أحيانا لا تكون أصعب الشخصيات التي تمرّ في حياتك مجرد عبءٍ عليك، بل تكون ـ من حيث لا تدري ـ مرآةً قاسية تكشف لك شيئا عن نفسك لم تكن ستراه في أيام الراحة….
ليس معنى ذلك أن كُل مؤذٍ أرسله الله إليك خصيصا ليؤذيك، ولا أن الظلم يصبح مقبولا لأنه علّمك درسا، ولا أن عليك أن تبقى بجوار من يهدمك بحجة الصبر.
فالظلم يظل ظلما، والأذى لا يصبح فضيلة، ووضع الحدود قد يكون أحيانا أوجب من الاحتمال….
لكن المعنى الأعمق هو أن الله قادر أن يُخرج من التجربة التي لم تخترها إنسانا فيك لم يكن ليولد بغيرها….
قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
ولم يقل إن الشيء المكروه خيرٌ في ذاته دائما، وإنما قد يكون الخير فيما يترتب عليه، وفيما يوقظه فيك، وفي الطريق الذي يدفعك إليه….
هناك أخلاق لا نتعلمها بالقراءة….
يمكنك أن تقرأ ألف صفحة عن الصبر، ثم يأتي شخص واحد شديد الطباع فيختبر في خمس دقائق مقدار الصبر الذي تملكه فعلا.
يمكنك أن تتحدث طويلا عن الحِلم، حتى يقف أمامك من يستفزك ويملك القدرة العجيبة على إخراج أسوأ ما فيك؛ عندها فقط تعرف:
هل الحِلم خُلُقٌ فيك، أم مجرد فكرة جميلة كنت تؤمن بها ما دام أحد لا يزعجك؟
فالهدوء في غياب المستفزين ليس دائما حِلمًا…
والكرم حين لا تخشى النقص… لم يُختبر بعد…
والتسامح بلا إساءة….مجرد تنظير….
وضبط اللسان بلا غضب،، سهل…
أما الأخلاق الحقيقية فتظهر عندما توجد أسباب كافية لنقيضها….
ولهذا قال الله تعالى في وصف المتقين:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
تأمل كلمة “الكاظمين”…
هناك غيظ أصلا…
هناك ما يستفز النفس ويملؤها غضبا، ثم تأتي الأخلاق لتقرر ماذا ستفعل بهذا الغضب….
قد تقابل إنسانا عصبيا، فتكتشف أن عليك أن تتعلم ألا تجعل مزاج الآخرين مفتاحا لمزاجك….
وقد تعيش مع إنسان أناني، فتتعلم أن العطاء بلا حدود ليس فضيلة دائما، وأن كلمة “لا” قد تكون أحيانا جزءا من احترام النفس….
وقد تصادف ناكرا للجميل، فتتعلم أن تفعل المعروف لأن هذا خُلُقك، لا لأن البشر سيقيمون لك تمثالا من الوفاء….
وقد يخذلك من وثقت به، فتتعلم الفرق بين حسن الظن وإلغاء العقل.
وقد تواجه متكبرا، فتفهم كم يبدو الكِبر قبيحا حين تراه متجسدا أمامك، فتراقب بذوره الصغيرة في نفسك….
وقد تتعامل مع كثير الشكوى، فتنتبه فجأة إلى مقدار النعم التي اعتدت عليها حتى كادت تختفي من بصرك….
وقد تقابل شخصا يريد السيطرة على كل شيء، فتتعلم أن الرحمة لا تعني تسليم مفاتيح حياتك للآخرين.
وقد يحبك إنسان بطريقة مؤذية، فتكتشف حقيقة دقيقة:
ليس كل من يحبك يعرف كيف يحبك.
وقد تخسر شخصا كنت تظن أنك لا تستطيع الحياة من دونه، ثم تستيقظ ذات صباح -بعد أن غادرك- وتكتشف أنك ما زلت حيا؛ فتفهم أن بعض ما سميناه حبًا كان يحمل في داخله شيئا من التعلق والخوف والاعتماد.
هكذا تتحول العلاقات من مجرد أحداث إلى مختبر للنفس….
والقرآن يقرر قاعدة مذهلة:
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾….
الإنسان نفسه قد يكون امتحان الإنسان…
ليس الفقر وحده ابتلاء، ولا المرض وحده، ولا الخسارة وحدها.
قد يكون ابتلاؤك شخصا…زوجا….صديقا،،،شريكا.. جارا ..قريبا…
رئيسا في العمل…. أو إنسانا تحبه جدا، لكنه يضع أصبعه ـ دون أن يقصد ـ على أكثر المناطق هشاشة في داخلك….
وهنا تحدث المفارقة:
أنت تظن أن المشكلة كلها فيه، بينما تكشف التجربة أشياء تحتاج أنت أيضا إلى مراجعتها….
هو سريع الغضب، نعم؛ لكن لماذا تنهار أنت أمام غضبه؟
هو أناني، نعم؛ لكن لماذا لا تستطيع أنت وضع حدود؟
هو بارد، نعم؛ لكن لماذا أصبحت قيمتك عند نفسك مرتبطة بمقدار اهتمامه؟
هو ناقد، نعم؛ لكن لماذا تحتاج إلى رضاه كي تصدق أنك جيد؟
هو متقلب، نعم؛ لكن لماذا جعلت استقرارك النفسي رهينة تقلباته؟
هذه الأسئلة لا تبرئ الآخر من خطئه.
إنها فقط ترفض أن نخرج من التجربة ونحن نحفظ قائمة أخطائه ولا نعرف شيئا جديدا عن أنفسنا.
ومن هنا نفهم معنى بالغا:
بعض الناس يدخلون حياتنا فننشغل طويلا بسؤال: لماذا هم هكذا؟
بينما السؤال الذي قد يغيّر حياتنا هو: ماذا كشف وجودهم فيَّ أنا؟
كشف خوفي من الهجر؟
حاجتي المفرطة إلى القبول؟
عجزي عن قول “لا”؟
سرعة غضبي؟
تعلقي؟
غروري؟
حساسيتي تجاه النقد؟
رغبتي في إنقاذ الجميع؟
اعتقادي أن التضحية بلا نهاية دليل حب؟
هنا تبدأ الاستفادة الحقيقية من الألم.
فليس النضج أن تقول بعد كل تجربة: “كانوا سيئين”…
النضج أن تستطيع أن تقول:
كان فيهم ما كان، ولكنني خرجت أعرف نفسي أكثر….
حتى الأعداء قد يقدمون للإنسان ـ دون قصد ـ معرفة لا يقدمها الأصدقاء.
الصديق يرى فيك ما يحب…
أما خصمك فيبحث عن الثغرة….
وقد يبالغ ويظلم، ولكن اعتراضه أحيانا يجبرك على مراجعة فكرة كنت تظنها مكتملة، أو إصلاح خطأ لم يكن المصفقون حولك مستعدين للإشارة إليه.
ولهذا فالعاقل لا يأخذ كلام خصومه كله، ولا يرميه كله…
ينزع السم، ثم ينظر: هل بقي في السهم المسموم شيء من الحقيقة؟
وهذه درجة عالية من النضج؛ أن تتعلم حتى ممن لا تحب.
لكن ثمة فرق بالغ الأهمية بين التعلّم من الأذى وتمجيد الأذى.
ليس مطلوبا منك أن تبقى مع من يهينك كي تتعلم الصبر.
ولا أن تسمح لمن يستنزفك بالاستمرار كي تتعلم التسامح.
ولا أن تسكت عن الظلم حتى تثبت أنك حليم.
فالحدود أخلاق أيضا…..والانسحاب قد يكون حكمة.
والحزم قد يكون رحمة بالنفس….
وقد يكون الدرس الذي جاءك به بعض الناس ليس: “اصبر عليهم أكثر”، بل:
“كان يجب أن تضع الحد منذ زمن”
وقد يكون الدرس ليس أن تسامح للمرة المائة، بل أن تسامح في قلبك وتمضي في طريقك.
فالصفح شيء، وإعادة الشخص إلى الموضع الذي أذاك منه شيء آخر….
ولعل أجمل ما تصنعه التجارب الصعبة أنها توسّع فهمنا للناس….
من عرف ضعفه صار أقل استعلاء على ضعف الآخرين…
ومن كُسر قلبه صار أرفق بالقلوب….
ومن ذاق الوحدة أصبح أقدر على ملاحظة الوحيد وسط الزحام.
ومن أخطأ ثم ستره الله، أصبح أقل شغفًا بفضائح الناس….
ومن احتاج يوما كلمة طيبة، عرف أن بعض الكلمات ليست مجاملة؛ بل إسعاف أولي للروح.
لهذا قد يتحول الألم، إذا عولج جيدا، إلى رحمة.
وقد يتحول الخذلان إلى بصيرة.
والفقد إلى معرفة بقيمة الموجود.
والصراع إلى نضج….
والشخص الذي أرهقك إلى سبب غير مباشر في ولادة نسخة أكثر وعيا منك.
وليس السؤال في نهاية كل علاقة:
ماذا فعل بي هذا الإنسان؟
فهذه نصف الحكاية فقط….
اسأل أيضا:
ماذا صنعتُ أنا بما فعله بي؟
هل جعلني قاسيا أم أكثر فهما؟
هل جعلني شكاكا أم أكثر بصيرة؟
هل جعلني أنتقم من الأبرياء أم أوقف سلسلة الألم عندي؟
هل علمني أن أغلق قلبي، أم أن أفتح عينيّ وأنا أُبقي قلبي حيًا؟
هنا يظهر الفرق بين إنسان مرّ بالألم، وإنسان نضج بالألم….
الأول يحمل جراحه معه….
والثاني يحمل منها حكمة….
وقد تكون هذه إحدى الحكم الخفية في اختلاف البشر:
لو كان كل من حولك صبورا، متفهما، كريما، هادئا، وفيّا، يشبهك فيما تحب ويوافقك فيما تريد، لبقي كثير من أخلاقك فضائل لم تُختبر…..
فكيف تعرف أنك صبور إن لم ينتظر صبرك شيء؟
وكيف تعرف أنك حليم إن لم يستفزك أحد؟
وكيف تعرف أنك عادل إن لم تختلف مع أحد؟
وكيف تعرف أنك متواضع إن لم تملك فرصة الاستعلاء؟
وكيف تعرف أنك رحيم إن لم تقع بين يديك زلة إنسان؟
إن العضلة التي لا تواجه مقاومة لا تقوى….
وكذلك بعض عضلات الطبع والروح.
لكن الفارق أن المقاومة في الرياضة نختارها، أما مقاومات الحياة فكثيرا ما تختارنا.
لذلك، حين يضع الله أمامك موقفا صعبا، لا تجعل سؤالك الوحيد:
“يا رب، متى ينتهي هذا؟”
أضف إليه:
“يا رب، ماذا ينبغي أن أفهم قبل أن ينتهي؟”
فقد ينتهي الموقف ويبقى فيك المرض نفسه، فيأتيك الدرس بثوب آخر وشخص آخر.
وقد يتغير الوجه، وتتغير المدينة، وتتغير الأسماء، بينما تتكرر الحكاية لأنك لم تنتبه بعد إلى موضع الخلل فيك.
وأحيانا يكون أعظم انتصار على تجربة مؤلمة ألا تنتصر على الشخص الذي آذاك، بل أن تنتصر على النسخة منك التي كان يستطيع التحكم بها.
أن يصبح غضبه عاجزا عن إفساد يومك…
وبروده عاجزا عن تحديد قيمتك…..
ورحيله عاجزا عن هدم هويتك….
ونقده عاجزا عن جعلك تحتقر نفسك….
واستفزازه عاجزا عن تحويلك إلى شخص لا يشبهك….
عندها تكون قد فهمت شيئا بالغ العمق:
لم يكن المطلوب دائما أن يتغير الآخر حتى ترتاح …
أحيانا كان المطلوب أن تنضج أنت حتى لا يعود الآخر قادرا على بعثرة سلامك.
*بعض الناس نعمة لأنهم أحسنوا إلينا….
وبعضهم يصبح سببا في نعمة رغم أنهم لم يحسنوا….
الأول علّمنا جمال المودة….
والثاني علّمنا الصبر، والحدود، والبصيرة، ومعرفة النفس….
فلا تشكر الأذى، ولا تُسمِّ الظلم خيرا، ولا تقدّس من جرحك.
ولكن احمد الله أن الجرح لم يذهب هباء.
فمن تمام العافية ألا تخرج من التجربة سالما فحسب، بل أعمق منها….
وألا يكون أعظم ما بقي لك ممن آذاك هو الألم، بل الإنسان الذي أصبحتَه بعدما تعلمتَ كيف لا تسمح للألم أن يفسدك.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة