الرئيسية / مقالات / كلمة حول شهادة الشيخ محمد حسان

كلمة حول شهادة الشيخ محمد حسان

في سياق الدور الذي يلعبه القضاء المصري المُسيّس لدعم سياسات النظام، استدعت محكمة جنايات القاهرة، الشيخ محمد حسان، للشهادة في القضية المعروفة إعلاميًا بـ “داعش إمبابة”، وذلك بعد مرور شهرين تقريبا على استدعائها الشيخ محمد يعقوب لنفس الغرض.
ظهرت نوايا القضاء المسيس في المرتين، والتي تتضح في يسر لكل ذي بصر، من أنها محاولة متعددة الأهداف لاستئصال شأفة كل رمز أو كيان إسلامي لا يسير في النسق الذي حدده النظام.
فمن جهة، أريد بهذه الشهادة انتزاع إدانات لجماعة الإخوان المسلمين كتوطئة وتهيئة للرأي العام لقبول تنفيذ أحكام الإعدام في قيادييها، والربط بين الجماعة وبين الإرهاب بوضعها مع داعش وأخواتها في سلة واحدة.
ومن جهة أخرى، أريد بهذه الشهادة إسقاط الرموز الدعوية السلفية بعد اصطدامها بشرائح واسعة من الجماهير على خلفية تصريحات هذه الشخصيات في موطن قد يعرض حياتهم للخطر.

يحاول القضاء كتابة شهادة وفاة العمل الإسلامي غير الرسمي، وإن المتابع ليلحظ بوضوح طبيعة الأسئلة الفكرية والمنهجية التي تخرج تماما عن دائرة الشهادة في القضية، وإزاء ذلك يكون على الشاهد الداعية إما أن يصطدم مباشرة بالنظام، أو المداهنة بتقديم إجابات على هواه.
على المستوى الشخصي، لا أتهم الشيخ محمد حسان بالنفاق كما فعل البعض، وأحسبه كان مصيبًا موفقًا في كثير من الإجابات، وخاصة التأصيل الشرعي في قضايا التكفير والدماء المعصومة، وأزعم أن ما نطق به محمد حسان يعبر عن قناعاته، لكن ذلك لا يمنع من الوقوف عند خطابه بالنقد وبيان أبرز أخطائه التي وقع فيها وما يؤخذ عليه في التصريحات، علما بأن الشيخ كان في حديثه كسائر على حبل بين شاهقتين، فهو يخشى من شهادة الزور من جانب، ويحاول تأمين نفسه من التحدث بما يوقعه في مرمى بطش النظام.

في البداية تحدث حسان عن نشأة جماعة الإخوان كجماعة دعوية ثم تحولت إلى حزب سياسي يهدف إلى الحكم، في تماهٍ مع ما تريده المحكمة من القول بأن الإخوان هدفهم كان الحكم، وهنا نطرح سؤالنا على الشيخ حسان باعتباره أحد رجال العلم: وهل العمل السياسي ينفصل عن الدعوة يا شيخ حسان؟ أليس تغيير نظام الحكم الجائر إلى إسلامي عادل هو أحد الأهداف الرئيسية لأي دعوة؟ وفي الجملة أليس الوصول إلى الحكم شيئا مشروعًا لكل الأحزاب؟
تحدث حسان عن أسباب فشل الإخوان وحصرها في أن الجماعة لم تستطع الانتقال من سياسة الجماعة ذات الطيف الواحد إلى سياسة الدولة ذات الأطياف المتعددة، إلا أنه لم يشر من قريب أو من بعيد إلى تلك المعوقات المفتعلة التي تم بها عرقلة مسيرة نظام الإخوان، فقد واتته الشجاعة ليبين ما يتعلق بأخطاء الإخوان، لكنها لم تواته في الحديث عن القوى والكيانات التي وضعت العراقيل أمام حكم مرسي، بما يعني أن الشيخ تكلم ببعض الحق الذي يراه وسكت عن البعض الآخر إيثارا للسلامة.

قال الشيخ: “لما حدث الصدام الحقيقي بين الجماعة والدولة بكل مؤسساتها جيشًا وشرطةً وإعلامًا وقضاءً، رفعت الجماعة شعار الشرعية أو الدماء”، وهذه سقطة كبيرة من الشيخ حسان، فكلامه يعني أن الجماعة قد انتهجت العنف ضد مؤسسات الدولة، وهذا باطل بيّن البطلان، فالإخوان قد التزموا السلمية، بل كان الكثيرون يتهكمون على الإخوان – في تلقيهم الضربات في صمت – على قول المرشد “سلميتنا أقوى من الرصاص”، ويحسب للإخوان المسلمين أنهم لم يغرقوا البلاد في حرب أهلية، ولو أن هذه القاعدة الجماهيرية العريضة من الإخوان ومحبيهم ومؤيديهم كانت تلقت أوامر بحمل السلاح، لأغرقت البلاد في الدماء، لكنهم واجهوا الرصاص والاعتقالات والتشريد بنضال الكلمة والبيان والاحتجاج، ولا تتحمل الجماعة مسؤولية الأعمال الإرهابية التي تقوم بها الجماعات التكفيرية في سيناء وغير سيناء، كما أنها لا تتحمل المسؤولية عن أعمال العنف الفردية التي قام بها بعض المتهورين مدفوعين بالحماس والشعور بالظلم، فالاتجاه الرسمي العام لدى الجماعة كان عدم مقابلة العنف بالعنف.

الشيخ حسان لا يدري أنه بهذه الشهادة يعزز تصنيف النظام للجماعة بأنها إرهابية، وكلامه الظاهر يفهم منه أن الشعارات التي كان يرددها أنصار الشرعية في اعتصام رابعة عن “الشرعية أو الدماء”، تحولت إلى واقع عملي، وهذا لم يحدث على الإطلاق.
ثم يبدي الشيخ أمنيته السابقة آنذاك بأنه كان يرجو أن يصنع الإخوان صنيع الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهم أجمعين، عندما تنازل له عن الخلافة حقنًا للدماء.

وهذا التشبيه في غير محله، فالطرف الذي تنازل له الحسن (وهو معاوية)، لم يكن طاغية يريد تقويض الدين واختزاله وملاحقة حملته، ولو كان الحسن يرى أنه كذلك لم يكن ليتنازل ولم يكن الصحابة والتابعون من حوله يوافقونه على ذلك.
لقد فات الشيخ فرق ظاهر بين الحالتين، ففي الحالة الأولى كان نزاعا بين اثنين كلاهما قد حصل على بيعة، وفي حالة تنازل أحدهما سوف يلتف الجميع حول الآخر وتستقر أمور الدولة، أما في حالة مرسي، فلم يكن في ذلك الوقت ثمة حاكم آخر يطلب الحكم لنفسه، بل انقلب المجلس العسكري وشريحة من الشعب على الدكتور مرسي الحاكم الشرعي، والذي جاء عبر الصناديق من خلال أصوات ما يزيد عن نصف الشعب، فإذا تنازل الرئيس عن الحكم لهذه الفئة، فهذا يعرض البلاد للفوضى السياسية، كلما هوى البعض تغيير الرئيس انقلبوا عليه!

لكن إحقاقًا للحق، أرى أن الشيخ قد أنصف الإخوان، عندما تمنى “أن يستوعبوا الدرس من الحسن الذي تنازل عن الخلافة وهي حقه”، ثم كرر كلمة “وهي حقه”، وهذا يستشف منه أنه كان يرى نظام مرسي أحق بالأمر، ولم ينكر أنه كان مؤيدا للإخوان ومرشحا لهم في الاستحقاقات الانتخابية بعد ثورة يناير، كما أنه اعتذر عن أخطاء الإخوان بأن الخطأ البشري واقع لا محالة لدى كل الأشخاص والكيانات.
وأما حديثه عن الفرق بين منهج السلفية والإخوان، فأرى أنه قد جانبه الصواب، حيث ذكر أن هناك اختلافا في أصول المنهج، وهذا غير صحيح، فالأصول لدى الطرفين في الاعتقاد وأصول النظر والاستدلال واحدة كشأن سائر أهل السنة، إنما كان لابد أن يذكر أنه خلاف في الرؤية الإصلاحية.

وقوله إن أحد أوجه الخلاف أن المنهج السلفي يتبنى أصل التوحيد الخالص، بخلاف الإخوان فهذا تعبير غير موفق، لأن الحاكمية التي يسعى الإخوان لإرسائها هي من التوحيد، فالقدح في التوحيد لا يقتصر على تعطيل صفات الله فحسب، بل يتضمن أيضا تعطيل شريعته وتفرده بالحكم سبحانه، لذلك فالدعوة إلى تحكيم الشريعة جزء من التوحيد.

أضف إلى ذلك، أن الجماعة العاملة لا تمثل الدولة، وإذا تخصصت في جزئية معينة علمية أو دعوية أو اقتصادية أو سياسية، فلا يعيبها ذلك طالما أن مرجعية عملها في أحد الجوانب هو الكتاب والسنة، فالسلفيون أنفسهم تخصصوا في الجانب العلمي والدعوي، فهل يحق لنا أن نتهمهم بالقصور وعدم الشمولية؟!
لكنني لا أنكر أن دعوة الإخوان كانت تتبنى التكثيف لا التركيز، بمعنى توسيع رقعة المؤيدين والمنتمين دون التركيز على البناء العلمي في مجال العقيدة والفقه، أي التوسع الأفقي لا الرأسي، بينما كانت تركز على المنهج الحركي للسيرة النبوية، والأمور السياسية.

لقد نجح القاضي في أن يستصدر من الشيخ حسان إقرارا بأن المؤسسات الدعوية والخيرية لابد وأن تكون تحت سيطرة الدولة، حتى لا يتصدر للحديث عن الله ورسوله غير المؤهلين، وهو بذلك يؤيد بغير أن يشعر سياسات الدولة في أن تجعل الخطاب الدعوي محصورا في نطاق المؤسسات الرسمية التابعة لها فحسب، أما العلماء والدعاة غير الرسميين فعليهم الصمت واعتزال العمل الدعوي.

إقرار الشيخ حسان كلام القاضي بأن سيد قطب هو أصل الفكر التكفيري، يناقض دفاعاته التي اشتهر بها عن سيد قطب، لدرجة أن التيار المدخلي الجامي كان لا يكف عن الهجوم على الشيخ محمد حسان بسبب دفاعه عن سيد قطب وثنائه عليه، فكان الأحرى بالشيخ كما أوضح أن بعض المتأثرين به فهموا كلامه على وجه خاطئ، أن يبين كذلك الفهم المغلوط الذي خرج به التكفيريون من قراءاتهم لكتابات سيد قطب، لا أن يحمله مسؤولية التكفير في هذه الشهادة التاريخية.

ما عدا ذلك، فلا أرى أن الرجل قد جانب الصواب في شيء من كلامه، ولا أرى أي مبرر للهجوم الكاسح عليه، أو اتهامه بالنفاق والتدليس، ولنكن واقعيين ولا نحمل الرجل فوق الطاقة ونطالبه بأن يذكر مساوئ النظام الحالي وظلمه وجوْره، فهذا أمر عسير، ولو افترضنا أن الرجل قد فعل ذلك في الجلسة، فهل كانوا سيسمحون بإذاعة شهادته؟ وكيف سيكون مصيره؟
الكلام عن الثبات ومواجهة الظالمين سهل، بل أيسر شيء حينما يتحدث به بعضنا إلى بعض، لكن الصدام مع سلطة جائرة على هذا النحو هو مما لا يطيقه أحد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الشيخ “إده بالي”.. المؤسس المعنوي للدولة العثمانية

ـ الروايات التاريخية تشير إلى أن علاقة “إده بالي” بالغازي عثمان بدأت في عهد أرطغرل …

10 تعليق واحد

  1. معتصم البحر

    احسنت القول ورحم الله الأمه وعلمائها من بطش الجبارين

  2. صح لسانك اختي ربي يحفظك 🤲🤲🤲🤲

  3. فيصل آل هادي

    أبداََ لم يكن معاوية قد حصل على بيعة المهاجرين والأنصار الذين هم مجلس برلمان ونواب الأمة عندما تنازل له الحسن بالخلافة وفعلاََ ليس معاوية كالسيسي فالسيسي عدوالله وعدو الإسلام والمسلمين وعميل

  4. ما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته». سنن أبي داود.

  5. بارك الله فيكم

  6. الشيخ محمد حسان قيمة علمية وداعية كبير كان موفق في هذه الشهادة أمام المحكمة وحاول أن يرضي الله سبحانه وتعالى لا ننسى أن المحكمة مسيسة لمصلحة النظام وتريد شيطنة الإخوان المسلمين إرضاء لدول الخليج التي وصفت الإخوان المسلمين بالإرهاب مثل داعش مع أن الفرق كبير وأكبر مثال عندنا في الأردن لا يوجد إتهام لهم بالإرهاب شكرا لك أختنا الكريمة على هذا التحليل العادل لهذه الشهادة مع احترامي وتقديري لك اخت الإسلام والإنسانية جمعاء

  7. The negative side of his testimony was so hartfull for the Ismal ans Muslims than the order good things he says. Infortunetly Sheikh Hassan missed the opportunity to make history and make him self immortal.

  8. كما هي عادتك ابدعت ومن واسع اطلاع، لكن كل ما قاله وساند النظام او حاول ان يبرئ نفسه منه لاجل النجاة بروحه النجسة وتقولين انه لا يستحق هذا الهجوم، اين عو من ابو حنيفة اين هو من ابن تيمية وما ذاقوه من عذاب في سبيل الدعوة، الم يكن يعلم أن الروح واحدة وان ما سيجري له هو من عند الله

  9. وتأبي انظمة الجور ومحاكم التسييس الا وان تسوق رموزنا الي المشنقة ولو بالاسئلة التجريمية
    جزاك الله خيرا الاستاذة الفاضلة إحسان وواصلي الليل بالنهار لفضحهم ولا تكلي ولا تملي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *