الرئيسية / مقالات / هزيمة أمريكا في أفغانستان بين الإقرار والإنكار

هزيمة أمريكا في أفغانستان بين الإقرار والإنكار

قال المؤرخ ابن الأثير في كتابه «الكامل» في معرض حديثه عن التتار واجتياحهم العالم الإسلامي: «وَلَقَدْ حُكِيَ لِي عَنْهُمْ حِكَايَاتٌ يَكَادُ سَامِعُهَا يُكَذِّبُ بِهَا مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْهُمْ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ الْقَرْيَةَ أَوِ الدَّرْبَ وَبِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَلا يَزَالُ يَقْتُلُهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، لا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى ذَلِكَ الْفَارِسِ. وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ إِنْسَانًا مِنْهُمْ أَخَذَ رَجُلا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ التَّتَرِيِّ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ رَأْسَكَ عَلَى الأَرْضِ وَلا تَبْرَحْ، فَوَضَعَ رَأَسَهُ عَلَى الأَرْضِ، وَمَضَى التَّتَرِيُّ فَأَحْضَرَ سَيْفًا وَقَتَلَهُ بِهِ».
إنها صورة من صور الهزيمة النفسية التي يغرق في وحْلها المغلوب، فيظن أن عدوه لا يُقهر، وأن الأمور تسير دائما على النحو الذي أراد ذلك العدو.
بمجرد إعلان الولايات المتحدة انسحابها من أفغانستان، اتجهت التحليلات فورا للحديث عن وجود ترتيبات بين أمريكا وطالبان، تأسيسا على رغبة الولايات المتحدة في وضع كيان يهدد المصالح الروسية والصينية، ورفض أصحاب هذا الاتجاه وصف الانسحاب بأنه هزيمة أمريكية على أرض أفغانستان.
معظم أصحاب هذا المنحى التفسيري، واقعون في أسر أسطورة أمريكا الدولة التي لا تقهر، شرطي العالم الذي يُسيِّره كما يريد وينجح دائما في ما يريد، وهذا مردّه إلى الآلة الإعلامية الضخمة التي تمتلكها أمريكا وتصوّرها على هذا النحو، بما في ذلك أفلام هوليوود التي تبرز القوة الأمريكية على أنه لا قِبل لأهل الأرض بها، بل امتدت قوتها إلى كواكب المجرة، لتكون منقذ الأرض من المخلوقات الفضائية، وتضم على أرضها كل الأبطال الخارقين الذين صنعهم الخيال السينمائي. الذين لا يقبلون بفكرة هزيمة أمريكا في أفغانستان، يُعرضون عن إخفاقات القوات الأمريكية وانسحابها بعار الهزيمة من أدغال فيتنام، وخروجها بما يزيد عن 58 ألف جثة من جنودها، وأكثر من 150 ألفا بعاهات مستديمة، و830 ألفا مصابين باضطرابات نفسية، وفرار 50 ألفا خلال سنوات الحرب، إضافة إلى خسائر مالية تقدر بـ 168 ملياراً، وهو يوازي في الوقت الحالي قرابة 1.17 تريليون.


وفضيحة الهزيمة الأمريكية في الصومال معروفة، عندما أمر كلينتون بحملة عسكرية عام 1993 ضد الفصائل المتحاربة في الصومال، بقوة قوامها 30 ألف جندي، فأسقطت قوات عيديد مروحية «بلاك هوك» وقتلت 19 جنديا من قوات دلتا الأمريكية، وتم ربط جثة جندي أمريكي على سيارة لاندروفر وسحلها أمام كاميرات التلفزيون، فانسحبت القوات بعد أقل من ستة أشهر. وحتى في اجتياحها للعراق، لم تكن لتصمد وتتوغل في أرض الرافدين، لولا عملاء الداخل العراقي، ومعاونة إيرانية اعترف بها كبار الساسة الإيرانيون.
أمريكا انسحبت من أفغانستان انسحاب المهزوم، لأنها لم تحقق أهدافها من خلال وجودها العسكري، ومنيت بخسائر فادحة، استنزفت الخزانة الأمريكية، وخسائر أخرى في الأرواح، أثارت الرأي العام الأمريكي، فكان الانسحاب نتاجا لخسائر تراكمية طيلة عشرين عاما. الذين يرفضون وصف الانسحاب الأمريكي بالهزيمة، لم يضعوا في الاعتبار السمعة العسكرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم، فهل تضحي هكذا ببساطة عن هذه السمعة لتحقيق بعض المصالح غير المضمونة في تحققها؟

عندما يجد العالم في ذاكرته أن الولايات المتحدة قادت جيوش الغرب للقضاء على طالبان الإرهابية الداعمة لـ«القاعدة» وظلت في صراع محتدم على مدى عشرين سنة لم تحقق فيها نصرا حاسما، في حرب كلفتها ما يزيد عن 992 مليار دولار على أدنى تقدير، ومقتل وإصابة ما يزيد عن 23 ألف جندي بخلاف خسائر حلفائها، ثم تتخلى بكل ببساطة عن الأرض لحركة طالبان لإزعاج الصين وروسيا، رغم توجهات الحركة الصارمة بعدم السماح بالوجود الأجنبي، وإصرارها على تطبيق الشريعة، فهل سيقتنع العالم بعد ذلك كله بأن الانسحاب الأمريكي لم يكن هزيمة؟
العالم بأسره يتحدث عن الهزيمة الأمريكية في أفغانستان، عدا صنف من أمتنا اعتادوا التسليم للنموذج الأمريكي، وصنف آخر منها تتملكهم مخاوف سيطرة الإسلاميين. صحيفة «بوليتيكن» الدانماركية تقول: «أفغانستان هي أكبر هزيمة للولايات المتحدة منذ حرب فيتنام، وهي نهاية مُذلّة تمامًا».


وصحيفة «تاغس أنتسايغر» السويسرية تقول: «الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون قد بالغوا في تقدير تأثيرهم في أفغانستان لمدة 20 عاما… طالبان فاجأت الولايات المتحدة والغرب عموما بشكل تام». أما صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية فقالت: «الولايات المتحدة والغرب لحقتهما فضيحة بأنهما أرادا فرض قيمهما وسيطرتهما في واحدة من أصعب مناطق العالم، لكنهما فشلتا بعد ذلك بسبب الفرضيات الخاطئة ونقص القدرة على التحمل». صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية كتبت: «الولايات المتحدة كانت تبحث لها عن مخرج من أفغانستان». النائب الجمهوري البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي مايكل ماكول، انتقد في تصريح له لصحيفة «نيويورك بوست» الأمريكية، قرار الانسحاب، ووصفه بالكارثة وأنه وصمة عار على إدارة بايدن، وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي استخف تماما بقوة طالبان، وتجاهل تحذيرات المخابرات الأمريكية. حتى بايدن نفسه، تضمنت تصريحاته ما يفيد بهزيمة في أفغانستان، حيث قال في ما نقلته رويترز: «كلما استطعنا الانتهاء مبكراً (أي من إجلاء القوات) كان ذلك أفضل، كل يوم من العمليات يجلب مخاطر إضافية لقواتنا» بل إنه استخدم مصطلح «أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات» لتبرير انسحابه، وقال في خطابه لشعبه: «أقف بقوة وراء قراري، بعد عشرين عاما تعلمت بالطريقة الصعبة أنه لن يكون هناك أبداً وقت جيد لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان».


من وجهة نظري وبكل موضوعية أقول: إن بايدن أحسن في الاختيار لأمته، رغم ما يترتب عليه من انخفاض أسهم تأييده داخل أمريكا، وقد أجرت مؤسسة USA TODAY وجامعة سوفولك استطلاعاً كشفت نتائجه أن نسبة تأييد بايدن قد انخفضت إلى 41٪ في ضوء الانسحاب وسيطرة طالبان على أفغانستان، وأزعم أنه لو عقدت انتخابات أمريكية في الوقت الراهن لعاد الجمهوريون إلى تولي الإدارة بلا أدنى مشقة.


قليل هم الذين اعتبروا الانسحاب الأمريكي هزيمة أنهت الاحتلال الأجنبي لدولة أفغانستان المسلمة، كان أبرزهم مفتي عمان أحمد بن محمد الخليلي، الذي سارع لتهنئة الشعب الأفغاني بالنصر على المعتدين. كان الأحرى أن ينظر الجميع إلى الانسحاب على أنه انتصار للشعب الأفغاني وتحرير للأرض المحتلة، ليست القضية طالبان أو غير طالبان، هي قضية تحرير أرض ممن احتلها لمدة عشرين سنة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الشيخ “إده بالي”.. المؤسس المعنوي للدولة العثمانية

ـ الروايات التاريخية تشير إلى أن علاقة “إده بالي” بالغازي عثمان بدأت في عهد أرطغرل …

2 تعليق واحد

  1. مجدى محمد خليل

    لم يهزم المسلمون فى تاريخهم كما هم مهزومون اليوم .. يحكمهم عملاء للغرب ينفذون كل مخططاته و زيادة و يرسلون اليه خيرات الشعوب المسلمة اليه دون ان يرسل عساكره و يتكلف رواتبهم و تكاليفهم العالية .. غنيمة باردة لا تكلفه سوى السماح للعميل ببعض الارصدة تودع باسمه فى بنوكهم و تعود اليهم بعد موته فهم ورثته الشرعيون … ذهبت الى فيينا فى النمسا و تعجبت ان ليس لديهم مترو انفاق فرد على احدهم : ليس لدينا ما يكفى من الاموال و لكن ننتظر حتى تمضى على ارصدة القذافى عشرين عاماً فنصادرها لصالح المشروع !!!
    اما الجندى الاكبر من جنود الغرب فهو الهزيمة الداخلية التى منى بها المسلمون فى مشارق الارض و مغاربها حتى انهم لا يصدقون ما تراه اعينهم من هزيمة قيادة العالم الغربى امريكا و قبلها قيادة العالم الشيوعى بقيادة روسيا على يد الافغان بمختلف مسمياتهم …. و لكن مازال العدو الذى نخشاه ان يهزم الافغان المسلمون و هو الافغان انفسعم و تعصبهم العنصرى القبلى الذى فرقهم من قبل عندما فتحوا كايل ايام الروس و حاصرتها المدافع الافغانية تدكها دكاً دكا …. حاربوا انفسهم فتمكن منهم الامريكان فلموا توحدوا تحت قيادة طالبان هزموا امريكا .. فان تفرقوا عاد اليهم اى جيش كافر و احتل بلادهم و نهب ثوراتهم … ارجو من الله ان يجمع شملهم

  2. أحمد حمدي / ألمانيا

    تحية لك يا إحسان

    انهيار الامبراطوريات الغاصبة التي تعيش على استعباد الشعوب وسرقة مقدراتهم وأموالهم سواءا بصورة مباشرة، (كما شاهدنا في بلاد الحجاز المحتلة عندما ذهب الرئيس الأمريكي السابق ترامب وأجبر المحتلين بالوكالة، والذين لم يقصّروا في دعوة “رؤساء وملوك وأمراء” كثيرين من دول العالم الإسلامي لحضور مؤتمر “قمة الرياض، مايو 2017” الهدف الأساس منه هو أمر مباشر بشراء منتجات عسكرية أمريكية وعُقدت صفقة قدرت حينها بمبلغ يفوق 400 مليار دولار. تحدثت الصحف حينها عن أنها أكبر صفقة شراء أسلحة في تاريخ البشرية. العجيب أن هذه الأسلحة لم تكن كافية لهزيمة عصابات الحوثي في اليمن! هل هي أسلحة فاسدة كالتي ابتاعها المصريون من المحتل الانجليزي سنة 1948؟ أم أنها إتاوة دفعها الشعب السعودي ووجد الضاحكون على الشعوب في الإعلام اسما ظريفا للإتاوة فسموها صفقة أسلحة؟) ، أو نهب وسرقة أموال الشعوب بطريقة غير مباشرة، (تماما كما تفعل أمريكا اليوم في اللعبة الجهنمية شيطانية التدبير والتخطيط، وكيف لا ومنظِّرها ومعرِّبها الشيطان الأكبر هنري كيسنجر، والتي تسمى باختصار شديد البترو دولار. نذكِّر بالاتفاق بين أمريكا ودول الخليج بالدرجة الأولي والذي تعهدت فيه الدول المنتجة للنفط بألا تقبل عملات أخرى سوى الدولار الأمريكي مقابل النفط. هذا الاتفاق أعطى للدولار قوة عالمية دون أن يكون له غطاء من الذهب كباقي عملات العالم)، لا يكون، أي انهيار الامبراطورية، بصورة مفاجئة بين يوم وليلة، ولكنه يكون ببطء شديد قد يصل إلى عشرات أو حتى مئات السنين.

    لنا في التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، فالقرآن الكريم يتحدث عن قوم عاد وقوم ثمود وأنهم ذهبوا. كما تحدث عن الحضارة الفرعونية التي نرى آثارها حتى الآن. ومن دروس التاريخ نعلم أن انهيار حضارات المصريين والروم استغرقت عشرات بل مئات السنين.

    ومن دروس التاريخ المعاصر نرى أن القوتين العظميين (بريطانيا وفرنسا) اللتان احتلتا قارتي آسيا وأفريقيا في القرنين الماضيين قد اضمحلتا حتى كاد الناس ينسون أنهما كانتا القوتين الأكبر في العالم.

    ومن دروس التاريخ لم نرى قوة عظمى قد اعتراها الفحش والعنجهية والاستكبار في الأرض، كما يفعل الأمريكان الآن. ولم نرى قوة عظمى صعدت على أكتاف البشرية بهدة السرعة كما فعل الأمريكان.

    وبالأخذ في الاعتبار أنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، وأن سنة الله في الأرض هي تداول الأيام بين الناس، فإن انهيار الامبراطورية الأمريكية هي مسألة وقت.

    الحق أن اندثار القوة الأمريكية له شواهد عديدة منها مثلا أن جاهزية القوات الأمريكية للقيام بالحروب بالمقارنة مع أعدائها تقل بصورة مستمرة، حتى أننا سمعنا منذ عدة سنوات أن الجيش الأمريكي أعلن أنه غير قادر على ضمان الفوز في حربين اثنتين يخوضهما في وقت واحد كما كان الحال من قبل، فخفَّضَ بذلك من مغامرات الساسة في الدخول في الحروب.

    الأمر الثاني هو صعود اقتصادات أخرى في العالم وعلى رأسها الصين بدرجة بدأت فيها تناطح الغول الأمريكي الذي ظن أنه يتربع على عرش العالم دون منازع بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

    ولا ننسى أن روسيا بدأت عسكريا تلملم نفسها وبدأت العودة إلى الساحة الدولية وإن كانت لم تصل بعد إلى ما كانت عليه حين كانت تقود حلف وارسو.

    ولا ننسى أن الأمريكان لم يدخلوا حربا لوحدهم منذ عقود، ولكنهم كانوا يستحمرون “حلفاءهم” في دول الناتو.

    نسمع في الإعلام أن الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأقول أن الصين تمثل أكبر اقتصاد في العالم منذ عقد على الأقل، لكنه إنكار الحق واستكبار ورفض الواقع والتعلق بماض انتهى. وإذا أردت أن تعرف من أين أتيتُ بهذه المقولة، فما عليك إلا أن تقارن حجم النمو الاقتصادي في البلدين وحجم الديون في كليهما على مدى الثلاثة عقود المنصرمة. سمعنا أن موظفي الدولة في أمريكا اضطروا للمكث في منازلهم لعدم قدرة الدولة على دفع رواتبهم حتى صدر قرار بأخذ المزيد من الديون فعاد الموظفون إلى مكاتبهم. هل حدث ذلك في الصين؟
    الصين تمتلك أصول في أمريكا تقدر بالبلايين، فكم تمتلك أمريكا في أصول الصين؟

    هناك من توقع نهاية أمريكا في العقد الأول من الألفية الثالثة، لكن كما قلنا لن يحدث ذلك بين يوم وليلة ولكن بالتدريج. أما الشواهد فتدل على أن سقوط الامبراطورية الأمريكية سيكون سريعا كما كان صعودها سريعا.

    وليس أكثر وصفا لهذا الانهيار من الانبطاح أمام قوات طالبان والهرولة في الانسحاب دون أن تفرض شيئا واحدا على من احتلتهم عشرون عاما.

    أحمد حمدي / ألمانيا
    30.08.2021
    21 محرم 1443

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *