حادث “مِنى” والاصطياد في الماء العكر

قال شهاب الدين النويري في نهاية الإرب: ” على المستبد أن يتروى في رأيه ، فكل رأيٍ لم تتمخض به الفكرة ليلةً فهو مولود لغير تمامٍ”.

إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا رويةٍ     فإن فساد الرأي أن تتعجلا

تعجل أولئك الذين ألقوا شباكهم في الماء العكر، ليصطادوا منه ما يحدث الوقيعة بين السعودية وتركيا على خلفية تداعيات حادث “منى”، حيث حاول مغرضون تصوير الموقف التركي على أنه هجوم لاذع على المملكة.

فلو تمهل هؤلاء – ويقينا لن يتمهلوا – لرأوا كيف قطع تصريح أردوغان قول كل خطيب، حيث قال: “السلطات السعودية أعرفها عن قرب وهي تهتم بمراسم الحج بدقة عالية”.

وقال أيضا: “ليس لأحد الحق في انتقاد إجراءات الحج وأنا متأكد من أن السلطات السعودية تقوم بواجباتها على أكمل وجه”.

هذه التصريحات الأردوغانية الصريحة التي تجسد نظرته للسعودية وقيادتها، تحسم القضية، وتقطع الطريق على محاولات الوقيعة ودق (إسفين) بين البلدين، بعد أن أثار التقارب بينهما حنق أطراف عديدة.

إلا أن الحدث وتداعياته، ومحاولة توظيفه سياسيا، يجعلنا نتناوله من البداية بشيء من التفصيل.

حادث “منى” الذي أوجع قلوبنا جميعا، تم توظيفه سياسيا من قبل أعداء المملكة، التي دخلت عهدا جديدا على الصعيدين الداخلي والخارجي بتولي الملك سلمان زمام الأمور.

نتساءل ابتداء هل هذا هو الحادث الأول أو الأوحد من نوعه؟

في مايو 1964 سقط 318 قتيلا وأصيب أكثر من 500 آخرين خلال أحداث شغب شهدها الاستاد الوطني بالعاصمة البيروفية “ليما”، وتدخل الأمن بقنابل الغاز، فسقط المئات جراء التدافع والغاز.

وفي أكتوبر 2013 قُتل 109 شخصا وأصيب 133 آخرين خلال حادث تدافع في الهند، أثناء سيرهم فوق جسر يؤدي إلى معبد هندوسي.

وفي بنجلاديش في العاشر من يوليو هذا العام قُتل 22 شخصا أيضا بحادث تدافُع.

فإذا كانت حوادث التدافع واردة في أي تجمعات أو مسيرات أو حشود لبضع آلاف، ألا يرد وقوعها بين ما يقرب من مليونين يحتشدون في بقعة واحدة؟!

مثل هذه الحوادث قطعا واردة، ولا تنم عن ضعف إداري، ومع ذلك تعدت القيادة السعودية بالعمل على عدم تكرار مثل هذه الحوادث، وحتما ستستفيد من التجربة لما هو قادم.

حوادث التدافع كثيرة في بقاع الأرض، غير أن الأمر إذا تعلق بالسعودية اختلف الأمر، واشرأبت أعناق المغرضين، وسال لعابهم لاستغلال الحدث ضد الدولة التي ترعى المقدسات، والتي صارت مستهدفة داخليا بعد إجراءات تطهير الصفوف، ومن الطغمة الليبرالية التي تتنفذ في الإعلام، وخارجيا من الدول المعارضة لعاصفة الحزم ومواجهة المشروع الإيراني، والدول التي ساءها التقارب التركي السعودي القطري، والذي يمثل نواة لحلف سني في المنطقة.

إيران كانت أول النائحين اللاطمين، وهي التي اشتهرت بتفجير الأزمات في مواسم الحج عن طريق الحجاج الإيرانيين، ولن ننسى أحداث 1987م، حيث تحوّلت مظاهرة البراءة من الشرك (أحد طقوس الشيعة في الحج)، إلى مواجهات دامية ومحاولة اقتحام للحرم، وحرق سيارات ومبانٍ حوله، ومقتل وإصابة العديد من الحجاج.

العداء الإيراني للسعودية معلوم وواضح لكل ذي بصر أو بصيرة، وكثيرا ما صدرت التصريحات من الساسة والقادة الإيرانيين في ضرورة ما زعموا أنه تحرير لمكة من الاحتلال السعودي الوهابي.

وأبرز أهدافهم المرحلية دعوتهم لتدويل إدارة الحرمين، بحيث تصبح المقدسات والمشاعر خارج نطاق الإدارة السعودية، وهو ما نادى به محمد جواد لاريجاني عندما وضع نظرية “أم القرى” حيث تناول قضية تدويل الحرمين، وضرورة خروجهما عن السيطرة السعودية، وأن تدار عن طريق لجان دولية يكون لإيران فيها نصيب أكبر.

إيران تستغل الأزمات – إن لم تكن هي من أشعلها – في التشهير بالسعودية في كيفية إداراتها للحرمين، وتوظف ذلك في الدعوة لتدويل الحرمين، والذي يعني نزع السلطة الدينية السعودية، وإغراق أرض الحرمين بطوفان من الأفكار والطقوس والسلوكيات والجيوب الطائفية.

ولعل أقرب التصريحات الإيرانية التي تشير إلى قضية التدويل، ما أعلنه رئيس مجلس الشوري الايراني علي لاريجاني اليوم الجمعة حيث قال: “على الحكومة السعودية أن تقدم توضيحات مقنعة للأمة الإسلامية بشأن فاجعة منى ومعاقبة المخطئين في الحادث”.

واكد لاريجاني أنه “من الضروري أن تقوم الأمة الإسلامية بدراسة أسباب عجز السعودية عن إدارة مراسم الحج وتقصيرها في حادث منى للحيلولة دون تكراره، معتبراً انه لابد من تقييم كيفية إدارة مراسم موسم الحج من قبل كافة الدول الإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي وبرلمانات الدول الإسلامية”.

اللعبة الجديدة التي حاول البعض القيام بها، هي إقحام تركيا في القضية، وتوجيه رد الفعل التركي عن مساره الطبيعي الحادث، وتصويره على أنه طعن في الإدارة السعودية.

أولئك القوم الذين ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت من أجل التقارب السعودي التركي، استغلوا تعليقا لوزير الشؤون الدولية نشرته مقالة الأناضول، حيث تحدث عن خطأ في تفويج الحجج في منى، دون استهداف إدارة المملكة للحج.

وعلى الفور نشر موقع قناة تي آر تي التركي: “تصريح و تصحيح: رئيس الشؤن الدينية التركية تحدث عن خطأ في تفويج الحجاج في منى ولم يقصد إدارة المملكة للحج كما زعمتم”.

وأولا وأخيرا، ما يهمنا تصريحات القادة والساسة الأتراك، فهي التي تعبر عن الموقف الرسمي للدولة.

فأما أردوغان، فتصريحاته التي عرضناه في صدر المقال توضح بما لا يدع مجالا للشك، أن تركيا لا تتحامل على المملكة، ولا تحملها المسئولية عن الحادث، وتشيد بالجهود السعودية تجاه الحرمين ورعاية أعمال الحج.

وكان تصريح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بعيدا عن الهجوم، حيث قال: “مثل حادث تدافع منى تتكرر في الحج مرارا أرجو أن تتخذ السعودية الخطوات اللازمة بهذا الخصوص، وأن تستفيد من التجارب السابقة”.

فهل التنبيه على ضرورة الاستفادة من التجارب يعد طعنا في السعودية؟ اللهم لا يقول ذلك منصف متجرد.

تصريح أوغلو يتوافق مع ما صرح به الملك سلمان نفسه، من العمل على تفادي تكرار هذا الحادث، ووجَّه إلى إعادة النظر في أساليب إدارة شؤون الحج ومقاييس السلامة المرتبطة بها.

فتبا لمن يضع تركيا في سلة واحدة مع إيران، في تصريحاتها تجاه الحادث، ولمن يزعم أن لتركيا أطماعا في بلاد الحرمين، ولمن يختلق عداوة وهمية للأتراك تجاه السعودية أرض الحرمين، وكما قلت على موقع التواصل الاجتماعي تويتر: “تركيا لا تخطط لابتلاع بلادي، وعتاب صديقي ليس كشماتة عدوي” فلا تشبهوا تركيا الصديق بإيران العدو.

التقارب السعودي التركي له أعداء ومعارضون كثر، لكن القيادة الواعية في الدولتين تدرك ما يحاك ضد التحالف داخل وخارج الدولتين، وأن العلاقات الرسمية لن يشكلها النهيق الإعلامي في الفضائيات المأجورة والصحف الصفراء، ولن تصنع سياسات بتغريدة أو تدوينة على مواقع التواصل.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

بين الذريعة والحقيقة: لماذا تُستهدف عواصم الخليج من قبل إيران؟

حين تقول إيران إنها تستهدف “قواعد أمريكية” في الخليج لا الدول ذاتها، فهي تبني رواية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *