النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال، إذ هو من زينة الحياة الدنيا، ولا يُلام صاحبه على هذا الحب الفطري، فالله تعالى لا يفطر الناس على شيء قبيح.

يقع المال في موضع المدح أو المذمة بما يتعلق به من صنيع صاحبه وسلوكه مع ما أنعم الله عليه به من الأموال، وأول وأبرز هذه المحددات هي نظرة الإنسان نفسه للمال.

هناك من ينظر إلى المال على أنه كسب محض من عمله وجهده دون أن يرد هذه النعمة إلى المنعم بها على الحقيقة وهو الله تعالى، وحاله في ذلك حال قارون والذي قال لمن دعاه إلى الإنفاق: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}، فهو يدعي إدراك هذه الأموال بكسبه ومعرفته بوجوه المكاسب، وهنا يقول الآلوسي في روح المعاني: “ادعى استحقاق التفضيل على الناس واستيجاب التفوق بالمال والجاه بسبب العلم ولم ينظر الى منة الله تعالى وفضله ولذا هلك”.

هناك نموذج مغاير تمامًا ويقف على النقيض من نموذج قارون، ألا وهو نبي الله سليمان الذي آتاه الله ملكا لم يكن لأحد من بعده، وآتاه من كل شيء، وهو مع ذلك كله نسب نعمة المال والجاه إلى المنعم بهما سبحانه وتعالى فقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}، فهو لم يعز ما لديه من ملك ومال وسلطان إلى قوته، ولا إلى علمه، ولا لتفوقه عن الناس، وإنما عزاه إلى من يملكه على وجه الحقيقة وهو الله تعالى، إذ يوقن أن المال مال الله قد استخلف عليه عباده.

بين النموذجين بعد المشرقين، فالأول غارق في أوهام الملكية المحضة ولا يفرق بين الأسباب ومسبب الأسباب، بين جهده الذي هو مجرد وسيلة، وبين العطاء الإلهي الذي هو محض منة من الله، وكم من أناس بذلوا الجهد نفسه، وأخذوا بالأسباب ذاتها، ولكن ترى هذا ثريًا وذاك فقيرًا، فالأسباب والأخذ بها مراعاة لسنن الله في خلقه، والذي قدر الأقدار بأسبابها، لكنها في حد ذاتها لا تستوجب النتيجة، كحال من يغرس في أرضه فتطرح، وحال من يغرس في أخرى فلا تطرح، أو كحال من يتزوج من أجل الولد فيرزق به، ومن يتزوج فلا يرزق بالولد.

والنموذج الثاني هو حال من يرى أن المال محض فضل من الله تعالى، يؤتيه من يشاء بقدر ما يشاء لحكمه منه سبحانه، قد يدركها الإنسان أو يجهلها، ويرى أنه قد أوتي هذا المال نعمةً من الله وليس استحقاقا لهذا المال.

إن المال في الحقيقة مال الله تعالى، هكذا سماه في كتابه قائلًا: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}.

وهكذا فهم ذلك الأعرابي الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: “يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء”، فقد فهم أن المال هو مال الله على الحقيقة.

نظرة الإنسان للمال على أنه مال الله، تحرر النفس من ربقة البخل والشح في الإنفاق على الفقراء والمحتاجين، لأنه يدرك جيدًا أنه ليس المالك الحقيقي له، إنما هو وديعة وأمانة استُخلف عليها لينظر الله عمل الإنسان فيها، فيتصرف في المال وفق ما أمر به مالكه الحقيقي من الانتفاع به ونفع الآخرين به على الوجه المشروع.

وهي نظرة كذلك تجنب الإنسان التوحّش سواء بالبحث عن المال من طرقه المحرمة، أو إنفاقه كذلك في المسالك المحرمة، لشعوره الدائم أن هذه النعمة من الله تعالى ينبغي أن تكون قرينة العبودية للحق سبحانه وتقواه.

ومن ناحية أخرى، فإن استحضار الإنسان لحقيقة أن الله هو المالك الحقيقي لذلك المال، يجعله هادئ النفس مطمئن القلب، فإن من آفات المال: الخوف والقلق على ذهابه أو نقصانه، ومتى استحضر العبد أنه لا يملك شيئًا على الحقيقة وأن المالك هو الله، قصر تعلقه بالمنعم الرزاق سبحانه، والذي يرزق من يشاء بغير حساب، فهو يدرك أن خزائن الله لا تنفد وأنه هو المعطي المانع، وأن الذي أعطاه سابقًا قادر على الإنعام عليه كل وقت وحين.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا نجح التقارب العربي مع تركيا وأخفق مع إيران؟

العلاقة بين العرب والأتراك شابها التوتر في فترات متقطعة منذ سقوط الخلافة العثمانية وإقامة الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *