يُحكى أن أحد الحكماء كان يعتقد في الصغر أن الرعد هو الذي يقتل الناس، فلما كبر، علم أن البرق هو الأشد تأثيرًا، فهو الذي يقتل لا الرعد، فقال: “عزمت من ذلك الحين على أن أُقِل مِن الإرعاد وأُكْثِر من الإِبراق”.
تختصر هذه العبارة في جوهرها درسًا حياتيًا بالغ العمق والمعنى، أنه ليس كل ما يصدر صوتًا يصنع أثرًا، وليس كل ما يصنع أثرًا يحتاج إلى ضجيج، فالرعد على صخبه وضجيجه المرعب لا يحدث ذات الأثر الذي يكون للبرق، تلك الومضات التي تؤثر دون أن تحدث صوتًا أو ضجيجا مزلزلًا.
نعيش في هذا العصر مع كثير من الإرعاد وقليل من الإبراق، أو مع كثير من الكلام والصخب وقليل من العمل والتأثير.
كثير من التصريحات، كثير من الوعود، كثير من التلويحات، كثير من الخطط والطموحات، كلنا يحسن الإعلان عما ينوي فعله، أما الحديث عما يحدث بالفعل ويتم إنجازه في الواقع، فذلك هو السؤال المؤجل دائمًا.
وتتفاقم الكارثة عندما يتشبع المرء بكثرة أحاديثه عما يجب فعله وعما ينوي فعله، عما يجب أن يكون، فيزهد مع هذا التشبع في ترجمة الأحلام إلى واقع، وكأن الثرثرة والصخب والتنظير هي أعظم إنجازاته.
تلك هي المسافة الفاصلة بين الرعد والبرق، الرعد يلفت الانتباه والبرق يغير المشهد، الرعد صخب والبرق أثر، الرعد صوت والبرق فعل. وأعظم مشكلاتنا اليوم هي الخلط بين البرق والرعد، بين الكلام والعمل، حين جعلنا الكلام بديلًا عن الفعل، ففي البدايات نكون مولعين بأحلام البدء والتغيير والتعلم والبناء والكتابة وترك العادات السيئة، والاتجاه إلى مزيد من العمل لنصبح أفضل، فيشعرنا ذلك بالراحة والرضا، وكأننا أنجزنا بالفعل شيئًا.
كثرة الحديث عن مشروع للتغيير ليس هو المشروع، وكثرة الحديث عن النجاح ليس هو النجاح، وإعلان النوايا الحسنة لا يعفي الإنسان من مسؤولية تحويلها إلى واقع.
ليس المقصود هنا بالطبع أن الكلام عديم القيمة، فالكلمة هي بداية العمل، والفكرة تحشد أهلها، لكن المشكلة أن تتحول الكلمة من وسيلة إلى بديل، من مقدمة للفعل إلى غطاء يحجب غيابه، أن تتحول إلى مربع تلتصق فيه أقدامنا ولا نتجاوزه إلى مربعات أخرى تمثل العمل والإنجاز والتطبيق.
يميل البعض إلى القول دون العمل لأن الأول أسهل، فأن يعرب المرء عن خطة أو مشروع أو طموح، أيسر كثيرًا من فعله، وأن يكتفي بتبني موقف ما أسهل بكثير من تحمّل تبعاته، وأن ينتقد خطأ للآخرين أيسر له من تقديم البدائل والحلول، أما العمل فيحتاج إلى طاقة وصبر ومثابرة، فهو الثمن الحقيقي للوصول وبلوغ المعالي.
الأثر الحقيقي في حياة الإنسان لا يأتي عادة من حركة واحدة صاخبة، وإنما من تراكم أفعال ربما تكون في البداية صامتة لا يلاحظها أحد ولا يسمع لها حسًا، والإنسان الناجح قد صنعته الساعات والأوقات التي أمضاها في مختبره أو مكتبته أو موقعه حين لم يكن يراقبه أحد أو يصفق له أحد، ولم تصنعه كثرة أحاديثه عن الطموحات والمستقبل والإنجازات المأمولة.
لقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي منا أشباه الرعد، ضجيجًا بلا تأثير، فهي قد منحتنا قدرة غير مسبوقة على التحدث أمام جمهور واسع، نعلن أمامه عن رأينا في لحظة، ونخبر العالم بما نشعر وبما نأمل، ونطرح أنفسنا كما لو كان مجرد الإعلان عن الشيء يكفي لإثبات وجوده. قليلٌ منا من يهتم بأن يترك أثرًا إيجابيًا على هذه المواقع ينفع الأنام، وكأنه قد طغى علينا هدف صناعة الصورة عن هدف التأثير.
الأمر ينسحب كذلك إلى العمل المؤسسي، فهناك مؤسسات في كثير من بلدان الوطن العربي تجيد الدعاية عن خططها وتلميعها أكثر مما تجيد التنفيذ، وبينما تُكثر الإدارات من الاجتماعات والتقارير والشعارات، يكون الناس في انتظار النتائج الملموسة.
المعيار ليس عدد البيانات والشعارات المرفوعة ولا الدعاية المفرطة، المعيار الأهم هو الأثر الذي تحدثه لدى الناس: هل تحسن مستوى الخدمة؟ هل أصبح التعليم بشكل أفضل؟ هل الوقت الذي يستغرقه المواطن في التعاملات مع المؤسسة أقل؟ هل وجد المريض رعاية وكفاءة أكثر؟ هل وجد الباحث بيئة تساعده؟
النجاح والتقدم يحتاج إلى كثير من الإبراق، وقليل من الإرعاد، إلى كثير من العمل، وقليل من الكلام.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة