لمن يُلبِسون العصبية الحزبية ثوب “الجماعة”… والجماعة منها براء …

وذلك نوع من أخطر ألوان التدليس في الخطاب الإسلامي…

أن تؤخذ كلمة شرعية جليلة، لها معناها ومقامها، ثم يُعاد تعريفها حتى تصبح غطاء لمفهوم بشري أضيق منها بكثير….

ومن ذلك: إلباس الحزبية والعصبية التنظيمية ثوب “الجماعة” المأمور بلزومها في الشرع…..

وهنا ينبغي أن تكون العبارة واضحة بلا مواربة:

الحزب ليس هو الجماعة، والتنظيم ليس هو الأمة، والانتماء إلى مشروع بشري ليس معيارا للانتماء إلى الإسلام…..

شتان بين جماعة تتسع للمسلمين… وبين تنظيم تبدأ حدوده من أعضائه وتنتهي عندهم….

لا لا .. أنا أخطأت ..

بل تنتهي عند أبناء وأحفاد ( عناصر التنظيم) !

أولئك الذين يحملون -حسب معايير الرؤوس الكبيرة في الجماعة نفسها- دماء أزكى من دماء بقية القوم ممن لم يُرزق آباؤهم أو أجدادهم مكرمة الالتحاق بتلك الجماعة الموصولة بباب الجنة !

وشتان بين اجتماع الأمة على أصول دينها ومصالحها الكبرى، وبين اجتماع أفراد على مشروع سياسي أو دعوي أو فكري، ثم يُرفع هذا الاجتماع البشري إلى منزلة المفهوم الشرعي؛ حتى تصبح مفارقة التنظيم كأنها مفارقة للجماعة، ونقد القيادة شقّا للصف، ومخالفة الاجتهاد خروجا على المنهج !!

هنا يبدأ التدليس….

ليس العيب أن ينشئ الناس حزبا أو تيارا أو مؤسسة أو جماعة دعوية؛ فهذه أدوات بشرية تصيب وتخطئ، تنجح وتفشل، وتتغير بتغير الزمان والمصلحة.

العيب أن تتحول الأداة إلى عقيدة، والتنظيم إلى دين، والاجتهاد إلى ثابت، والولاء للمشروع إلى معيار يُوزَن به الناس.

قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾.

تأملوا موضع الاعتصام: بحبل الله.

لم يقل بحزب، ولا باسم، ولا براية تنظيمية….

ثم قال: ﴿جميعا﴾….

فالأصل الذي يجمع المسلمين لا يملكه تنظيم، ولا يحتكره تيار، ولا يحق لجماعة من المسلمين أن تختصر الأمة في نفسها ثم تمنح الداخل إليها من الأخوة والولاء والنصرة ما تحجبه عمن بقي خارج أسوارها…..

وهنا يظهر الامتحان الحقيقي للحزبية:

– كيف تعامل الرجل الذي ينتمي إليك حين يخطئ؟

وكيف تعامل الرجل نفسه لو ارتكب الخطأ ذاته وهو خارج جماعتك؟

– إذا التمست للأول سبعين عذرا، وفتشت للثاني عن سبعين تهمة؛ فهذه ليست “جماعة”… هذه عصبية مقيتة دنيئة وسقوطها مُحتّم ولو بعد حين..

-إذا ثرت لظلم يقع على واحد من تنظيمك، ثم بردت غيرتك حين يقع الظلم نفسه على مسلم خارجه؛ فأنت لا تنتصر للعدل، بل للراية….

– وإذا كان الكفء عندك يُؤخَّر لأنه ليس “من الإخوة أو أبنائهم أو أحفادهم”، والأقل كفاءة يُقدَّم لأنه “من الجماعة أو له جدّ كان قد خدم الجماعة”، فلا تقل إنك أقمت ميزان الشرع؛ لقد أقمت ميزان الحزب ثم استعرت من الشرع اسما مقدسا لتغطيه.

وهذه أخطر صور الحزبية: أن تتحول الأخوة الإسلامية الواسعة إلى أخوة عضوية؛ وأن تضيق دائرة الولاء كلما ابتعد الإنسان عن التنظيم، وتتسع كلما اقترب منه.

عندها لا يعود السؤال: ما الحق؟

بل يصبح السؤال الخفي: من قاله؟

وهذه لحظة فساد كبرى في العقل؛ حين يصبح انتماء القائل أهم من صحة قوله.

نحن حين نقول ذلك لا نقوله شماتة بتيار إسلامي، ولا اصطفافا مع من جعلوا خصومتهم مع الإسلاميين بابا للطعن في الدين وأهله.

بل نقول العكس تماما:

إذا تكالب أهل التحريض والبذاءة على تيار إسلامي ظلما، وقفنا معه ضد الظلم ولو اختلفنا معه….

وإذا ظلم التيار نفسه غيره، وقفنا مع المظلوم ولو كان خارج صفوفه.

لأن العدل لا يحمل بطاقة عضوية….

وهذه هي المسافة التي يعجز العقل الحزبي عن فهمها:

أن أدافع عنك ولا أنتمي إليك…..

أن أنصفك ولا أقدسك….

أن أردّ عنك البهتان الذي أصابك، ثم أردّ عليك التدليس إذا كذبتَ سواك..

أن أقف مع حقك حين تُظلَم، ومع الحق ضدك حين تَظلِم….

فالحق أكبر منك ومني ومنا جميعا…

من أخطر ما تفعله العصبية التنظيمية أنها تقلب ترتيب القيم:

يصبح التنظيم هو الثابت، بينما يتغير الموقف من الحق بحسب مصلحته..

ويصبح الأشخاص خطوطًا حمراء، بينما تُستدعى النصوص لتبريرهم والدفاع عنهم…

وهنا تتحول الجماعة من وسيلة لخدمة الفكرة إلى فكرة تخدم الجماعة….

وتلك بداية الخلل….

ما أودّ أن أؤكّده وقد كتبت في هذا كثير …

-لا جماعة بشرية معصومة….

ولا قيادة فوق المراجعة…..

ولا تجربة سياسية تصبح مقدسة لأنها رفعت شعارا إسلاميا أو لأنها قدّمت شهداء ….

بل ربما كان أشد ما ينبغي أن يخشاه أصحاب المشاريع الإسلامية هو اليوم الذي يصبح فيه التنظيم عاجزا عن رؤية نفسه إلا بعين الرضا، وعن رؤية مخالفيه إلا بعين الريبة….

عندها يتحول التنظيم شيئا فشيئا إلى قبيلة:

له أبناؤه الذين تُغتفر زلاتهم، وله خصومه الذين تُحصى أنفاسهم.

وهنا ينبغي أن نستعيد المعنى الذي جاء الإسلام ليحرر الإنسان به:

فالإسلام لم يأتِ ليخرجنا من عصبية القبيلة، ثم نعيد إنتاج القبيلة باسم التنظيم….

وما كان مذموما حين قيل: “هذا ابن قبيلتي”، لا يصبح فضيلة حين نستبدل بها: “هذا من جماعتنا.. استروا عليه ساعدوه لا تعاونوا الشيطان على اخيكم ” ..!!

حاشا لله أن أقبل هذا أنا الفرد الضعيف .. فكيف أقبله لأبناء عشيرتي وقريتي وأبناء ديني وقومي ..

ولهذا نقولها بلا التواء:

سندافع عن أي تيار إسلامي يُظلَم، ولن نقبل أن تتحول الخصومة السياسية معه إلى استباحة للكرامات والأعراض والحقوق…

لكن دفاعنا عنكم حين تُظلَمون ليس تفويضا لكم حين تَظلِمون أو تتهاونون في تداوُل الأكاذيب لأن أحد أفراد تنظيمكم نشرها …!

ولن نشتري صمتنا بشعار “وحدة الصف”، ولن نقبل أن تُمرَّر الحزبية باسم الجماعة، ولا العصبية باسم الأخوة، ولا الولاء التنظيمي باسم الولاء للدين.

فالحزب وسيلة… والتنظيم اجتهاد….

والقيادة بشر… والتجربة قابلة للنقد…

أما الإسلام فأوسع من الجميع….

لا يختصره حزب، ولا تحتكره جماعة، ولا يُقاس صدق المسلم بمقدار قربه من هذا التنظيم أو بعده عنه.

وأخطر الأحزاب ليس الحزب الذي يقول لك: انضم إلينا؛ بل الذي يقنع أتباعه، تصريحا أو تلميحا، أن الابتعاد عنه ابتعاد عن الجماعة، وأن مخالفته مخالفة للمنهج، وأن نقده إضعاف للدين.

عندها لا نكون أمام تحزب فحسب، بل أمام خلط للمقدس بالبشري….

وهذا ما يجب رفضه، أيّا كان اسم الجماعة وأيّا كان تاريخها.

لن نكون مع خصومكم حين يظلمونكم، ولن نكون معكم حين تظلمون غيركم.

لن نقبل الافتراء عليكم، ولن نقبل منكم احتكار الحق….

ولن نسمح لأحد أن يجعل التنظيم أوسع من الأمة، أو الحزب أعلى من العدل.

فنحن مع الحق حين يكون لكم…

ومع الحق حين يكون عليكم….

وما عدا ذلك عصبية ….

مهما تجمّلت أسماؤها، ومهما ارتدت من أثواب مختوم عليها “براند”: “الجماعة”.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال، إذ هو من زينة الحياة الدنيا، ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *