الرئيسية / مقالات / البواسل المنسيون في مأساة سوريا

البواسل المنسيون في مأساة سوريا

عن مدرك بن عوف الأحمسي، قال: بينما أنا عند عمر إذ أتاه رسول النعمان بن مقرّن، فسأله عمر عن الناس، فذكر من أصيب من المسلمين، وقال: قتل فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم، فقال عمر: لكن اللَّه يعرفهم.

صدق الفاروق، فالله يعرفهم وحسبهم، كم من بواسل قدموا وبذلوا على مر العصور ولم يسمع بهم أحد، فحسبهم أن الله يعرفهم، وكم من بواسل في عصرنا هذا مجهولين لدى الخلق، لكن رب الخلق يعرفهم.

للتوّ عدت من تلك الخيام البالية والأوضاع المعيشية البائسة في تلك البقاع الحبيبة في الشمال السوري، وكم سكبت علي تلك الزيارة التي اصطفاني الله بها من مفاجآت، فلئن كانت المعاناة والأوجاع تحتل وجهًا منها، إلا أن هناك وجهًا آخر أوقد في قلبي مشعل الأمل، لقد كان جانبا مشرقًا في تلك الأزمة المظلمة، هنالك التقيت بواسل من الشعب السوري، تمسكوا بالأرض ولم يترخصوا بالفرار بأنفسهم، رابطوا مع أهليهم وشعبهم، آثروا المقام في الخيام المتهالكة واحتساء حفان من الأرز وجرعات من الماء الساخن والسكنى بجوار المصارف التي تنبعث منها الروائح الكريهة التي تتسبب في الأمراض، منهم أطباء وأساتذة جامعات، ظلوا هناك لبناء الإنسان السوري، يدرسون للأبناء الفيزياء والكيمياء واللغات، يعلمونهم قبلها الإباء والعزة والكرامة.

من الذي يسمع بهؤلاء؟ من الذي يعرف هؤلاء؟ من الذي يتحدث عن هؤلاء وجهودهم وتضحياتهم؟ لا أحد، فلا أحد يعرفهم، لكن الله يعرفهم.

بعدما وصلتُ مضاربي أتتني رسائل تحدثني أن شباب هذه الصفوة الأبية الصامدة قد بكوا، وقالوا: زيارتها لنا كانت علامة فارقة في حياتنا، فقد جعلتنا ندرك أن ما نفعله مقدر، لأننا قد نسينا.

حركت هذه الكلمات الدموع في مقلتيَّ، فأنا لم أفعل لهم أي شيء، لكنني أحذو حذو أحد الصالحين عندما عجز عن ثمن الأضحية يوم العيد، مع شدة تمنيه لها، فناجى ربه: “وأنا يارب تقربت إليك بأحزاني”، لكنني بعد كلماتهم هذه أقول لهم: بل لقائي بكم علامة فارقة في حياتي أنا، فقد أشعلتم في قلبي الأمل والحماس، ولطالما حدثت الناس بعلم اليقين أن هذه الأمة لم تمت وفيها الأباة الأخيار، لكنني أحدث عن ذلك بعد زيارتي بعين اليقين، بعدما عاينت تلك النماذج الصابرة الصادقة المحتسبة، هؤلاء شسع نعل أحدهم خير من ملء الأرض من أولئك الذين باعوا قضايا الأمة، وولوها الأدبار.

وإني لأعاهدكم أيها البواسل ألا أكتفي بتوجيه الأنظار إلى معاناتكم فحسب، وإنما سأبذل قصارى جهدي في خدمة قضاياكم، وطوبى لكم، طوبى لكم، وكأنني عدت من أرضكم بألف وسام على صدري، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

4 تعليق واحد

  1. عثمان الأهدل

    والله يعجز لساني عن وصف ما قمت به، ولا استطع غير أن أقول لك كم أنت عظيمة، أقولها وأنا أعلم أنك لا تحبين المدح.
    فليتني كنت معك في تلك الرحلة ولمست معناة هؤلاء الطيبين وأطفالهم الأبرياء التي تشع من وجههم بسمة البراءة وكأنهم في بحبوحة من رغد العيش.
    جعل الله ذلك في موازين حسناتك ورفعك علوا بين خلائقه في الدنيا والآخرة.

  2. جزاك الله خيرا
    اللهم عليك بالمجرمين ومن والاهم

  3. مازن المرموؤ

    الاخت الفاضلة الأستاذة احسان : حفظك الله ورعاك، نشكرك لهذة اللفتة الكريمة، في وقت غفل – او تغافل – عنهم القريب قبل البعيد!!
    اما الادهى و الأمر… تآمر القريب قبل البعيد.. و المشاركة في ذبح و تهجير و اعتقال و تعذيب الشعب السوري الحر ، منهم من يشارك بالمال النجس و منهم بالعتاد و منهم بالتخطيط الاجرامي الذي يستحي العدو عن ممارسه، و يلقنون ابليس اللعين دروسا في الخداع و الاغواء القذر!!
    ولكن يقيننا بالله اولا واخيرا… ان الحق ظاهر ابلج…. صولاته و جولاته اقتربت ان شاء الله.. بعز عزيز، أو بذل ذليل، طالما الأمة ماضية اليه بهمم الكرام العاملين بإخلاص لله ثم نصرة لاهلهم و امتهم الكريمة المنصورة… رغم ما يعتريها من عثرات شديدة تتحطم على جبال الإيمان و اليقين بنصر الله و رحمته. (و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *