ثمة فرق واضح بين أن تغار لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُبّا وتعظيما، وبين أن تجعل اسمه الشريف غطاء لغضبك الشخصي وطريقتك في الانتقام من المخطئ….
وأخشى أن نُضيّع هذا الفرق حين يزلّ إنسان في كلمة؛ فننتقل من تصحيح الخطأ إلى إسقاط صاحبه، ومن مناقشة العبارة إلى محاكمة النية، ومن الدفاع عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى التشهير والشتيمة وكأن هفوة واحدة تكفي لمحو تاريخ إنسان كامل…..
فالغيرة الصادقة تُصحّح ولا تظلم، وتُنكر الخطأ دون أن تستبيح المخطئ.
وأقولها ابتداء بلا مواربة:
اللفظ الذي قيل من بعض الإخوة.. نعم لم يكن موفقا، ومقام رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أجلُّ وأعظم من أن تُنتقى عند الحديث عنه إلا أكرم الألفاظ وأدقها.
والتثبت في السيرة واجب، وما لم يثبت لا يجوز تقديمه للناس كأنه حقيقة مقطوع بها….
هذه ليست نقطة خلاف….
لكن السؤال الأعمق هو: ماذا نفعل بمن أخطأ؟
هل الإسلام الذي علّمنا تعظيم محمد ﷺ علّمنا أن نختصر إنسانا كاملا في زلة؟
وهل الوفاء للنبي ﷺ يكون فقط بالغضب له، أم يكون أيضا بالتخلّق بأخلاقه عندما نغضب له؟
المفارقة المؤلمة أن الرجل (خبير العلاقات أو المُرشد النفسي) كان يتحدث ـ بحسب سياق المقطع كما فهمه عدد من المتابعين ـ عن رحمة رسول الله ﷺ وسماحته واحتماله الأذى، لا ساخرا منه ولا مُنتقصًا لمقامه الشريف..
وهنا تصبح المسألة مسألة عدل قبل أن تكون مسألة غضب:
فهل يُسوّى بين من زلّ لسانه وهو يريد تعظيم حلم النبي، وبين من قصد إهانة النبي؟
الشريعة نفسها لا تسوّي بين الخطأ والقصد….
قال الله تعالى:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
تأملوا التعبير: ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
لأن العدالة لا تنظر إلى الكلمة وحدها؛ تنظر إلى القصد والسياق والحال والسابقة وما قبل الكلمة وما بعدها….
وإلا تحولت العدالة إلى مقصلة لغوية….
==
نعم، ندافع عن رسول الله عليه صلوات ربي وسلامه….
بأبي هو وأمي….
لكن الدفاع عنه ليس في أن نرفع إسمه “راية” ثم نفعل تحت الراية ما نهانا هو عنه عليه الصلاة والسلام.
فالنبي الذي نغضب لأن رجلا لم يحسن اختيار لفظ وهو يتحدث عنه، هو نفسه الذي قال:
” إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”
فكيف يكون الرفق سُنّته، ثم تصبح القسوة طريقتنا في الدفاع عنه؟!
وكيف نغضب لمقامه الشريف، ثم ننسى قوله تعالى في وصفه:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؟
إن من أعجب مفارقات زماننا أن يدافع بعضنا عن نبي الرحمة بطريقة لو عامل بها النبي ﷺ الناس لانفضوا من حوله!
==
والقرآن علّمنا قاعدة أعظم من هذه الحادثة كلها:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
والبخس ليس في الميزان والدراهم فقط….
هناك بخس أخلاقي أيضا:
أن يكون لإنسان عشرون عاما من الخير، ثم يمحوها الناس بمقطع من عشرين ثانية….
أن تكون له مئات الكلمات النافعة، ثم يصبح تعريفه كله كلمة أخطأ فيها…
أن يبني الإنسان سمعته حجرا حجرا، ثم نقرر في ساعة غضب أن نهدم البيت كله لأن حجرا فيه اعوجّ.
العدل ليس أن تتجاهل الحجر المعوج؛ العدل أن تصلحه دون أن تهدم البيت.
ولذلك كمواطنة أردنية مُسلمة مُحافظة تكره الظلم والظالمين وتمقت الاستعراض والمُستعرضين الذين اعتادوا أن يجمعوا اللايكات والتعليقات حولهم بالشتم والاساءة وتشويه الناس من أجل زلّة.. أرفض منطقين معا:
– أرفض أن يقال: لا مشكلة فيما قيل….
بل هناك مشكلة، وكان ينبغي اختيار لفظ يليق وكان يجب التثبُّت من الرواية.
– وأرفض بالقدر نفسه أن يقال: إذن سقط الرجل…
من أين جاءت ثقافة السقوط هذه؟
من أين جاءت هذه العقيدة الاجتماعية الجديدة التي تجعل الإنسان إما ملاكا لا يخطئ، أو شيطانا لا حسنة له؟
هذه ليست طريقة القرآن في وزن البشر….
حتى أهل الفضل قال الله فيهم:
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
يا لعظمة هذا الميزان:
لم يقل الله إن الخطأ يصبح صوابا ..
لكنه لم يجعل الخطأ نهاية الإنسان أيضا ..
صحّح، ثم اترك باب العودة مفتوحا !
بل إن حب النبي ﷺ نفسه يفرض علينا أن نكون أدق في فهم ما جرى له.
فهو ﷺ لم يكن محفوظا من أن يناله الأذى البشري؛ أُوذي، وشُجّ وجهه يوم أُحد، وكُسرت رباعيته، وأدميت قدماه فيما بعد، ووُضع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد.
وهذا كله “لا ينتقص من مقامه ذرة”
بل هنا بعض عظمة السيرة:
أن الله لم يرسل إلينا نبيا يعيش خارج شروط البشر، وإنما رسولا يتألم ولا يحمله الألم على الظلم، ويُؤذَى فلا يصبح الأذى ترخيصا لانهيار أخلاقه.
فليس تعظيم النبي ﷺ بإنكار ما وقع عليه من أذى…
تعظيمه أن ندرك “كيف ظل محمدا ﷺ رغم كل ما وقع عليه”
كان يستطيع أن ينتقم حين قدر….
لكنه يوم فتح مكة لم يتحول إلى نسخة من الذين آذوه….
وهذه هي النبوة التي ينبغي أن ندافع عنها:
ليست مجرد مقامٍ مُكرّم نغضب له ..
إنها “منهج نتعلم منه كيف نتصرف حين نغضب”
وهنا السؤال الذي أتمنى أن نسأله لأنفسنا:
لو كان رسول الله ﷺ بيننا، ورأى رجلا يحبه ويتحدث عن رحمته، ثم زل لسانه بعبارة سيئة، ماذا كان سيحب منا نحن أنا وأنتم؟
أن نقول للرجل: أخطأت، فاتق الله واستغفر وصحّح؟
أم أن نجمع عليه آلاف الناس، ونفتش في حياته، ونلعنه ونشتمه ونحوّل الخطأ إلى حفلة إذلال كما يحدث في تعليقات إدراجات بعض المُستعرضين؟
لا أزعم جوابا عن النبي ﷺ فيما لم يقل….
لكنني أعرف شيئا قاله القرآن عنه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
فإذا كانت نتيجة “دفاعنا” عن الرحمة مزيدا من القسوة، فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل دافعنا عن محمد ﷺ، أم دافعنا عن غضبنا نحن؟
هناك فرق بين “الغيرة” و “العدوان “
الغيرة تقول: لا تقل هذه العبارة عن رسول الله ﷺ…
والعدوان يقول: أنت لا قيمة لك….
الغيرة تصحح الرواية… والعدوان يُفتش في حياة الراوي عن أخطاء أخرى بل ويسخر من شكله وطول شعره.
الغيرة تريد حماية مقام النبي…. والعدوان يريد رأس المخطئ….
الأولى عبادة إذا صحت النية واستقام الأسلوب….
أما الثانية فقد تبدأ باسم النبي ثم تنتهي بمخالفة هديه عليه الصلاة وأتمّ التسليم..
وما أخشاه أكثر أن نصنع مجتمعا يخاف فيه الناس من الاعتذار….
لأنك إذا علمت الإنسان أن اعتذاره لن ينفعه، وأن خطأً واحدا سيطارده إلى قبره، فلماذا سيعترف أصلا؟!
المجتمعات الحكيمة تقول للمخطئ: ارجع …
أما مجتمعات التشهير فتقول: انتهيت ولا مجال لأن تُقبل توبتك..
والإسلام دين “توبوا”، لا ثقافة “انتهيت وغسلنا أيدينا منك”.
قال الله تعالى حتى في أعظم أبواب الذنب:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
فإذا كان الله يفتح لعباده باب الرجوع، فمن نحن حتى نغلق أبواب الرجوع بسبب هفوة لسان؟
وأقول للرجل نفسه (خبير العلاقات أو الخبير النفسي):
أخطأتَ في اللفظ، فصحّحه… وقد سمعتُ أنه خرج في مقطع وصحّحه..
وإن نقلت رواية لم تثبُت عن النبي وعرفت فيما بعد أنها كذلك لقلّة اطلاعك ونعلم أنك لست من أهل التخصص، فتراجع عنها… واعتذر ..
وقد سمعت أنك ايضا اعتذرت ..
وقُل للناس بوضوح: لم أقصد إلى مقام رسول الله ﷺ إلا التعظيم، وخانني التعبير….
فالرجوع إلى الحق لا يصغر صاحبه؛ بل يكبر به…
وأقول لمن غضب:
جزاكم الله خيرا على محبتكم لنبيكم الكريم…
لكن أحبوه كاملا….
أحبوا مقامه، وأحبوا منهجه ..
دافعوا عن اسمه، وتمسكوا برحمته…
صححوا الخطأ، ولا تستحلوا كرامة الإنسان وعرضه وما ستره ربّه من عيوبه…
فالذي نصر محمدا ﷺ حقا ليس بالضرورة أكثرنا صراخا حين يُذكر اسمه؛
قد يكون أكثرنا شبها بأخلاقه حين يملك حق الغضب.
وأنا لا أدافع هنا عن عبارة….
أنا أدافع عن ميزان …
ميزان إذا فقدناه اليوم مع رجل أخطأ، سنحتاج إليه غدا عندما نخطئ نحن.
لا تسقطوا إنسانا من أجل هفوة….
ولا تجعلوا تاريخ الإنسان كله هامشا تحت خطئه…
ولا تجعلوا حب رسول الله ﷺ مطية لظلم أحد….
صححوا.
عاتبوا.
طالبوا بالتراجع.
وعظّموا مقام المصطفى ﷺ ما استطعتم.
ولكن تذكروا أن من أعظم تعظيمه أن يرى الناس في أتباعه شيئا من عدله ورحمته وحلمه….
فنحن لا ننصر رسول الله ﷺ فقط حين نقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
ننصره أيضا حين نملك القدرة على سحق مخطئ…
فنختار أن نُعلّمه بدل أن نُحطمه..
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة