الرئيسية / مقالات / نقطة نظام

نقطة نظام

لا شك أن لكل إنسان قواعده ومنطلقاته التي ينطلق منها في التعايش وتنظيم علاقاته بالكون والمخلوقات، وتصيغ له منظومته القيمية، يزن بها الأمور ويقيم بها الأحداث، وتكون معياره في تحديد الصواب والخطأ، وذلك عام في جميع البشر على اختلاف توجهاتهم الدينية أو السياسية أو الحزبية، فالعلمانية لها منطلقاتها والليبرالية لها منطلقاتها والرأسماية والشيوعية وغيرها كذلك، كلٌّ له منطلقاته التي يرغب في أن يحترمها الجميع.

وتكون هذه القواعد والمنطلقات نابعة من هويته الثقافية، أو الثقافة الأمّ المتجذّرة.
وإحسان الفقيه كامرأة مسلمة؛ أنطلق من هويتي الإسلامية التي تمثل الثقافة الأم لمجتمعاتنا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا تمثل عمر الرسالة، وتمثل تعاليم الإسلام لُبّ هذه الثقافة وجوهرها ومظهرها وتكوينها، ولم يكن هناك ما يشغب على هذه الهوية إلا منذ القرن الماضي مع ظهور النعرات القومية والتيارات التغريبية التي أرادت إقصاء أو تهميش الهوية الإسلامية التي صبغت حياة المجتمعات العربية طيلة هذه القرون.

هذه المنطلقات والقواعد المستمدة من هويتنا الإسلامية أحق أن تحترم، وأهلها أولى بممارسة حقهم في تقييم الواقع والأحداث وفق ميزان الشريعة، لأنها بكل بساطة هي المنهج الأوحد الذي ينظم علاقة المرء بربه وعلاقته بالمخلوقات والكون بشكل واضح لا لبس فيه.

لذا من حقي كمسلمة أن أزن كل ما يحدث من حولي بميزان الشريعة، ولا يحق لأحد أن يتهمني بالجمود أو الرجعية أو النظرة الأحادية، لأن هذا المنهج الذي أستند إليه، منهج شامل متكامل قامت على أركانه حضارة عريقة أذهلت العالم، وعاشت أوروبا إلى اليوم على مخرجات هذه الحضارة باعتراف المُنصفين منهم أمثال جوستاف لوبون وغيره.

فإذا كان هذا المنهج قد صنع هذه الحضارة الإسلامية التي نال فيها البشر على اختلاف شرائعهم ما لم تنله حقبة بشرية من العدل والإنصاف ورعاية الإنسانية، فقد أثبت جدارته وأحقيته في صياغة المنطلقات والقواعد التي ينطلق منها المرء في نظرته إلى ما حوله وإلى تقييم ووزن الأحداث والوقائع.

حتى تقدير ومراعاة المصلحة والمفسدة وتقديم درء المفسدة على جلب المنفعة، أو اختيار أهون الشرين، أو مراعاة الأولويات، كل ذلك نابع من صميم هذا المنهج، والذي له ثوابته التي لا تتغير، وله مساحاته الخضراء الواسعة التي يختلف فيها الناس ويجتهد فيها أهل العلم وتُوسّع على الناس.

إذن، الانطلاق في تقييم الأفراد والجماعات والأفكار والوقائع والأحداث من المنطلقات الإسلامية، لا يعبر عن تطرف فكري، ولا يُنمّ عن دعشنة التصورات والمفاهيم.

إذا أسقطنا هذا الطرح على ما أثير على مواقع التواصل الاجتماعي حول الإعلامية المُحترمة شيرين أبو عاقلة والتي استهدفتها أيادي الغدر الصهيونية برصاصة قاتلة، فسوف نفرق هنا بين أمرين،
الأول: تعامل الشريعة مع الفرد فيما يتعلق بالأحكام الأخروية،
والثاني نظرتها إلى ذلك الإنسان صاحب الخِلْقة المُكرمة وإجراء الأحكام عليه في الدنيا.

الأول مردّه إلى النصوص الشرعية التي تجعل الجنة للموحدين دون غيرهم، وتفرّق بين الرحمة العامة لكل العباد التي تشمل المأكل والمشرب وتسخير الكون وتذليل المخلوقات لخدمة الإنسان، وبين الرحمة الخاصة التي يرحم الله بها عباده المؤمنين.

لكنها نفس النصوص التي جعلتنا لا نجزم لمسلم بجنة ولا لغير مسلم بنار، على وجه التعيين لا العموم، لأن الله أعلم بالخواتيم، وأعلم بما يموت عليه العباد.
وهي نفس الشريعة التي تتعامل مع الإنسان بصفة عامة كخِلْقة مكرمة، وتقدّر الأفعال والخصال الطيبة والقيم الإنسانية الراقية ونصرة المظلوم حتى ولو كانت من غير المسلم، ولنا في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم مثال.

لكن مع الأسف الشديد، هناك من جرّنا ويجرّنا مع كل وقائع مشابهة، إلى تلك المصيدة، حيث اتجهنا للسجالات الفقهية والمنهجية في تحرير مسألة علمية، وتركنا الجريمة الكبرى للاحتلال التي راح ضحيتها مناضلة مقاومة يشهد لها الجميع بالنزاهة والضمير المهني، والشجاعة في إيصال الكلمة والصورة الحية للجماهير، وخدمة القضية الفلسطينية، حتى غدت علما من أعلام النضال الإعلامي ضد الصهاينة.

كم نحن سُذَّج عندما أشحنا بوجوهنا عن حدث جلل ضخم، كان ينبغي استثماره والطرْق عليه وإبرازه بشكل قوي للمجتمع الدولي للضغط عليه من أجل التدخل لصالح القضية، لنتوجه إلى تحرير مسألة علمية، ليس هذا وقتها ولا محلّها على الإطلاق.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل كان السلطان سليم الأول طائفيًا؟

– السلطان سليم كان مدركًا قبل توليه الحكم خطورة الدولة الصفوية التي تسيّس التشيع– قاتل …

11 تعليق واحد

  1. بارك الله فيك هذا ما كنا ننتظر منك .

  2. معكِ في عموم ما قلتِ، ولكن ..
    لم يكن العقلاء من أهل العلم الشرعي والدين ليتكلموا ((ابتداءً)) في مسألة جواز الرحمة عليها من عدمها، بل شهدت منهم أنهم في أول الأمر أشادوا بأفضالها وحسناتها وركزوا العدسة على جرائم المحتل وتشنيعها، وانما هم اضطروا أن يخوضوا في المسألة لأن السكوت في معرض الحاجة إلى بيانٍ بيانٌ ورأوا كثيرًا من الجهل الذي ينسف قواعد عقدية إسلامية يشيع بين العوام.. فهم من باب إنكار منكر، ودفاع عن حق، وتبيين لأصول دينية إسلامية في وقت يتقاتل فيه سفهاء كثيرون فالعوام يحتاجون إلى تبيين ..
    وإن كان البيان هنا في هذا الوقت ضروري إلا أنه لا يكفي، فما أثار الجدل له جذور كثيرة نمت في الناس على مدار سنوات تحتاج إلى معالجة ..
    ولست بهذا القول أتجاوز عن من أساء الأدب وتشدد في أسلوبه، أو من تكلم بغير علم في الدين، أو من كان يضع المشاعر فوق الدين، أو من يدس عقده النفسية تجاه دينه في منشورات لا تكاد تفهم منها إلا أن الدين يجب عليه أن يراعي هواه بما يراه هواه ..

    شكر الله لك إحسانك ♥️

  3. احمد المعايطة

    كلام يوزن بالذهب وافكار ترتقي إلى الحضارة الإنسانية الساميه.

  4. احمد المعايطة

    حتى لو طلب من حضرتك كتابة مقال والا ، فأنت قادرة على الكتابه ولخترافيه عاله واعطاء كل ذي حق حقه … فانت انصفتي الاسلام وحافظتي على جوهرة ، وكتبتي عن شيرين ابو عاقله واعطيتيها حقها وانصفتيها وامتدحتي شجاعتها في الدفاع عن فلسطين وبذلها دمائها وروحها لكشف العدو الصهيوني على حقيقته للمجتمع الدولي

  5. هبه اسامة الطويل

    السُذج هم من لم يتقبلوا عزيزتي ما أمر الله … فبدلا من ان يقولوا سمعا وطاعة .. اصبحوا يحللون ويتحاورون وكأنهم حفظوا آيات الله وتفسيرها وهم ما زالوا يفرقون بين سورة الاخلاص وقل هو الله أحد
    ١٤٠٠ عام والشريعة الاسلامية بين ايدينا ولكن للاسف أحكاما واضحة وضوح الشمس ما زالوا يجهلونها
    في اي ظرف بزمان ومكان نربط به الشرع والمنهج لانه قارب النجاة في كل شيء
    وفي زمن الرويبضة والجهل لا يريدون ان تقيم قائمة للشريعة الاسلامية والحق يُقال بأنها حرب دين وفكر اعانكِ الله دائما وانار بصيرتك..

  6. محمود المصري

    جزاكم الله خيرا وبارك بكم ورفع قدركم

  7. بارك الله فيكِ أستاذة ونفع بكِ الإسلام والمسلمين

  8. وجدي يحي شعبان

    (357)
    وقال أهل التفسير من المحققين في تفسير قوله تعالى:((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)) الأنعام 132 إنه شامل للمسلمين وغيرهم، فلا التابع كالمتبوع ولا الرئيس كالمرؤوس، كذلك لا يمكن أن يساوي بين المجرم المشرك المحارب الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ،اوالمؤمنين بغيره ، فهذا من عدل الله تعالى .
    والخلاصة : إن بعض العلماء فرقوا بين الدعاء بالمغفرة للكافر، وبين الدعاء بالرحمة، فاتفقوا على منع الأول، واختلفوا في الثاني، فأجاز بعضهم ذلك وبينوا بأن آية (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )) سورة النساء آ 48 تدل على التفرقة بين الشرك وغيره،وذكروا أنها أخص من دعوى مطلق الدعاء للكافر، وأن الذي لا يجوز هو الدعاء بالمغفرة على جريمة الشرك والكفر، وأما ماعدا ذلك فآخر الآية قد تدل على إمكانيته إن شاء الله تعالى.
    والخلاصة أن الدعاء بالرحمة العامة التي وسعت كل شيء لا تدخل ضمن الدعاء المنهي عنه في نصوص كثيرة .
    والآية السابقة تضع لنا موازين دقيقة وهي:
    1- ميزان الشرك الذي يقوم على عدم مغفرته.
    2- ميزان العدل الذي يقوم على أن الله تعالى يجازي كل إنسان
    (( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )) سورة الزلزلة 7-8
    سادساً: أما عزاء غير المسلمين والمشاركة في الدفن ونحوه فجائز من حيث المبدأ إذا لم تصحبه مخالفات شرعية.
    سابعاً: ضرورة رعاية ميزان المصالح العامة والمقاصد المعتبرة التي تقتضي عدم إثارة ما يجرح المشاعر، ويؤذي وحدة المقدسيين من المسلمين والمسيحيين.
    فمع الأسف الشديد أثار البعض قضية مقتل شهيدة الوطن والكلمة الحق بما يضر ولا ينفع، وبما يمزق الشمل ولا يجمع، وبما يبرد تحمس من معنا وعواطفهم ولا يشجع،ليس هذا من الثوابت، فلننظر إلى القائد الرباني صلاح الدين الأيوبي رفض إطلاق لفظ الصليبيين على الحملات الأوروبية مع أن أصحابها سموا بها فقال :هي حملات ليست لأجل الصليب والمسيح ، وإنما هي لأجل الهيمنة فسماها حملات الفرنجة،وهكذا تبعه المؤرخون القدامى.

    فنحن اليوم معركتنا مع المحتل الغاصب الذي لا يرحم ، وهي معركة شاملة حول قضية عادلة ومتنوعة، وهي القضية الأولى للمسلمين جميعاً وكذلك للفلسطينيين والعرب مسلمين ومسيحيين ،بل هي قضيه تشمل البشر لأنها قضية عادلة ،وتشمل جميع المنظمات الدولية ،لأنها قضية احتلال، ويجب علينا جميعاً حشد جميع هذه الطاقات دون التفريط بأي جزء منها.
    وفهمي لقوله تعالى: (فإذا جاء وعد الآخرة ليسئوا وجوهكم…) سورة الإسراء الآية ٥ أنه يتحدث عن أحد الشروط الأساسية للنصر على هؤلاء المحتلين الصهاينة، وهو ضرورة القيام بمعركة إعلامية كبرى لبيان جرائمهم حتى يسود وجوههم أمام العالم، لتسقط حججهم الباطلة، وتنكشف جرائمهم ،وعندئذ يتساقط جدرانهم الزائف فيقف العالم معنا،وندخل المسجد( كما دخلوه أول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا) صدق الله العظيم.
    هذا والله الموفق

    https://t.me/drwasfy

  9. وجدي يحي شعبان

    بسم الله الرحمن الرحيم
    فتوى حول استعمال لفظ الشهيد ،والدعاء بالرحمة لغير المسلمين

    بقلم أ. د علي القره داغي
    الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

    ثارت أسئلة كثيرة حول إطلاق اسم “الشهادة” أو ” الشهيد ” على من قتل ظلماً لكنه غير مسلم، وبخاصة بعد قتل الإعلامية المتميزة #شيرين_أبوعاقلة.

    الجواب :
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه وبعد ..
    فهذه المسألة ثار فيها جدل كبير بين المسلمين ودعاتهم، فمنهم من تشدد، ومنهم من تساهل، والسبب أنهم لم يحرروا مصطلح الشهادة، أو الشهيد في اللغة ،والقرآن الكريم، والسنة الصحيحة، حيث إن هذا المصطلح له معان كثيرة في اللغة ،والقرآن ،والسنة، وكذلك لم ينظروا بدقة في فقه الميزان لهذا الموضوع:
    ففقه الميزان هنا هو أن ميزان التعامل مع غير المسلمين الذين هم مواطنون ومشاركون معنا في قضيتنا ،بل يحاربون معنا ضد المحتلين هو ميزان البر والقسط بنص القرآن الكريم، وهذا البر لا ينقطع بالموت ،فليس من البر أن نسيئ إلى الميت غير المسلم الذي شارك معنا في حربنا ضد المحتلين، أو نهمله بمجرد الموت ، ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ثم إن الإحسان إلى أهله من المواطنين غير المسلمين المشاركين معنا أن نبر بهم،ومن برهم عزاؤهم، وذكر ميتهم بالخير الدنيوي،وكلامنا وفق الميزان لا يتعلق بكون الشخص من أهل الجنة، اومن أهل النار ،فهذان معروفان حسب ميزانيهما،وإنما نتحدث عن ميزان التعامل في الدنيا.
    هذا من جانب ، ومن جانب مصطلح الشهيد أو الشهادة فإنهما مشتقان من لفظ ” شهد ” بمعنى حضر وأخبر ،يقال : شهد على كذا شهادة: أخبر به، وشهد لفلان على فلان أي أدى ما عنده من الشهادة، وشهد بالله : بمعنى حلف، وأقر بما علم، وشهد رمضان أي حضره، وشاهده أي عاينه، وتشهد أي قرأ التشهد، واستشهد أي طلب منه الشهادة، والشهادة: الإخبار بما علم، والشهيد: من يؤدي الشهادة، وهكذا (1)
    (1) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط ( شهد )
    فبناء على ذلك فإن لفظ ” شهد ” ومشتقاته في أصل اللغة ليس خاصاً بالشهيد المقتول في سبيل الله، بل إن لفظ ” شهيد” نفسه يطلق على الشاهد ، والمقتول في اللغة، وكذلك في القرآن فقال تعالى { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } سورة البقرة : 282
    حينما نبحث عن لفظ “شهيد” ومشتقاته في القرآن الكريم لا تجد فيه حصره على من يقتل في سبيل الله تعالى، بل يطلق أيضا على معانيه اللغوية الخالصة التي ذكرناها آنفاً، وإنما القرآن الكريم يستعمل القتل في سبيل الله، فقال تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ } سورة البقرة : 154
    وقال تعالى : {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } آل عمران : 169
    فلم يستعمل القرآن لفظ يستشهد بمعنى يقتل في سبيل الله، ولا لفظ ” الشهيد” بالمعنى الاصطلاحي اليوم.
    ورود الشهيد بمعناه الشرعي في السنة:
    وإنما ورد إطلاق لفظ “الشهيد” ونحوه فيمن يقتل في سبيل الله، في الأحاديث النبوية الشريفة، ولكنها لم تحصر أيضاً إطلاق الشهيد على هذا المعنى، بل ورد فيها إطلاقه على المعاني اللغوية الأخرى، كما بينت مواصفات الشهيد في سبيل الله، فقد، فقد روى مسلم في صحيحه(1915)عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال : إن شهداء أمتي إذاً لقليل” قالوا : فمن هم يا رسول الله؟ قال : ” من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد……”
    بل إن الإمام السيوطي جمع أنواع الشهادة في كتابه : أبواب السعادة في أسباب الشهادة فبلغت 57 سبباً، ثبت منها 49 حديثاً وسبباً(1)
    وبناء على ما سبق فإن المحققين من العلماء – مثل الإمام النووي- قسموا الشهداء إلى ثلاثة أقسام : شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وهو يقاتل في سبيل الله تعالى فقط ،وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون في الأحاديث السابقة – وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من غل (أي سرق) أو قتل فارا ومدبرا.
    فإطلاق العلماء لفظ الشهيد على من غل وسرق وأدبر دليل على جواز إطلاقه على شهداء الدنيا مثل شهيد الوطن ،وشهيد القضية، أو الكلمة.
    (1) كتاب أبواب السعادة في أسباب الشهادة للسيوطي، تحقيق نجم عبد الرحمن خلف، ط 1401 .
    وبناء
    فلفظ الشهيد في السنة النبوية الشريفة يشمل، من يقتل في سبيل الله في ساحات الدفاع عن دين الله، وعن وطنه، وعن عرضه وماله ونفسه، كما ورد ذلك أيضاً في الحديث الصحيح .

  10. وجدي يحي شعبان

    الفتوى :
    وبناء على ما سبق ذكره، وغيره فالذي يظهر لي هو ما يأتي :
    أولاً : أن لفظ ( الشهيد ) أو ( الشهادة ) لفظ استعمل في اللغة والقرآن الكريم والسنة المشرفة في معان كثيرة يجمعها : ( الإخبار والحضور وإدلاء الشهادة ) ولم يستعمل بمعنى (القتل ) في القرآن الكريم، وإنما استعمل في السنة بمعنى واسع يشمل المقتول في سبيل الله، أو في الدفاع عن نفسه وعرضه، والميت ببعض الأمراض والأوبئة – كما سبق – ويشمل غيره .
    ثانياً : أن الفقهاء المحققين – كما سبق – قسموا الشهداء إلى ثلاثة أنواع منهم شهداء الدنيا.
    ثالثاً : أن لفظ الشهيد أو الشهادة ليس مصطلحاً عقدياً، وإنما هو مصطلح لغوي، يجوز استعماله حسب استعمالاته اللغوية والعرف ، بل نحن جميعاً نقرأ في القرآن الكريم استعمال لفظ ( شهيد ) في سورة البقرة بمعنى الشاهد على الحق ، ونقرأ أن الله شهيد وأنه سبحانه وتعالى يأتي بشهيد – أي شاهد – من كل أمة .
    وحتى السنة المشرفة لم تخصص (( الشهيد )) بمن يقتل في سبيل الله فقط، وإنما ذكر هذا المعنى مع بقية المعاني .
    رابعاً : وبناءً على ذلك فإن استعمال لفظ ( الشهيد ) أو ( الشهادة ) – في اعرافنا- لمن قتل في سبيل وطنه او الحق أو الكلمة من غير المسلمين ، أو لمن يقتل من المسلمين في غير سبيل الله صحيح وجائز ما دام أريد به أنه شهيد في الدنيا، ولم يرد به أنه شهيد في سبيل الله، أو أنه من أهل الجنة، أو أنه قتل في سبيل الله، لأن ذلك من الغيب الذي لا يعلم به إلا الله تعالى ،ومن أخبره الله تعالى من الرسل والأنبياء، فقد كان أحد الصحابة يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرب واضحة الراية والهدف، ومع ذلك شهد الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه في النار، فقد روى مسلم في صحيحه (114) والترمذي (1574) وابن حبان في صحيحه (4857) وأحمد (11011)، بسندهم عن عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : (( فلان شهيد )) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كلا إني رأيته في النار في بردة غلَّها، أو عباءة ))
    لذلك عندما يقتل شخص دفاعاً عن وطنه أو كرامته أو نفسه فهو شهيد لهذا الغرض، فلو أطلق عليه شخص لفظ ( الشهيد ) بهذا الاعتبار لما خالف العقيدة ولا الكتاب ولا السنة ، لأن الظاهر لا يقصد به أنه شهيد يدخل الجنة ، أو في سبيل الله ، لأن ذلك من علم الغيب ، وعندئذ يجب أن يحمل كلام المؤمن على المحمل الصحيح المناسب مع عقيدته وواقعه، هذا هو منهج السلف الصالح، في حمل ما يصدر عن المسلم على المحمل الصحيح الحسن، حتى فيمن يظهر منه الكفر ،فما ظنكم بالعالم، أو عامة المسلمين.
    أما إطلاق هذا اللفظ (الشهيد ) على غير المسلم فليس فيه أية دلالة على أنه يراد به ( في سبيل الله وأنه يدخل الجنة ) فالكلمة – كما قلنا سابقاً – ليست كلمة عقدية، ولا مصطلحاً خاصاً له هذا المعنى فقط، بل هي شاملة – كما سبق – لذلك فلا مانع – حسب الأدلة الشرعية من إطلاق لفظ (الشهيد) على من قتل في سبيل قضيته العادلة ( كالقدس ) أو وطنه بحق، وعندئذ يراد به شهيد الوطن، أو شهيد القضية ،أو شهيد الدفاع عن العرض والشرف ونحوهما، ولا يراد منه أنه شهيد يدخل الجنة، أو أنه في سبيل الله لأن ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى .
    ولكن الأفضل في هذه الحالة أن يقال ((شهيد الوطن )) و((شهيد القضية )) أو نحو ذلك .
    وبإيجاز شديد فإن إطلاق لفظ (الشهيد ) أو ( الشهادة ) في حالة كون السبب مشروعاً على غير المسلمين جائز وصحيح، لأن الظاهر أنه يراد به شهيد الوطن أو القضية، أو شهيد الدفاع عن النفس، ولا يراد به أنه شهيد يدخل الجنة وفي سبيل الله ، لأن علم ذلك عند الله.
    ولذلك لا يجوز أن يقال لغير من يقاتل في سبيل الله أنه شهيد في سبيل الله، وأنه من شهداء الجنة، لذلك فالأفضل تقييد اللفظ بما يضاف إليه – كما سبق –
    خامساً: أن استعمال لفظ الرحمة لغير المسلمين يحتاج فيه أيضا إلي النظر في معنى الرحمة، أي تحرير اللفظ، وعندئذ يأتي الحكم.
    فالرحمة في اللغة هي العطف والخير والنعمة، فهي تشمل الرحمة في الدنيا والآخرة .
    وفي القرآن نجد أن الرحمة ومشتقاتها وردت فيها مئات المرات، وأن هذه الرحمة شاملة في الدنيا للمسلم والكافر، وبخاصة من مات مؤمناً، وأنها شاملة لغير المؤمنين في بعض الأمور، فمثلاً إن دعاء سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالشفاعة العظمى يوم القيامة، واستجابة الله له يشملان جميع الناس في المحشر، وهذا محل اتفاق بين العلماء وأن هذا بلا شك جزء من الرحمة الإلهية .
    13
    كما أن جماعة من الفقهاء منهم الإمام الحافظ الفقيه البيهقي يرون أن الأعمال الخيرة للكافر تنفعه في تخفيف عذابه، وليس في مغفرته، ويدل على ذلك دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لتخفيف العذاب عن أبي طالب، حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( هو – أي أبو طالب – في ضخضاخ من النار ،ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار )) رواه البخاري رقم (3883 ) مسلم

  11. محمد المبروك

    بارك الله فيك وجزاك خيرا فأنت على ثغر من ثغور الإسلام أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبتك ويثيبك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *