حين يُصبح الهوى مُفسِّرًا للنص نفسه تفسيرين مختلفين !
نصٌّ للأحبة ونصٌّ للخصوم…
يا بعض القوم .. الله سبحانه وتعالى لا ينتمي الى حزبكم ..
أسوأ ما يمكن أن يصيب حزبا أو جماعة في أي بلد .. ليس أن تخطئ في السياسة، بل أن تتوهم أنها تملك حق توزيع الصلاح والفساد على الناس؛ حتى يصبح القرب منها قرينة فضيلة، والبعد عنها شبهة، ومخالفتها خطيئة تنتظر الدليل.
ثم يبدأ الصيد…
لا ينظرون إلى المخالف بوصفه إنسانًا قد يصيب ويخطئ، بل بوصفه ملفًا مفتوحًا ينتظرون فيه الزلة المناسبة.
فإن سكت عنهم لم يسلم، وإن انتقدهم صار عدوًا، وإن لم يمدحهم صار مشبوهًا، وإن أخطأ في لفظة قامت القيامة:
مقاطع مبتورة، وأرشيف، وتشنيع، ونصوص شرعية تُستدعى لإثبات أن الرجل لم يخطئ فحسب، بل سقط أخلاقيًا ودينيًا.
وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يخيف المتدين قبل غيره:
أين الله في كل هذا؟
لأن النص الشرعي إذا أصبح لينًا مع الحبيب، صارمًا مع الخصم، فالمشكلة لم تعد في فهم النص وحده؛ بل في الهوى الذي يختار متى يستعمله.
يخطئ رجل منهم، فتُفتح أبواب الأعذار: «الأعمال بالنيات»، و«كل ابن آدم خطاء»، و«احمل أخاك على أحسن المحامل»، و«لا تتبعوا العورات».
ويخطئ مخالفهم الخطأ نفسه، فتختفي فجأة نصوص الستر والرحمة، وتظهر نصوص الإنكار والتحذير والولاء والبراء!
وكأن لله سبحانه شريعتين: شريعة للأحباب وشريعة للخصوم.
وهذا بالضبط ما جاء القرآن ليهدمه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
لاحظوا أن الله لم يقل: اعدلوا مع الذين تحبونهم.
بل اختبر عدلنا تحديدًا عند الكراهية.
فالعدل مع الصديق سهل، أما عدلك مع من لا تحبه فهو الذي يكشف إن كنت تعبد الله حقًا، أم تعبد موقفك وحزبك ثم تبحث له عن آية وحديث.
والأشد خطرًا أن يتحول سقوط الآخرين إلى غذاء سياسي؛ فلا يعود المرء يحزن لزلة أخيه المسلم، بل يكاد يفرح بها لأنها تمنحه مادة جديدة للهجوم.
وهنا تختلط الدعوة بالتشفي، والنصيحة بالشماتة، والغيرة على الدين بالرغبة في الانتصار للجماعة.
وقد قال النبي ﷺ: «لا تُظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك».
المؤمن إذا رأى زلة قال: اللهم أصلحه واسترنا وإياه.
أما الحزبي المتعصب فقد يقول في سريرته: الحمد لله… وجدناها.
وهذه الـ«وجدناها» أخطر على قلبه من هفوة خصمه؛ لأن خصمه ربما يتوب من كلمته في ليلة، بينما يبقى هو سنوات يتقرب إلى جماعته بأعراض الناس وهو يظن أنه يتقرب إلى الله.
ليس كل من رفع نصًا شرعيًا صار موقفه شرعيًا.
فقد تكون الآية حقًا، والحديث حقًا، والاستدلال في ظاهره صحيحًا، لكن القلب الذي انتقاهما مريضًا بالهوى.
وأعدل اختبار بسيط:
ضع اسم خصمك مكان اسم صاحبك في القضية نفسها.
فإن تغير حكمك، وتبدلت لغتك، واختلف مقدار غضبك، فراجع قلبك قبل أن تراجع كتب الفقه.
لأن الله لن يسألك يوم القيامة: هل انتصر حزبك؟
بل سيسألك عن لسانك، وعن عدلك، وعن أعراض عباده، وعن كلمة كتبتها، وعن إنسان شاركت في تشويهه، وعن نصوصه سبحانه التي جعلتها يومًا سياجًا لمن تحب، وسكينًا على رقبة من تكره.
الدين الذي لا يجعلك أعدل مع خصومك قد يتحول في يدك من هدايةٍ تهذب الهوى، إلى أداةٍ يبرر بها الهوى نفسه.
وهنا تبدأ الكارثة:
حين لا يعود الحزب في خدمة الدين، بل يصبح الدين في خدمة الحزب..
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ،،
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة