الرئيسية / مقالات / فيما يبدو

فيما يبدو

حين نتأمل ذلك الطائر الذي يحلق في مرعى السماء الخصيب، وينشر جناحيه يطوي الفضاء طيًّا، فأول ما يطرق أذهاننا حالة الحرية التي ينعم بها، أو هكذا يبدو.

وعلى مشية السلحفاة تأتينا أفكار متأخرة، عن تلك التحديات التي يمكن أن يواجهها هذا المخلوق، لتجعلنا نعيد النظر في شأن “ما يبدو”، وهكذا نحن عندما ترتسم صورنا في عقول الآخرين وفقا لما نبدو عليه، والغفلة عن التحديات التي تواجه كل منا في حياته، كم هي الصورة خادعة لا تنقل شطر حقيقة ولا بعضها.

ربما تنقل إلينا هذه الصور الرسائل التى يريد الطرف الآخر بلوغها إلينا أو ربما تكون هي محض افتراضات توافق هوى أنفسنا، ومع تكرار هذه الرسائل تتكون لدينا الصور الذهنية.. كأن “يبدو” الأسد شرسا والفراشة سعيدة والحمار غبيا..

“فيما يبدو”، تلك هي المعضلة، فما يبدو لنا ليس هو كل الصورة، فلكل مخلوق مخاوفه وتحدياته، له مواطن القوة والتميز التي حباه الله إياها، كذلك لديه مواطن الضعف والمعاناة التي لا نعلم عنها الكثير، فهناك دائما ما لا يبدو.

فالعصفور ليس حرًا بشكل مطلق، فهو رغم البِراح أسير، نعم ليس أسيرًا لمخاوف الرزق فهو معلمنا في التوكل، يغدو جائعًا ويرجع شبعانًا، لكن هناك لا ريب مخاوف خطر المخلوقات الأقوى التي لا يستبعد أن يكون لها وجبة دسمة في ليلٍ أو نهار، أو ربما كان خوفه على صغاره في العش من تسلل أفعى زاحفة تلتهم ثمرة فؤاده.

لم نسأل الفراشات يوماً هل هي – رغم ألوانها الزاهية ورشاقة حركتها- سعيدة؟! ربما كانت، أو ربما كانت ترفرف خوفًا، أو تؤدي رقصة الموت.

أشد المخلوقات ضراوة وفتكًا كذلك، لم نسألها عن حُنوِّها على الإناث والأبناء، وذلك الذئب الذي لا يتبدى لنا منه سوى الشر والافتراس، أليس من حقه أن يُشاد ببره لوالديه ووفائه لأنثاه التي لا يميل عنها لغيرها؟ فهناك ما يبدو لنا، وهناك ما لا يبدو.

نتعثر غالباً في هذا الخطأ بسبب سطحية رؤيتنا للأمور أو لإصدار الاحكام بلا تروٍ، فالتروي يعطي لنا فرصة أكبر لنظرة أعمق.. نظرة تحليلية دارسة.. تمكننا من الإطلاع على معظم الصورة و لن أقول كلها.. حيث أن هناك دوماً جوانب خفية لا يسبر أغوارها إلا صاحبها مهما قلبنا وجهنا فيما “يبدو” لنا.. كما أنه لا أحد مطالب بأن يكشف كل جنبات وتفاصيل حياته.. معاناته أو هزائمه..

فلكلًّ معركته الخاصة وساحة نزاله التى قد ينتصر فيها أو ينهزم، وقد يكون غير مستعد لتقديم أي تبريرات.. كما أننا لسنا في سعةٍ من النزاهة المطلقة لتقييمه والحكم عليه..

كل ما يتوجب علينا فقط هو قبول هذا الآخر، وتقبل هامش أخطائه، ومنح الفرص لمعاذيره.. وتوفير الدعم له – إن أمكن – أو على الأقل السماح له بالمرور في سلام، ونعلم في كل الأحوال، أن هناك ما لا يبدو لنا.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

رمتني بدائها وانسلّت… بايدن إذ يتحدث عن إبادة الأرمن

في بعض الأماسي أجلس أمام نهرنا، نهر «الميزوري» العظيم، الشمس تغيب، والغسق يذوب في المياه، …

تعليق واحد

  1. ياليتهم يفقهون معنى حروفكم لتشربت قلوبهم بماء السماحة ولازهرت ارواحهم حبا لخلق الله دونما اي مصلحة سوى أنهم خلقه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *