الرئيسية / مقالات / لا تستوحش الطريق ولو قل فيه السالكون..

لا تستوحش الطريق ولو قل فيه السالكون..

أراك قد تعبت وآثرت القعود، تستوحش دربك بعدما تغيّرت الوجوه، وتفرّق عنك الأهل والصّحب، جالسًا في عتمة آلام تخنق فيك العَبْرة والعبارة، فلم تعد تعلم أين السبيل إلى الوصول؟!

تغيّرت مصطلحات القوم، وتبدّلت ثياب البلاد وطبائع أهلها، فأنت ما زلت هناك ولم ترحل، نفس البيوت والجدران، وذات الوجوه، و أصحابها.. فماذا حصل؟

تلك نفثات مصدور يعمل في سلك الدّعوة إلى اﷲ عندما كانت الأرض خضراء خصبة بحلقات الذكر والعلم وتلاوة القرآن، فصارت صحراء مقفرة بعد اعتقال علمائها وخيرة أبنائها، ذاك حال من ثبت منهم واشترى رضا اﷲ والدار الآخرة؛ وغيرهم نكص على عقبيه، وآثر الركون إلى أهل الباطل، فبدّل في الرأي وتلون في الفتوى، ليحدّث القوم بغير ما سطّر أهل العلم القيوم من السلف الصالح.. فخسر الدُّنيا وباع الآخرة..

ويا لها من زفرات حزنٍ من قلوب أهل الحق لما آلت إليه الأمور، فاستغاثوا بمولاهم العدل باكية مُقلهم، منكسرة قلوبهم، منفطرة أفئدتهم، يشكون حسرة الروح وأوجاع الضمير.. يسألون مولاهم فرجا جميلا..

هنا أعيذك أخيّاه من شرّ نفسك وشرّ الشيطان أن يسلب منكَ روح الثقة ويجعلك تركن للعجز، فتنتقل من الإيمان إلى الفتنة والتّيه، فقم الآن واستقم كما أمرك اﷲ، ولا تتبع أهواءهم، فما اليوم زمان القاعدين، واسمع قولي هذا، ففيه إجابة السؤال إليك، وبوصلة الطريق..

انفض غبار اليأس عن كاهليك، فما نُصرت أمة بكثرة، ولا علا باطل على حق أبدا، ولو بدا لك من علوّ.. فقم واستقم كما أمرت..

كن مع الحق ولو كنت وحيدا في وقوفك أمام جحافل الباطل وشياطين الإنس والجان، فأنت قوي بإيمانك، والأعلى بإسلامك وقرآنك وصحيح عقيدتك، فإنما الحق يعلو على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.. وتذكر قول ابن مسعود رضي ﷲ عنه: «الجماعة ما وافق الحق؛ ولو كنت وحدك»

قم واستقم كما أمرت، ولا تيأس، وتسلّح بالصحيح من الخبر، وبمنهج الإنصاف مع خصمك، ولا تتبع هواك فتشقى، ونقل القول بلا دليل ولا أصل يعود عليه، فلا ينتصر حق بكذب أو بغدر.. ولا يعلو بزيف مضلل أو أحلام واهم.

قم واستقم كما أمرت، ولا تسقط في فِخاخ الجدال المذموم مع مسوخ القوم وسَقْط المتاع، فتنجرف مفرداتك الأنيقة خلف بذاءة أقوالهم وسفاهة أفعالهم، فإنما لسان المؤمن دليل إيمانه، وانعكاس بيئته وتربيته، فخاطب القوم باللين لعله يتذكر أو يخشى، وبأخلاق النبوّة وحَسِن القول، فإنما بعث فينا محمد ﷺ متمّما للأخلاق.. فكم من حُجّة صادقة ضاعت بغضْبة طائشة.. أو كلمة تائهة يتكلمها أحدكم لا يلقي لها بالًا فتَفتِن بها أمة، وتهوي بك في النار سبعين خريفا.

قم واستقم كما أمرت، ولا تتبع سُبُل الشيطان فتردى، ولا تستوحش الطريق ولو قل السالكون فيه وابتعد النصير عنك.. وإن اشتدّت بك عتمة الليل أَنِرْهُ بنور يقينك بأن اﷲ لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن اﷲ موهن كيد الكافرين، ولا تغرّنّك سُبُل الباطل وزخرفها فهي فتنة المؤمن فاحذر! ؛ وتذكّر قول الفُضيل بن عياض رحمه اﷲ: «عليك بطريق الهدى وإن قل السالكون، واجتنب طريق الردى وإن كثر الهالكون»

قم فاستقم كما أمرت، ولا تفقد البوصلة في صحراء الفتن، فتتيه دروبك، وتضل الطريق، وتزوّد في رحلتك مع الحق بآثار السّلف الصالح الذين ثبتوا مع رسول ﷲ ﷺ، إذ أخرجه قومه وآذاه أبناء العم والقبيلة وقد كان فيهم صادقا وأمينا.. وتزوّدوا بالتقوى فهو خير الزاد، وإلى المعاد، وعليه التكلان، وإياك أن تُخدع بزخرف القول غرورا، فليس كل ما يلمع ذهبا.. وليس كل فصيح لسانٍ عليم، فإنما أخوف ما خافه النبي ﷺ على أمّته من بعده كل منافق عليم اللسان، فانتبه! ؛ ولك في قول الإمام الأوزاعي رحمه ﷲ عُدّة ومآل فقال: «عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنتَ على طريق مستقيم».

قم واستقم كما أمرت، فلا تخدعنّك العناوين البرّاقة، وإن تشابهت عليك الأمور، وكلٌّ يدّعي وصلا بالحق كما ادّعى من قبلُ غيْرَه وصلا بليلى، فابحث عن أصدقها قُربا من قول الحق سبحانه وصحيح ما نقل عن نبيّه ﷺ، فلا قرابة للدم هي الدليل، ولا تربة أرض هي المسار، ولا يغرنّك معسول القول من أحدهم ولو تغرغرت روحه في التباكي، و اختنقت أنفاسه بالخشوع، ولا بفصيح العبارة فإنما يتّبع الشعراء الغاوون، ولعل بعضكم ألْحَنُ بحجّته من الآخر، فيبدّل الباطل فيجعله حقًّا.. فتقع في كل واد هامت به نفوسهم فتشقى، وإن أردت الاستدلال إلى السبيل فعليك بقول السعدي رحمه ﷲ : «الواجب أن يستدل على الحق والباطل، بالطرق الموصلة إليه..».
ولك بوصية علي بن أبي طالب رضي ﷲ عنه لكُميل النخعي العبرة والعظة حين قال: « الناس ثلاثةٌ: فعالمٌ ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، مع كلِّ ريحٍ يميلون، لم يَسْتَضيئوا بنور العلم، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ… يا كُمَيْلُ، محبةُ العالمِ دينٌ يُدانُ بها، العلم يُكسِبُ العالمَ الطاعةَ لربِّه في حياتِه، وجميلَ الأُحدوثةِ بعدَ وفاتِه، وصَنيعةُ المالِ تزولُ بزوالِه، والعلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليه.. يا كُمَيْلُ، ماتَ خزَّانُ الأموالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بَقِيَ الدَّهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودة»
.

قم واستقم كما أمرت، ولا تخف من كثرة الخصوم، وشدة العَزْمة فيهم، وبأس الهجمة لسواعدهم وأدواتهم، فليس الحق بالجمهرة من الناس، وكثرة السائرين تحت لوائه، ولا بقسوة العتاد وكثرته، فلن تُغٰني عنكم غلبة الفئة فيكُم ولو كثرت، ولم تُنصر الأمة يوما بالعدد، وأن اﷲ مع المؤمنين فتأمّل! ؛ وأوصيك بوصية الفاروق عمر بن الخطاب: « أنْ تخشى اللهَ في الناس، ولا تَخشى النَّاسَ في اﷲ»، فلا تَسْتَعْدِ من لم يقف معك، و اِلْتَمِس لإخوتك العذر فالإيمان يزيد وينقص.

قم واستقم كما أمرت، ولا ترْكن للراحة فإن الراغب بالجنة يعلم أنّها السّلعة الغالية، ولا تُشترى إلا بثمين الأوقات والأعمار، {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}، فاليوم ميدان السباق الحقيقي هو ميدان خدمة دين ﷲ ونصرة قضايا الأمة العادلة، وعمل الخيرات، وجَبْرِ العَثَرَات لمن تكسّرت بهم قواربُ الأيّام في بحر الدُّنيا.. لا ميدان التكسّب خلف نعيم زائل.. والتكسّب باسم الإسلام وأهله، أو مماراة أهل الباطل على حساب الحق، وتزيين الضلال في عيون أبناء الأمة، ولكَ فيما رُوِي عن الحسن البصري عبرة وعظة فاعتبر: «مَن نافسَك في دينك، فنافِسه، ومَن نافسَك في الدنيا فألْقِها في نَحره»، فاجعل اﷲ وحده همّك فمن جعله كذلك كفاه همومه وقَرَّبه إليه، قال ابن القيم رحمه ﷲ: «إذا أصبح العبد وأمسى وليس همّه إلا اﷲ وحده تحمل ﷲ سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمّه، وفرّغ قلبَه لمحبّته، ولسانه لذكره، وجوارِحه لطاعته.. وإن أصبح وأمسى والدنيا همّه حمله ﷲ هُمُومَها وغُمُومَها وأنكادِها، و وكَله إلى نفسِه، فَشَغَل قلبَه عن محبّته بمحبة الخلْق، ولسانَه عن ذِكره بذِكرِهم، وجوارحَه عن طاعته بخدمتِهم وأشغالهم؛ فهو يكْدح كدح الوحش في خدمة غيره؛ ويعصر أضلاعه في نفع غيره».

قُم واستقم كما أُمرت، ولا تكن أسير التعصّب المذموم والعناوين البرّاقة، إنما الوصول إلى اﷲ باتباع ما أمر واجتناب ما نهى عنه، لا بقول شيخ تتبدل أقواله، ولا براية حزب تتبدل تحالفاته وغاياته مع تبدّل الأزمان وتغير قادته، ولا بمكاسب دنيوية تنتهي آثارها بعد وقتها.. وكن مع الحق وحسب! ؛ وقد قال الإمام نعيم بن حماد رحمه اﷲ: «إن الجماعة ما وافق طاعة اﷲ عز وجل، وإذا فَسُدَت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تَفْسُد، وإن كنت وحدَك فإنك أنتَ الجماعة»، واجعل مقامك الخوف من اﷲ وحده، ونهي النفس عن اتباع الهوى، ولا تزل منك قدم بعد ثُبُوتِها، فقد قال عبد اﷲ بن مسعود رضي اﷲ عنه: « أنتم في زمانٍ يقودُ الحقّ الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق.. فنعوذ بالله من ذلك الزمان»، فنسأل ﷲ لنا ولكم العافية.

قُم واستقم كما أُمرت، ولا تَتّبع شعار الوطنية الجوفاء أو القومية البلْهاء التي تزيد الأمة فُرقة وشتاتا، وارفع راية الأمة الواحدة لتصبح رُكنا في ذاتك وأفكارك، فترى الكون من مِنْظار دائرة الإسلامِ وأهله، الذي انضوى وجمع تحت لوائه الشرق والغرب، والعرب والعجم، والأبيض والأسود والأحمر، فأصبحنا بفيض رحمته ونعمته سبحانه إخوانا.

واعلم أن الوطن ليس ترابًا رسمه قلم مستعمر، فصنع له حدودا جغرافية، وخرقة قماش صُبِغت بألوان الفُرقة والأسى، فتقدّسها فوق اعتبار أخوة الدين وأحكامه، بل الوطن الحق.. هو تِلْكُم الخارطة الأنيقة من المبادئ والقيم، تُسكِن فيه أمثاله وأشباهه، فكان بالأمثال أجمل، فلا القومية ولا القبلية ولا الحزبية صنعت لنا مجدًا كما صنعه الإسلام.. لو كنتم تعلمون!
وخاتمة القول، أنْ يا أيها المتعب في هذا الدرب، إن بقيتَ في أحزانك ما سقى أحدٌ شجرة الإيمان في قلوب الخلق فتجفّ عَبَرات الشوق فيهم إلى اﷲ، فقم لما استخلفك اﷲ عليه في أرضِه، وعليك بميراث النبوة الخالد، فلم يورّث من بعده ﷺ دينارا ولا درهما، بل دينا قِيَمًا فكن للمتقين إماما، وخُذْها وصية أهل السّلف ما نقله ابن القيم رحمه ﷲ: «عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين، وكلما استوحشت في تفرّدك فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغُض الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يُغْنُوا عنك من اﷲ شيئا، وإذا صاحوا بك في طريق سيْرك فلا تلتفت إليهم، فإنك متى التفتّ إليهم أخذوك وعاقوك »، ألا هل بلّغت اللّهم فاشهد، واﷲ غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ماذا يبقى بعد الطعن في القرآن؟!

عاد أبو جهل وأبو لهب، عادت حمالة الحطب، عادت اللات والعزى، عاد من يقول لكلام …

12 تعليق واحد

  1. الطرق شتى وطريق الحق مفردة
    والسالكون طريق الحق أفراد

  2. جزاكم الله خيرا واج ي الحق في قلمكم

  3. سلمت يمناك.. كتبتي فابدعتي

    • ابراهيم قاضي

      جزاك الله علما وفهما وثباتا اضعاف ما انتي عليه اليوم .
      لا نملك مجازاتك الا بالاستفاده من اشاراتك الربانيه
      والدعاء لك . ولنا بك لقاء في مستقر رحمته .

      ارفع لكي كل الاحترام والتقدير
      المفكره الاسلاميه والانسانيه
      احسااااااااان الفقيه .

  4. جزاك الله علما وفهما وثباتا اضعاف ما انتي عليه .
    لا نملك الا الاستفاده من اشاراتك الربانيه
    والدعاء لك ولنا بك لقاء في مستقر رحمته .

    ارفع لكي كل الاحترام والتقدير
    المفكره الاسلاميه والانسانيه
    احسااااااااان الفقيه .

  5. ماشاء الله وتبارك الله … ما مجال تتحدثين عنه إلا وتبدعين، جعلتيني أغوص في أعماق الروحانيات وزدتي في نفسي إيمانا بالله لا ينبغي أن يصرف لغيره. مقالتك فيها من الإبداع الذي يجعل القاريء يستمتع مع كل نقلة من فقرة إلى فقرة لسلاسة الترابط بينهم و للتنوع في مضمون كل واحدة.
    الصدق أقول أن ما يجلبني أيقى معك مقالاتك الابداعية التي تتنوع حسب الموضوع والحدث، في هذه المقالة أشعرتيني بهدوء بالك واطمئنانك خلاف المقالات المقتضبة مع رسانة في الطرح وخلاف مقالة الحزن واليأس والبؤس.
    كل يوم أتعلم منك اسلوب جديد مع إثرائي بمفردات جديدة تزيد معجم قاموسي المتواضع مقارنة بمالديك.
    لله درك من كاتبة مدادها أغلى من الذهب وقلمها أعجز الكتاب.

  6. ليتك تحذفين هذا التعليق. كتبته هنا بالخطأ وعذرا على ذلك.

  7. محمود المصري

    لا تستوحش الطريق…..
    واللهِ من أجمل ما قرأت

    بارك الله فيكم

  8. مقال جميل دام قلم سيفا مسلطا علي اعداء الإسلام

  9. ماشاء الله تبارك الله – بارك الله فى قلمكِ

  10. ماشاء الله عليك بارك الله فيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *