العلاقة بين العرب والأتراك شابها التوتر في فترات متقطعة منذ سقوط الخلافة العثمانية وإقامة الجمهورية التركية، بلغت ذروة هذا التوتر في الألفية الجديدة التي تولي حزب العدالة والتنمية في مطلعها زمام الأمور في تركيا، وذلك لأسباب عدة أهمها مساندة حكومة أردوغان لما يعرف بثورات الربيع العربي.
لكن على الرغم من ذلك، نجح كل من العرب والأتراك في تجاوز القطيعة، وأقيمت علاقات هادئة متزنة بين تركيا ومعظم الدول العربية.
مصر، والتي بلغ مستوى توتر العلاقات بينها وتركيا مبلغا عظيما في السابق على خلفية إيواء تركيا لمعارضين للنظام المصري، واتخاذ قيادتها مواقف خشنة إزاء الإدارة المصرية بسبب أحداث ميدان رابعة العدوية 2013، تربطها اليوم بتركيا علاقات إيجابية وشراكات وتعاون مشترك في مجال الدفاع والأمن والتبادل التجاري، وتبادَل كل من الجانبين الزيارات من خلال أبرز الشخصيات في الدولتين بلغت المستوى القيادي الأول، حيث تبادل الرئيسان التركي والمصري الزيارة.
العلاقات السعودية التركية كذلك خرجت من حالة التوتر، لتشهد في الوقت الراهن تقاربا استراتيجيا متسارعًا، وتعاونًا متناميًا في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، ووقعت كل من الدولتين –إضافة إلى باكستان- اتفاقية مكة للدفاع المشترك. كما أقر مجلس الوزراء السعودي مؤخرًا الاتفاقية الموقعة مع تركيا بشأن الإعفاء المتبادل من متطلبات التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة.
كذلك أسهمت جهود الدولتين إضافة إلى قطر، في دعم مسيرة إعادة بناء سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، خاصة في ملف رفع العقوبات، والاستثمارات، والدعم الأمني واللوجستي.
بشكل عام، العلاقات بين العرب والأتراك تمر بمرحلة جيدة آخذة في التنامي، والسبب في ذلك أن تركيا دولة طبيعية، تُسيّر أمورها وفق القواعد الطبيعية والمنطقية في العصر الحديث، وتبحث عن مصالحها الاقتصادية والسياسية وحماية أمنها القومي بلا شذوذ، وتسعى إلى إقامة شبكة تحالفات قوية تدعم استقرارها السياسي والاقتصادي والأمني، وتستغل قواها الناعمة في ترويج ثقافتها، فهي تبحث عن مصالحها شأنها شأن جميع الدول بما فيها الدول العربية، ولذا لم يكن هناك ما يمنع تطوير العلاقات بين العرب والأتراك على الرغم من الاختلاف في القومية واللغة والثقافة.
هذا السياق يقودنا إلى سؤال هام: لماذا لم تدخل العلاقات العربية الإيرانية في نفس الحيز وذات المسار؟
الخلاف والتوتر بين العرب والإيرانيين لا يمكن اختزاله في القومية الفارسية التي تصبغ دولة إيران، ولا في المنهج الشيعي الذي قامت عليه، فالمسألة أعمق وأكبر من ذلك، مسألة مشروع إيراني توسعي في الدول العربية يهدد أمنها وسلامتها.
هذا المشروع بدأ مع الثورة الخمينية 1979، والتي ظهرت في مهدها على أنها ثورة ضد الديكتاتورية والنخبوية والفساد في حكم الشاه الذي عمل على أمركة إيران، تلك الثورة التي بدأت بخطاب عاطفي يركز على قضايا الأمة الإسلامية وفي القلب منها القضية الفلسطينية، إلى درجة أنها اجتذبت القوميين عن طريق مس قضايا الهموم المشتركة مع العرب، واليساريين بتلك الصبغة الثورية على الإمبريالية المتمثلة في أمريكا.
عمل الخميني على تصدير الثورة منذ البداية، وعلى الرغم من اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، إلا أن الرأي العام العربي ظل على قبول أفكار الثورة، خاصة عندما وصل رفسنجاني إلى السلطة 1989، والذي عمل على تصدير الثورة عبر آليات سياسية وفكرية واستغلال القوة الناعمة في التوغل داخل البلدان العربية.
مع مرور الوقت تكشفت حقيقة الثورة الإيرانية، ومشروعها القومي الذي يسعى لاستعادة المجد الفارسي على حساب المنطقة، ارتكازًا على الطائفية والمذهب الشيعي تحت مظلة ولاية الفقيه.
مكمن الخطورة في هذا المشروع هو منظومة الوكلاء التي أنشأتها إيران في العديد من الدول العربية، وهي تلك الميليشيات المسلحة التي تدين بالولاء لطهران وليس للدول التي تنتمي إليها.
لقد عملت إيران على اتساع مساحة نفوذها بتشكيل تلك الجيوش شبه العسكرية في الدول العربية، كخط دفاع متقدم خارج حدودها الإقليمية، للتصدي لأية محاولات للمساس بأمنها القومي، وتخوض بالنيابة عن إيران حروبًا بالوكالة ضد خصومها.
أنشأت هذه الجيوش العقائدية المسلحة بمعرفة القائد السابق لفيلق القدس، قاسم سليماني، بدعم من قيادة الحرس الثوري الإيراني وقوات الجيش وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.
وهناك إجماع على أن الوكلاء والأذرع التي تصفها إيران بالجيوش العقائدية والشعبية، هي أبرز عوامل عدم الاستقرار الذي تشهده دول عربية تعيش في صراعات داخلية مستعصية على الحل، على إثر التدخلات الإيرانية ورعاية طهران للمجموعات المسلحة فيها، والتي تم دعمها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
حزب الله اللبناني على سبيل المثال، أصبح دولة داخل الدولة، يمارس أنشطته العسكرية خارج الحدود بمعزل عن القيادة اللبنانية، وأسهم في تأزيم الواقع السوري عندما وقف إلى جوار قوات النظام السوري في عهد بشار وقام بذبح السوريين، بالتعاون مع عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة ضمن أكثر من 80 فصيلًا استقدمهم فيلق القدس للقتال إلى جانب قوات بشار.
ولا تزال خلايا حزب الله التي تعمل على الأراضي السورية تمارس أنشطة مشبوهة تعمل القيادة السورية الجديدة على التصدي لها وكشف وإحباط مخططاتها.
جماعة الحوثي في اليمن كذلك، تلك الميلشيات التي دخلت في حرب مع الحكومة اليمنية من أجل السيطرة على مقاليد الأمور، وتسببت في كوارث إنسانية وصحية وبيئية داخل اليمن، واستطاعت بسبب الدعم الإيراني من عسكرة مياه باب المندب، وتهديد حركة الملاحة الدولية وأمن الطاقة، وذلك في سياق انحياز الحوثي إلى طهران في الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي العراق، ظهرت فصائل مسلحة موالية لإيران أبرزها الحشد الشعبي، قامت بتحويل أرض العراق إلى ساحة للصراعات الداخلية والإقليمية، وأدت دورًا داعمًا لإيران في الحرب الجارية، حيث استهدفت دولا خليجية بالطائرات المسيرة.
هذه الفصائل التي تعبر عن النفوذ الإيراني في العراق، توغلت بشكل قوي في مفاصل الدولة، وأصبح لها ثقل سياسي وأمني واقتصادي في الحياة العراقية، بما يجعل إجراءات الحكومة العراقية في نزع سلاح هذه الفصائل – بعد الانسحاب الأمريكي مؤخرًا- صعبة للغاية.
العرب يحتاجون إلى السلام مع إيران وليس الحرب، لكن ما يظهر لنا بلا غبش، أن السبيل إلى ذلك يرتبط بتخلي إيران عن مشروعها وتفكيك شبكة الوكلاء في المنطقة، وهو ما يعتبر لدى طهران الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة