الرئيسية / مقالات / ترامب وقع في الحب…وقومنا يستعطفونه بقصائد الغزل

ترامب وقع في الحب…وقومنا يستعطفونه بقصائد الغزل

لما جمع الأحزاب جُموعهم لاستئصال شأفة المسلمين، أشفق النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ورأى أن يُخذّل قبيلة غطفان للانسحاب من المعركة وتخفيف الضغط على المؤمنين، فأراد أن يصالحهم على ثلث ثمار المدينة مقابل رجوعهم، فقال أصحابه وهم في ذروة المعاناة: “يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرىً أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوّب النبي رأي أصحابه قائلًا: (إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة).

أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ………إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامِعُ

طاب الأجداد ومسعاهم، لله درّهم من أُباة تأبى أنَفَتُهُم وشموخهم واستعلائهم بالإيمان أن يقبلوا الدّنيّة في دينهم ودنياهم، ورفضوا أن يقفوا في مرمى الابتزاز أو ينال منهم الأعداء تمرة أسقطتها الريح في أصل النخيل، فقد أيقنوا أنهم الأعلون إذ كانوا من المؤمنين.

ما لقومنا تصاغروا وتقزّموا وطأطأوا الرؤوس أمام كل حقير، وما لهم يتألّفون أصحاب العداوات المفضوحة بنفطهم، وما لهم يستغيثون بالبيت الأبيض ويترنحون على أعتابه حاملين المليارات وكأنهم آووا إلى ركن شديد، ألا إنهم قد استعاذوا بأعدائهم فزادوهم رهقا.

بالأمس القريب وطأ ترامب – قطع الله رجله – أرض السعودية فخرج منها بأموالٍ قارونية تنوء بالعصبة أولي القوة، وهو يُسمِع سادة القوم سيمفونية الحماية الأمريكية للخليج ضد الأطماع الإيرانية، ورافقته ذات الدلال إيفانكا التي سحرت أعين القوم فأتوها بالملايين صاغرين.

انتظرنا طويلًا وطال انتظارنا، فما أغنى عنهم ترامب شيئًا من الأخطار الإيرانية، ولا زال صبيان العمائم يعبثون في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، ولا زالت جيوب طهران في البلدان العربية تمارس ترجمة ولاءها للولي الفقيه على حساب الوطن والدم، لكن قومنا غارقون في النوم أو يتصنعون، وجعلوا أصابعهم في آذانهم واستشغشوا ثيابهم إذا صاح بهم المنادي (المتغطي بالأمريكان عريان).

قبح الله وجوها ولاها الله أمر المسلمين ثم آثرت الانبطاح والاستخذاء، واستعذبت كأس المذلة، وأدارت ظهرها لما ترنمت به الأجيال من منطق عنترة:

لا تسقيني ماءَ الحياة  بذلّةٍ………..بل فاسقني بالعزَّ كأس الحنظلِ

وبعد أن دفعوا الجزية للأشقر عن يدٍ وهم صاغرون، لم يُنعم عليهم الرجل بستر عوراتهم وتغطية استخذائهم، فأخذ في ابتزازهم على ملأ.

“ملك السعودية يمتلك تريليونات من الدولارات… من دون الولايات المتحدة الأمريكية الله وحده يعلم ماذا سيحدث المملكة”.

العبارة ليست لإحسان الفقيه بل هي لترامب أمام تجمع انتخابي في ولاية فرجينيا، ابتزاز علني للمملكة، يقول لحكامها أنتم لا شيء بدون حمايتنا، وفي المقابل عليكم أن تدفعوا إلينا بهذه الثروات.

ويؤكد ترامب في خطابه مرة تلو الأخرى لغة الإذلال والاستخفاف، فيخاطب العاهل السعودي قائلًا:”ربما لن تكون قادرا على الاحتفاظ بطائراتك، لأن السعودية ستتعرض للهجوم، لكن معنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه”.

هذا الحد الرهيب من الهوان قد وصل إليه القوم بعدما قلبوا الموازين ونكّسوا المعايير، فوالوا الأعداء وعادوا الأصدقاء، استقووا بالخصوم بدلًا من التلاحم مع الأشقاء والاستقواء ببني الدين والدم والأرض.

فلو رأيت الجبير وهو ينحت صخر التعسف ويستلم ضرع التكلف ليستجلب ما يدين قطر، ولو رأيت إمام الحرم وهو يثني على أمريكا باعتبارها قائدًا للسلام العالمي، لأدركت أنه لم يعد للعزة معنى ولا قيمة، فقد اختفت مِن قاموس مَن ضل سعيهم وحسبوا أنهم يحسنون صنعا.

أو ما علمتم أن ترامب وقع في الحب؟ لقد صرح بالفعل بأنه قد وقع في الحب، فبعد تبادل الخطابات تسلل الحب إلى قلبه وانقلبت العداوة إلى محبة.

قصة الحب الرائعة هذه وقعت بين ترامب والفتى البدين زعيم كوريا الشمالية كيم جونج، فيقول الرجل أمام حشد من أنصاره: “كنت قاسيًا بالفعل، وكذلك كان هو، ثم وقعنا في الحب، بعث لي بخطابات جميلة، إنها خطابات رائعة”.

فأين نصيب قومنا من هذا الغرام؟ أليس كيم جونج هو الذي دأب على النيل من ترامب وبلاده والتهديد بضرب واشنطن؟ ما هذا الاحترام؟

إنه احترام اللغة، لغة القوة، التي لا يعرف المجتمع الدولي سواها، فمن كشر عن أنيابه واحمرت حدقتاه وانتفخت أوداجه فهدّد وتوعّد فهذا الذي تحترمه أمريكا والعالم بأسره، وأما من يُؤثر الانبطاح وطأطأة الرأس فمكانه على الأبواب يتسول الحماية وينشد الرضا، وفي المقابل يبدد ثروات البلاد ويمنحها لعدوه الحقيقي. متى يفيق القوم؟ ومتى يميزون العدو من الصديق، ومتى يعلمون أن الأمن لا سبيل إليه إلا بالقوة، والقوة لا سبيل إليها إلا بالوحدة، والوحدة لا سبيل إليها إلا بالعدل والإنصاف، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *