من هذا، تبقى النتائج معلقة بمدى إدراك الشعب التركي وتصوره لكيفية الخروج من هذا المأزق، وإعادة الأوضاع لنقطة ما قبل انتخابات يونيو الماضي، وهو الأمر الذي يعني دعم حزب العدالة والتنمية.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة