لا يمكن تناول أزمة الجولان المحتل دون النظر إلى الأهمية الاستراتيجية لتلك البقعة السورية لدى الكيان الإسرائيلي.
وكما أن الجولان ترتبط السيطرة الإسرائيلية عليه بحلم إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، فإنه يرتبط كذلك بعقيدة أمنية صاغها رئيس الوزراء الأسبق ديفيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي، والتي من أبرز مرتكزاتها احتلال مناطق ذات أهمية استراتيجية والبقاء فيها كوسيلة لتحقيق الأمن الوقائي وتأمين الحدود ودعم الموقع الاستراتيجي للاحتلال.
من هنا ندرك أن احتلال الجولان ينبثق من هذه العقيدة الأمنية، حيث أن تلك المرتفعات التي احتلتها دولة الكيان عام 1967 وأعلنت ضمها 1981 على الرغم من صغر مساحتها نسبيا، إلا أنها ذات موقع استراتيجي متميز، حيث تطل على جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة ومعظم جنوب سوريا، كما أنها تقع على مسافة 50 كيلو مترًا إلى الغرب من العاصمة السورية دمشق
وتتمسك دولة الاحتلال منذ احتلالها للجزء الأكبر من مرتفعات الجولان بعدم التنازل عنها في أي مفاوضات سلام، واعتبارها جزءا من الأراضي الخاضعة للسيادة الأبدية الإسرائيلية.
تتيح السيادة على مرتفعات الجولان لدولة الاحتلال الوصول إلى حوض تصريف نهر الأردن وروافده المتعددة إلى الغرب، وإلى بحيرة طبريا ونهر اليرموك في الجنوب، كما أن هذه المرتفعات تضم أكثر من 200 ينبوع وعشرات الجداول المائية الصالحة للاستخدام المباشر، إلى جانب عشرات الآبار لاستخراج المياه من الطبقات الجوفية.
وتغطي مياه مرتفعات الجولان ما يزيد عن ثلث الإمدادات المائية لإسرائيل، ما يجعل الحديث عن قابلية التنازل الإسرائيلي عنها ضربًا من المستحيل.
ومن أجل هذه الأهمية القصوى للجولان لدى الاحتلال الإسرائيلي، نجح في مساعيه باستصدار اعتراف أمريكي بالسيادة الإسرائيلية عليها عام 2019 من خلال الرئيس دونالد ترامب، وذلك على الرغم من أن الأمم المتحدة تعتبر الجولان أرضًا سورية محتلة، إلا أن قراراتها دائمًا ما تفتقر إلى آليات للتنفيذ.
مثّل سقوط نظام بشار الأسد فرصة للاحتلال في فرض الأمر الواقع بمزيد من التوغل في الأراضي السورية، فما إن سقط النظام حتى سارع الاحتلال باجتياح المنطقة العازلة على الحدود السورية والتي أُنشئت وفقا لاتفاقية فك الاشتباك بين سوريا والاحتلال في مايو/أيار 1974، وتوغلت قواته في مناطق بجبل الشيخ، بدعوى تأمين حدوده، كما شنت غارات عنيفة على قواعد عسكرية وطائرات وأنظمة صواريخ ومخازن أسلحة لتدمير القدرات العسكرية السورية خشية وقوعها بقبضة الحكومة الجديدة، بالتوازي مع الزحف الاستيطاني خاصة من قبل المستوطنين من حركة رواد الباشان، والذين ينتمون إلى اليمين الإسرائيلي المتطرف بدعم من الجيش وشخصيات يمينية في الحكومة، بغرض توطين اليهود في الجنوب السوري.
وفيما يعتبرها الإسرائيليون قضية أمن قومي إسرائيلي، فإن الجولان بالنسبة للسوريين هي قضية سيادة على أرض هي جزء لا يتجزأ من الجسد السوري. ولكن كيف تتعامل الحكومة السورية الجديدة في عهد أحمد الشرع مع قضية الجولان؟
ربما نستطيع الوقوف على ملامح السياسة السورية تجاه هذه القضية من خلال الكلمات التي ألقاها الرئيس السوري أحمد الشرع في الدورة رقم 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت مؤخرًا، إضافة إلى حديثه خلال جلسة حوارية على هامش أعمال الجمعية، أدارها المسؤول الأمريكي السابق بريت ماكغورك، ونظمها مشروع سوريا التابع للمجلس الأطلسي في نيويورك.
من خلال حديث الشرع يمكن اختصار موقف سوريا من قضية الجولان المحتل في النقاط التالية:
أولًا: رفض محاولات الاحتلال في فرض الأمر الواقع، والتأكيد على أن الجولان ستبقى أرضًا سورية، وأنه ليس من حق الشرع ولا ترامب ولا أي أحد منحها للإسرائيليين.
ثانيًا: التأكيد على أن سوريا اختارت معالجة الاعتداءات الإسرائيلية بالمسار الدبلوماسي والحوار والمفاوضات والاستعانة بدولة صديقة للاحتلال من بينها الولايات المتحدة.
ثالثًا: إعطاء الأولوية لانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى خطوط 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بمعنى الانسحاب إلى المواقع التي كانت تشغلها عام 1974، واعتبار ذلك أساسًا لبحث أية ترتيبات أمنية وحديث عن السلام.
رابعًا: الأخذ بعين الاعتبار المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وطرح احتمال تشكيل لجنة دولية لبحث هذه المخاوف والتمييز بين ما هي حقائق وما هي أوهام.
من هنا ندرك أن الحكومة السورية تتعامل مع قضية الجولان المحتل بشكل يوازن بين الممكن والمأمول، فهي تتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية محسومة لصالح الاحتلال وتوقف عجلة النهوض والبناء، وفي الوقت نفسه تركز على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى مواقعها التي شغلتها قبل سقوط الأسد، لتحجيم التمدد الإسرائيلي الآخذ في التنامي.
العودة إلى خطوط 1974 ليست بديلًا عن المطالبة بالجولان، لكنها يمكن أن تكون خطوة لإعادة تثبيت مبدأ أن التغييرات العسكرية التي حدثت بعد سقوط نظام بشار لا تتحول تلقائيًا إلى حدود سياسية جديدة.
أما أراضي الجولان التي يحتلها الجيش الإسرائيلي منذ عام 1967، فنستطيع القول بوضوح أن الحكومة السورية تعتبرها قضية مؤجلة.
هنا قد تتوارد الأسئلة: مؤجلة إلى أي مدى؟ إلى حين البناء وإعداد القوة اللازمة لتحرير الجولان؟ وهل ستسمح الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وحلفاؤهما إلى وصول سوريا إلى هذه المرحلة؟ ألا يعتبر إرجاء هذه القضية إلقاءً بهذا الحمل الثقيل على كاهل الأجيال القادمة؟
في الواقع كلها أسئلة منطقية، لكن يبدو من عمل الإدارة السورية أنه تأجيل إيجابي لا يعول فحسب على عامل الزمن وما قد يحمله من تغييرات سياسية وجيوسياسية وتغييرات في خرائط النفوذ والتحالفات قد تجعل قضية الجولان أقرب إلى الحل النهائي، لكنه يتبنى مقاربة تتمثل في تثبيت الحق السوري، وبناء مسار تفاوضي مدعوم عربيًا ودوليًا، على أمل أن يتحول الوضع القانوني إلى أدوات ضغط على الكيان الإسرائيلي.
وينبغي أن يعلم أن إعادة البناء الداخلي ورقة قوية في قضية الجولان، من جهة أن إعادة ترتيب البيت الداخلي وبناء دولة ذات مؤسسات وبناء علاقات دولية قوية، يمكّن سوريا من التعامل مع دولة الاحتلال من موقع دولة تفاوض دولة، لا من موقع دولة منهكة تبحث عن مجرد وقف للاعتداءات.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة