الرئيسية / مقالات / أدب / العشق في حياة الأدباء… الرافعي مثالًا

العشق في حياة الأدباء… الرافعي مثالًا

ومع أفراح العيد، تاقت نفسي إلى الانخلاع من أجواء الحروب والأزمات، والانسلال من أروقة السياسة، إلى حيِّز أعماق النفس البشرية وتركيبتها العجيبة، فالتقطتُ منها طرف الحب والعشق لدى الأدباء والشعراء.
ذلك لأن العشق في حياة هؤلاء، ليس كما هو في حياة غيرهم، فمن خلال استقراء أحوال الأدباء والشعراء مع العشق والهوى، يرى المرء أن هؤلاء كأنهم أحبوا على أرض غير الأرض، وتحت سماء غير السماء، مختلفون هم في بواعث الحب، وفي التفاعل مع هذه العاطفة، وفي التعبير عنها، مختلفون في السياق ذاته، مختلفون في طموحاتهم تجاه هذه المشاعر.

تشعر لدى قراءتك عن هذا الجانب في حياة الأدباء والشعراء، أن العشق حالة وجدانية لا تنفك عن القلم، ولازم من لوازمه، وضرورة رافدة له بالمداد، كأن هناك ارتباطا وظيفيا بين الكتابة والعشق.

ألفيت العشاق من الأدباء والشعراء، لا يرغبون في نهاية للحب الذي يعانون منه حد النزف، النهاية بشقيها وصورتيها، فكأنهم لا يريدون فراقا، وكأنهم في الوقت نفسه لا يعملون على تتويجها بالشكل الرسمي المتمثل في الزواج حتى لا يتحول جنون الحب إلى حب هادئ عقول، كأنهم عالقون يرغبون في الإبقاء على العذابات بوهجها ولظاها، كأنهم سينتقصون حين فراق من أطراف أدبهم وأشعارهم، أو كأنهم سيفقدون مادة حياة الإبداع لديهم، ولسان حالهم يقول للحبيب: أحببت فيك عذابي.

وما لا يمكن أن يسقط سهوا من حصاد متابعة الأدباء والشعراء في الجانب العاطفي، أن العشق غالبا لديهم يرتبط بعشق الأدب في صورة امرأة، فالعقل والقلم والأدب وغزارة الثقافة لها ألْقٌ عجيب له مفعول السحر بلا تمائم، لها جاذبية تفرض نفسها، تغطي على تقييم الشكل والهيكل والجسد والملامح. من مثل هذه المفردات من تركيبة المشاعر لدى الأدباء والشعراء، برز أدب الرسائل، الذي يعد من أروع نثريات الأدب، كرسائل الكاتب التشيكي فرانز كافكا إلى الصحافية والمترجمة التشيكية ميلينا يزنيسكا، رغم أنهما لم يلتقيا إلا مرتين أو ثلاث مرات، فقد كانت الرسائل لا تمثل العلاقة بينهما وتطورها، بقدر ما تمثل علاقة تخيلية، أصبحت زادا لهما على استمرار الحياة البائسة التي أظلت كلا منهما. ربما كانت العلاقات العاطفية في حياة بعض الأدباء والشعراء – خاصة التي تظهر في أدب الرسائل – تقف على الحد الفاصل بين اليقين والعدم في ذهن القارئ بما يفتح باب التأويل، ربما يجدر بي الإشارة هنا إلى قصة الحب الشهيرة بين مي زيادة وجبران خليل جبران، التي وصفت بالعذري، فهما لم يجمعهما لقاء واحد، وكانت الرسائل بينهما مجالا للاستدلال على رقيّ الحب وعمقه، وإن تباعدت الأبدان وعزّت اللقاءات، لكن البعض يجزم بأنها صداقة حميمة لم تبلغ درجة العشق، وقالوا إن كتاب «الحبيب؛ رسائل الحب بين ماري هاسكل وجبران مع مذكرات ماري هاسكل»، يحتوي على حوالي 325 رسالة من جبران إلى ماري، صرّح فيها بأن ماري هي حبه الوحيد، ولم تكن ماري وحدها من ارتبط جبران بها عاطفيا، فقد أحصي عليه أكثر من عشر من النساء. ولا يفوتني في هذا المقام أن أعرج في عجالة على هذا الجانب في حياة واحد من أبرز أدباء القرن الماضي، وهو الأديب مصطفى صادق الرافعي، لأنني وجدتها الأكثر مدعاة للدهشة بالنسبة لي على الأقل.

لقد كان العشق لدى الرافعي ضرورة أدبية، ويرى أنه مادة حياة الأديب، ولقد كانت قناعته حُبلى بتلك القناعات، وصرح بأن المرأة للشاعر كحواء لآدم تعطيه بحبها جديدا لم يكن فيه، ويؤكد أن النابغة في الأدب لا يتم تمامه إلا إذا أحب وعشق. ولذا لا نعجب إذا رأينا الكاتب محمد سعيد العريان، أحد أبرز تلامذة الرافعي الذين لازموه، يشير في كتابه «حياة الرافعي»، إلى هذه القناعة بكلمات عجيبة، فيقول: «الحديث عن حب الرافعي لحديث طويل، فما هي حادثة أرويها وأفرغ منها، وحبيبة واحدة أصفها وأتحدث عنها، ولكنها حوادث وحبيبات، وعمر طويل بين العشرين والسابعة والخمسين، لم يشرق فيها صباح ولم يجنّ مساء، إلا وللرافعي جديد في الحب، بين غضب ورضا، ووصل وهجر، وسلام وخصام، وعتب ودلال، وحبيب إلى وداع، وحبيب إلى لقاء، وشاب الرافعي وما شاب قلبه». وكان كما قيل عنه: غلبه الحب على نفسه، وما غلبه على دينه وخلقه، فكان على محافظته على إطاره القيمي والأخلاقي ونزعته الصوفية، باحثا عن الحب، وإن وقع فيه فلا أروع من مشاعر نزف بها قلمه، ويكون القارئ هو الفائز في تلك المعاناة الملحمية التي يخوضها الأديب. الحب في حياة الرافعي كان نافذة إلى إشراق الروح وسماء المعاني، وسيلة لاستيلاد المشاعر التي تسكب على الأوراق بحبر البيان، حتى إنه قال لإحداهن يوما: «تعالي نتحاب لأن في نفسي شعرا أريد أن أنظمه، وربما انتهت مشاعر الحب تجاهها بمجرد أن يكتب قصيدة أو نثرا.

لكن أكثر قصص العشق الذي اخترقت وجدان الرافعي وتلبست به، وأورثته أوجاع الأرض، كانت قصته في حب مي زيادة، لقد كان أحد أبرز المتيمين بها، كان يقطع مسافات السفر كل ثلاثاء ليكون أول من يحضر مجلسها الأدبي وآخر من يغادر. ولم يكن ذلك هو الوجه الوحيد لمعاناة الأديب في حبه لزيادة، لكن يضاف إليه أن الرجل كان ذا عطب في سمعه، يكاد ألا يسمع، وكان يعاني في الاستماع إلى مي وضيوفها في المجلس، لكنه لم يكن ليفوّت على نفسه مجلساً لها. وعندما اصطدم كبرياء الرافعي بعشقه، على إثر شعوره ببعض إهمال منها تجاهه، فارق إلى غير رجعة، رغم اعتذارها، لكنه بقي ثلاث عشرة سنة أو يزيد هائما بها، نادما على لحظة أخذ فيها قراره بحميّة الكبرياء، وود لو أنه لم يفعل. كان الرافعي صاحب مخيلة واسعة، اتسعت لصور تخيلية من الحب في علاقته بمي زيادة، فقد كان يتلقف كلمة من مقالة لها أو بيتا من أشعارها، ويتوهم أنه المقصود.

ومن أعجب ما قرأته عن عشق الرافعي لمي زيادة، ما حكاه تلميذه محمود أبو رية في كتاب «رسائل الرافعي»، حيث ذكر أن الأديب حادثه يوما أنه صارح زوجته بحبه لمي زيادة حتى لا يمس بحبه أمانة الزوجية الوثيقة، وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أن زوجته كانت تتفهم طبيعة الأديب والشاعر في نفس الرافعي، وتعلم طبيعة هذا الحب الذي يختلف عن الحب التقليدي، فهو أشبه بحب وظيفي، يستدر صفاء إبداعه في الكتابة، أو هو حالة وجدانية خاصة ملازمة للأديب في سنوات عمره.

الحديث عن الجانب العاطفي في حياة الرافعي وغيره من الأدباء حديث طويل، كان خوضنا فيه إشارات، تفتح لنا الطريق لنغوص في تفاصيل هؤلاء الجهابذة في الأدب، وما نثروه من إبداع، وتبقى المرأة على مر العصور رافدا يمد أودية الشعر والأدب.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تركيا واستثمار الماضي

يقول ابن خلدون في تاريخه: «فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية، إذ …

تعليق واحد

  1. العشق غذاء و دواء للروح والجسد
    وانا……..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *