الرئيسية / مقالات / عذرًا يا نشميات الأردن….ليس فينا عمر

عذرًا يا نشميات الأردن….ليس فينا عمر

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا “. متفق عليه.

سيظل هذا الحديث النبوي سراجا وهاجا، تنكشف على أضوائه كل سلطة تكيل بمكيالين وتتبع معايير مزدوجة في التعامل مع الرعية، كل سلطة ترجح كفة الأغنياء والوجهاء ومن يشار إليهم بالبنان على حساب الضعفاء الذين إذا حضروا لم يُأبه لهم، وإذا غابوا لم يُفتقدوا.

صورتان متقابلتان برزتا في الواقع الأردني، الصورة الأولى تحدثنا عن فتاة مسكينة خرجت إلى الحياة القاسية بحثا عن لقمة العيش، واحدة من مئات الآلاف في وطني من الحرائر اللاتي وقعن تحت أضراس الحياة القاسية، ولجأن إلى طاحونة العمل لكي يُعنّ والدا أو يكفلن صغيرًا أو يساعدن زوجا على أعباء الحياة.

ولأن “حمدة” بطلة هذه القصة التي تعمل في أحد معامل الخياطة كانت حرة يقتلها النيل من كرامتها، فلم تمر عليها الإهانات التي وجهها إليها رب العمل مرور الكرام، بل فجرت في كيانها بركانا من الحزن والأسى، فماتت قهرًا بنزيف دموي.

ولأن حمدة ليست من أهل الثراء والوجاهة، ولأنها ليست نجمة سينمائية أو نائبا برلمانيا أو ابنة أحد الأثرياء، ولأنها ليست لاعبة مشهورة من الوسط الرياضي، لم تحرك الحكومة ساكنا تجاهها، ولم تحظى بدعم الأسرة المالكة وأمرائها، خلافا لما حدث مع “روبي”، بطلة الصورة الثانية.

ففي الصورة الأخرى نشرت لاعبة السلة الأردنية روبي حبش على تويتر تقول إن التلفزيون الأردني امتنع عن مقابلتها بسبب ارتدائها (بنطلون جينز) مقطوع، وتضمن معنى حديثها أنها تعتبر ذلك رجعية وتخلفا.

وعلى الفور، هبّ الأمير علي بن الحسين وكأنه المعتصم يلبي النداء، بالتضامن مع لاعبة السلة، ونشر صورة له أو لشاب آخر يرتدي بنطالا مماثلا مقطوعا يظهر الفخذ، وكتب معقبا: “معك يا روبي”، وكنا نتمنى أن يكتب الأمير عبارة مماثلة يقول فيها: “معك يا حمدة”.

الأمير اعتبر موقف التلفزيون الأردني تنمّرا وتعديا على الحريات، وجعل منها قضية يدافع عنها، لكنه أسقط من حساباته الدفاع عن حقوق حرائر الأردن اللاتي طحنتهن رحى العمل والسعي للتكسب، اللاتي أرهقهن الفقر ويمتن في صمت ويرحلن عن عالمنا بلا ضجيح، فهل هو ممن عناهم الجاحظ بقوله في الرسائل الأدبية: “يعظّم الغنيّ بغير ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلة أخرى من الكظّة بالمعاذر الكاذبة”؟

إلى متى يُتجاهل الفقر وأهله في بلادنا، وإلى متى يبقى الفقراء في الزاوية المنسية، ومتى سيعلم أهل السلطة والولاية أن الفقير المعدم هو إنسان من لحم ودم ومشاعر ينبغي أن ينال حقوقه في المواطنة كاملة، وتحفظ عليه كرامته.

متى يعلم هؤلاء أن تلك الأيادي الخشنة العاملة هي التي تبني البلاد، هي التي تزرع، وتصنع، وتنتج، وأن المجتمع بأسره يحتاج إلى هؤلاء الذين لا يعبأ بهم أحد.

متى سيدركون أن يد اللاعبة التي تسكن الكرة في سلّتها وهي ترتدي الشورت والفانلة ويصفق لها الجمهور، ليست أفضل من تلك الخياطة التي تنكفئ على ماكينتها وهي ترتدي ذلك الزي المتواضع ويتحدر العرق من جبينها وهي تتكسب وتفيد الأنام.

إن كان الخليفة عمر قد خاف من أن يُسأل عن دابة في العراق تعثرت:لم لم تفسح لها الطريق يا عمر، فهلا خفتم يا ولاة الأمر أن تسألوا عن صرعى الفقر وضنك المعيش: لم لم تفسحوا لهم طريق الكسب في كرامة؟

يا أهل الأمر والسلطة أي خير فيكم إن ملتم إلى الغني وحدتم عن الفقير، وأي خير فيكم إن نظرتم بعين الرعاية والاهتمام إلى المشاهير ونأيتم عن المجاهيل، ودونكم محمد بن كعب القرظي، قد اعتذر إلى عمر بن العزيز عندما طلب منه الموعظة، لأنه يرى في نفسه التقصير بسبب شيء لا يزن عندكم جناح بعوضة، فقال له: “لا أرضى نفسي لك، إني لأصلي بين الفقير والغني فأميل إلى الغني، ويدخل الفقير والغني عليّ فأوسع للغني، فجعله ذلك ينظر إلى نفسه بعين النقص، فماذا عمن يولي الأغنياء والوجهاء والمشاهير اهتمامه ويعرض عن الفقراء والعامة والمهمشين؟!

متى تتجه أنظاركم إلى حرائر الأردن اللاتي يعشن على هامش الحياة في فقر مدقع؟ متى تشعر الأردنية التي خرجت للتكسب أن أن بلدها لا يعين النوائب عليها؟

لله در الفاروق عمر، وقف في المدينة قبل أن ينال الشهادة بأيام يحاسب ولاته عن الرعية ويحذر من تحميلهم الناس ما لا يطيقون، ثم يقول: “لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل من بعدي”، فعذرًا يا نشميات الأردن المكافحات، فليس فينا عمر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

عندما تكون السلعة أسمى من الإنسان

«من قال إن المال لا يشتري السعادة لم يذهب إلى بلومنجديلز» تعليق طريف لأحد قراء …

2 تعليق واحد

  1. إن كان الخليفة عمر قد خاف من أن يُسأل عن دابة في العراق تعثرت:لم لم تفسح لها الطريق يا عمر، فهلا خفتم يا ولاة الأمر أن تسألوا عن صرعى الفقر وضنك المعيش: لم لم تفسحوا لهم طريق الكسب في كرامة؟ليس فينا عمر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

  2. آه يا احسان لو ترين بعض النشكيات وهي تخرج قبل 7 صباحا من بيتها تحتسي القهوة بالطريق وشطيرتها في حقيبتها لم يسعفها الوقت لتجهيز نفسها وصغارها …لو ترينها وهي تكد وتتعب لتاخذ الحد الادنى من الاجور شهريا لتيسير امور بيتها ولكي لا تمد يدها للمعونة الوطنية ؟؟ لذاب قلبك كمدا على ما وصل الحال بها وبامثالها وبمن هم اسوأ حالا منها 💔💔💔

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *