الرئيسية / مقالات / دولة النخب

دولة النخب

«الملأ» مصطلح قرآني حاضر بقوة في القصص المتعلقة بفرعون موسى الذي يعد رمزاً للاستبداد على مرّ العصور، وهم الذين عرفهم الطاهر بن عاشور، بأنهم الجماعة أولو الشأن وسادة القوم وأهل المجلس والمشورة.
تأخذ هذه الفئة في عصرنا مسمى «النخب»، وجهاء الدولة وكبراؤها، وكبار رجال الأعمال، وأهل النفوذ فيها المقربون من السلطة.

فئة الملأ أو النخب، هم الفئة الأبرز التي يتوجه إليها الحاكم المستبد بالخطاب، على وجه الحقيقة، لا كما تبرز وسائل الإعلام أنه معني في خطابه بالشعب، يطمئنهم دائما بأن سياساته هي صلب مصالحهم «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي».

ولا يدخر الملأ (النخب) جهدا في التأليب على خصوم السلطة الذين يصطدمون بمصالحهم المتمثلة في بقاء النظام والاستفادة منه، فتارة يستخدمون نفوذهم الإعلامي في التشهير بخصوم السلطة «قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ»، وتارة يقومون بدور المحرض الذي يثير شهية الحاكم لمزيد من التنكيل بالمعارضين «وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ».
وتارة أخرى يستخدمون أدوات قوتهم في التصدي الفعلي لخصوم السلطة والتآمر عليهم لتصفيتهم «وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ». هذه الفئة لا تقل خطرا واستبدادا عن الحاكم المستبد نفسه، بل هم مادة بقائه وقوام عرشه، ويمكن القول إنهم شركاء الحاكم المستبد في حكمه، أو جناح آخر في السلطة، يتجه الحاكم دائما لممالأتهم وكسبهم، فالواقع أن النخب هم دولة الحاكم المستبد وليس عامة الشعب، فالمتضررون دائما من سياسات المستبد هم الرعية أو عامة الشعب، الذين قد تصل هذه القرارات إلى محاربتهم في أقواتهم، أما النخب فهم في منأى عن خطورة هذه السياسات. ويخطئ من يظن أن الجنود وحدهم هم مادة وجود المستبد، هؤلاء ليسوا سوى عصا غليظة في يد الحاكم، يسيرون معه على مبدأ الطاعة العمياء، التي هي جوهر الحياة العسكرية، بينما النخب تسير مع الحاكم المستبد على قاعدة تقاطع المصالح. عندما قامت ثورات الربيع العربي، كانت النخب صاحبة الفزعة الأولى في مواجهة هذه الثورات التي تنادي بالحرية والعدالة الاجتماعية، وتطهير أجهزة الدولة ومؤسساتها من الفساد، فكانت معركة من أجل البقاء، استخدم فيها الملأ أو النخبة كل إمكاناتهم المتاحة لإجهاض ثورات الربيع في مهدها، وبعد أن قادت الثورات شعوبها، كانت تلك النخب التي تمثل الدولة العميقة، هي اللاعب الأبرز في الثورات المضادة للربيع العربي لإجهاضها وتفتيت مكتسباتها. ولطبيعة هذه العلاقة الوطيدة بين النخب والحاكم المستبد، يقتسمون معه خيرات البلاد ومقدراتها، ومن ثَمّ لا نندهش عندما نطالع في الدول العربية حيازة جنرالات ووزراء وكبار رجال أعمال لأراضي الدولة بعقود صورية وبغير عقود، ولا نندهش لتطويع الإجراءات الاقتصادية في الدولة لصالح التصدير والاستيراد القائمة عليهما تلك النخب، ولا للحقائب الدبلوماسية التي تُهرب فيها خيرات البلاد.

إنها عملية شراكة بين السلطة والنخب بالمحاصصة، وهذا لا ريب يفسر كم القطع الأثرية التي تُنهب من تاريخ الشعوب وتوضع في المتاحف الغربية، من الذي بإمكانه أن يخرجها؟ إنها قطعاً لم تخرج بغير علم الحاكم الذي يغض بصره عن تلك السرقة الممنهجة للتاريخ، ولم يُسمع في وقت من الأوقات عن فتح باب للمساءلة في هذه القضية، لأن حامي الحمى هو نفسه اللص، الذي يتواطأ مع النخب لبيع مقدرات الشعوب. وبينما تكتظ البنوك العالمية بأموال النخب التي تعادل اقتصاديات دول بأكملها، لا تجد أية مساءلة تتعلق بها، لأنها جرائم مشتركة يتم فيها التنسيق بين الحاكم والنخب. فساد النخب هو الكارثة الكبرى الحقيقية، لأنهم يمثلون الشعب الذي يتكئ عليه المستبد ويرعى مصالحه على وجه الحقيقة، بينما يعيش عامة الشعب على الهامش، يئنون تحت وطأة السياسات الجائرة وسطوة النخب المتنفّذة، وهذا من شأنه أن يُفقد المواطن العادي شعوره بالانتماء لوطنه تدريجيا، ويسلبه الأمان على نفسه وأهله وقوته، ومن ثم يتجه سلوكه إلى العدوانية، يظهر ذلك في العبث بالمرافق العامة وعدم الحرص عليها، وهذا مشاهد في الدول العربية التي تعاني من وطأة الاستبداد وتواطؤ السلطة والنخب، كما أنه بمقتضى ذلك تجده لا يعمل للمصلحة العامة، بل كل ما يهمه هو مصلحته الذاتية التي تتجاهلها الدولة.

يقول العالم المفكر والعالم الموسوعي الراحل عبد الوهاب المسيري: «عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب نخبة وليس لحساب أمة، يصبح الفرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن، فينصرف ليبحث عن مصلحته الخاصة». من الخطأ الاعتقاد بأن زوال الحاكم المستبد كفيل بالإصلاح والاستقرار وتحقيق العدالة والحرية والعيش الكريم، فرأس النظام يأتي ويرحل، لكن النظام ذاته الذي تدخل في صلبه النخبة، لا يتغير، ويحتاج إلى حركة قوية للتغيير، تبدأ بيقظة الوعي وتنتهي بالتطهير. لا أطرح هذه المسألة لإثارة الإحباط واليأس في النفوس، بل هدفي أن نكون أكثر واقعية في نظرتنا إلى التغيير، لندرك أن الطريق طويل، طويل جدا، يحتاج إلى نفس طويل، وجلَد على إرادة التغيير والعمل بمقتضياته، وإيلاء هذه الفئة المتنفذة أهمية كبيرة في أي خطط مستقبلية للتغيير، حتى لا ندور في حلقات مفرغة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل كان السلطان سليم الأول طائفيًا؟

– السلطان سليم كان مدركًا قبل توليه الحكم خطورة الدولة الصفوية التي تسيّس التشيع– قاتل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *