الرئيسية / مقالات / الشأن الإيراني / قطر تدعو لتدويل الحرمين…تهمة مكانها عقول الخصوم

قطر تدعو لتدويل الحرمين…تهمة مكانها عقول الخصوم

لا يزال الناس منذ بداية الحياة البشرية مختلفين، ولكن بين خصومة وأخرى تأتَلِق المبادئ أو تُصبح في مهبِّ الريح.

ما أقساها تلك الخصومة التي تجعل من عِرض الخصم وسمعته حمًى مباحًا، فيُحاسب على ما قال وما لم يقُل، على ما فعل وما لم يفعل، تُلصَق به التهمة ثم لا يُنصت إلى ردِّه ونفْيِه، فتطيرُ في الآفاق وتُبنى عليها مزيد من الفِرَى، ويُحَمَّلُ كلامُه ما لا يحتمِل، فيبدو أنه لم يعد لعصرنا نصيب من خصومة الفرسان.

إعلام دول الحصار يعزِف حاليا لحْن غارات القبيلة، يُدندن حول الحل العسكري لتأديب قطر، والسبب: “دعوة قطرية لتدويل الحرمين”، بحثت عنها في أحاديث رجالات قطر أو حتى إعلامها، فعبثًا وجدتُ ما يمكن الرُّكون إليه في إثبات التهمة، وكالعادة، قطر تنفي، ودول الحصار لا تقبل النفي.

فبعد أن نفى مسؤولون قطريون أبرزهم وزير الخارجية، علاقة دولتهم بالترويج لتدويل الحرمين، أصرَّ إعلام دول الحصار على إثبات التهمة بالقول بأن السلوك القطري غير الرسمي اتسم بعدوانية شديدة تجاه السعودية، وعلّق المستشار في الديوان الملكي السعودي “سعود القحطاني” قائلا: أنتم أذل من ذلك، ودون الحرمين الشريفين السيوف”، في إصرار عجيب على تحميل قطر مسؤولية الدعوة إلى تدويل الحرمين.

لقد تمّ خلط الأوراق بصورة تعسُّفِية، فقطر تُنادي بعدم تسييس الحج وإقْحامه في الخلافات والنزاعات السياسية، وما فعله الإعلام القطري أنه نقل أخبارا عن التقرير الأول للهيئة الدولية لمراقبة إدارة السعودية للحرمين الشريفين، والذي رصد ما اعتبره انتهاكات من السلطات السعودية بحق زوار الأماكن المقدسة، وتحدث عن ابتزاز سياسي على حساب حِصَص الحج، واستخدام المنابر لأغراض سياسية، واعتقال معتمرين بطريق غير قانونية.

وبصرف النظر عن طبيعة وصلاحيات هذه الهيئة ومضمون تقريرها، إلا أنه قد تم خلط الأوراق بالفعل، واعْتُبِر ذلك من قِبَل دول الحصار دعوة قطرية لتدويل الحرمين.

الدعوة إلى تدويل الحرمين كما وصفْتُه سابقا: دعوة كارثية مرفوضة جملة وتفصيلا، ولطالما هاجمتُ هذه الدعوة التي أطلقَتْها وتبنَّتْها إيران، وجدَّدَتْها بعد حادث تدافع مِنى، وطالَبَتْ صراحةً بتدويل الحرمين وإخراجهما من الوصاية السعودية.

فمنذ عهد الخميني ومساندة السعودية العراق في مواجهة إيران، انطلقت هذه الدعوة، وعندما وضع محمد جواد لاريجاني نظريته المعروفة بـ “أم القرى”، تحدّث فيها عن ضرورة تدويل الحرمين وإدارتهما عن طريق لجان دولية يكون لإيران فيها النصيب الأكبر.

وأعْقَبَتْ هذه الدعوة تأكيداتٌ من قِبَل الساسة والمرجعيات الدينية الإيرانية، منهم رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، ومحمود الهاشمي الشاهرودي نائب رئيس مجلس خبراء القيادة، وكذلك آية الله إمامي كاشاني، ومحمد إسماعيل سعيدي عضو اللجنة الاجتماعية في مجلس الشورى الإسلامي.

فكيف تُلحق قطر بإيران التي تنادي صراحةً بتدويل الحرمين؟ إن غاية ما يمكن أن يرمِي إليه العقلاء هو مراقبة إدارة السعودية للحرمين، ومنع تسييس الحج أو التعامل معه باعتباره ورقة ضغط على خصوم المملكة، وهذا ما تقوم به قطر، والتي شدد وزير خارجيتها على ضرورة تجنيب فريضة الحج الخلافات السياسية بين الدول، وعدم عرقلة أدائها عن طريق وضع شروط تمسُّ سيادة الدول أو تمسُّ حقوق مواطنيها.

إنه لمن المؤسف أن تُبادر دول الحصار بآلاتها الإعلامية دون روِيَّة، بإطلاق التهديدات العسكرية، والتصعيد غير المبرر بشكل يثير الريبة، مع أنه إلى الآن ليست هناك دعوات قطرية صريحة لتدويل الحرمين، وأن الأمر لا يعدو أن يكون تفسيرات عدائية على خلفية الأزمة.

لا أنكر أن الإعلام القطري يُهاجم دول الحصار، لكن من الخطأ الجسيم النظر إليه بِمعزلٍ عن طوفان الهجوم على قطر من قِبل تلك الدول، فلكل فعل ردّ فعل، وكما يقال: البادئ أظلم، وليس من المعقول أن تتحمل قطر هذه العزلة وذلك الحصار، وهذا الهجوم الضاري المستمر، وهي تقف مكتوفة اليدين.

وإني لأعلم مسبقا أنني بعد هذه المقالة سوف أُتّهم بدوري بالدعوة إلى تدويل الحرمين لتسويغي الرقابة على إدارة السعودية للمقدسات، رغم أنني لا زلت على قناعتي بأن تدويل الحرمين دعوة كارثية، ولا زلت كذلك على قناعة راسخة بمضمون الفيلم الذي أنتجته عن تلك الدعوة، وأكدت فيه على أن إدارة الحرمين تخضع لمن تقع تلك البقاع تحت سيطرته، وباستقراء التاريخ أوردت ما يعضد ذلك.

فكانت الوصاية على البيت الحرام لقبيلة جرهم أصهار إسماعيل عليه السلام، إلى أن أجْلتْهُم “خُزاعة” التي ولِيَتْ أمور البيت ثلاثمائة سنة، حتى جاء “قُصي بن كلاب” وأخرجهم منها لتصبح الوصاية لقريش، وبعدما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، آلت سدانة الكعبة إلى آل الشيبي الذين ينتسبون إلى شيبة بن عثمان بن طلحة.

ثم تتابع الملوك والسلاطين على إدارة الحرمين، ولُقِّب غير واحد منهم بخادم الحرمين في عهد الأيوبيين والمماليك، ثم صارت الوصاية على الحرمين للدولة العثمانية حتى تأسيس السعودية، والتي لم ينازعها أحد في تلك الوصاية، فمن ثم كانت ولاية حكام تلك البقاع شؤون الحرمين هو أمرٌ راسِخٌ في الأعراف البشرية.

وخلال هذا العمل المرئي ربطت بين تلك الدعوة وبين المشروع الإيراني الفارسي الذي يرمي إلى ابتلاع المنطقة بأسرها، كل ذلك لا زلت على القول به، وأرى في هذه الدعوة مزيدا من تفتيت الأمة وإدخالها في تيه جديد، لكنه غير مقبول أن تصير هذه القضية فزاعة للنيل من الخصوم كلما أبدوا اعتراضا، على غرار فزّاعة الطائفية التي طالما لاحقتْنا بها إيران.

قطر ليست في وضعٍ هيِّن يسمح لها بإطلاق دعوة تدويل الحرمين حتى لو أرادت، لأنها تُدرك أن هذه الدعوة سوف تُفقدها تعاطُف كثير من الدول والشعوب الإسلامية، لكن المسألة قد تمّ استغلالها من قبل دول الحصار لشيطنة قطر ووضعها في نفس الخندق الإيراني، لذا أقول إن دعوة قطر لتدويل الحرمين لا وجود له إلا في عقول خصومها، ونأمل ألا تكون تصريحات الإعلاميين التابعين لدول الحصار تهيِئة وتقدِمة لتحركُّات عسكرية تُؤجِّج الصراعات في المنطقة، وتُدخلها في نفق مظلم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ردًا على ادعاءات ماكرون: حقيقة “الاحتلال” العثماني المزعوم للجزائر

– الأخوان بربروس (عروج وخير الدين) كانا يمثلان الوجود العثماني في الجزائر بشكل غير مباشر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *