الرئيسية / مقالات / صراع على هوية الدولة وليس صراعا على النقابة

صراع على هوية الدولة وليس صراعا على النقابة

ما يجري في الأردن مع نقابة المعلمين لا ينفك عن مسار تفكيك المؤسسات ذات العلاقة بالتربية والتعليم في الأردن، واختزال مهامّها بأدوار إدارية تنظيمية، بعيدًا عن جوهر العملية التربوية ومناهجها، عبر عملية قائمة ومستمرة ضمن مسلسل تغيير هوية الأردن.

*نكهة عربية وحكم هاشمي..

نشأ الأردن بميراث قومي عروبي، وبعائلة حاكمة أخذت شرعيتها في الحكم بنسبها الهاشمي، الأمر الذي ترك أثره على كافة قطاعات الدولة، وجاء احتلال الصهاينة اليهود لفلسطين ليُضيف تأثيرًا آخرًا في تكوين بناء وشكل الدولة الأردنية والمجتمع الأردني ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا .
وقد أكّدت فلسفة مناهج التربية والتعليم في الأردن على حضور البعد الحضاري الإسلامي فيها بشكل كبير حيث نصت أنّها:

“تنبثق من الدستور الأردني والحضارة العربية الإسلامية ومبادئ الثورة العربية الكبرى والتجربة الوطنية الأردنية ” كما ذكرت في أسسها الوطنية والقومية والإنسانية أنّ
” الأردن جزء من الوطن العربي والشعب الأردني جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية
وأنّ التمسّك بعروبة فلسطين وبجميع الأجزاء المغتصبة من الوطن العربي والعمل على استردادها، وأنّ القضية الفلسطينية قضية مصيرية للشعب الأردني، والعدوان الصهيوني على فلسطين تحدٍ سياسي وعسكري وحضاري للأمة العربية الإسلامية بعامة والأردن بخاصة وأنّ الأمة العربية حقيقة تاريخية راسخة والوحدة العربية ضرورة حيوية لوجودها وتقدمها “

*اغتيال فلسفة التعليم الأردني..

هذه الفلسفة التي يجري اغتيالها وتفريغها من مضمونها جريًا خلف متغيرات ثقافية يُراد فرضها، هي أساس الصراع القائم، والذي يتمثل على شكل خلافات بين نقابة المعلمين والحكومة.
لقد رفض الأردن طوال عقود سابقة طلبات من مؤسسات دولية بحذف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالحديث عن اليهود، ورفض حذف أي دروس تتعلق بالصراع العربي الصهيوني، كما صرّح بذلك وزير التربية والتعليم الأسبق اسحاق الفرحان رحمه الله.
لكن ومنذ اتفاقية السلام المشؤومة مع العدو الصهيوني بدأ تغيير كبير على مستوى الدولة في الأردن، قفز على كراسي الدولة أزلام اتفاقية السلام البائس، وبدأ مسير تغيير مناهج التربية والتعليم في الأردن بشكل تدريجي لتتفق مع المرحلة القادمة، وتحويل العدو لصديق وفتح البلاد له.
حُذِفت آيات وأحاديث تتحدث عن اليهود وتم وقف تدريس مادة القضية الفلسطينية في المدارس والجامعات.
وصولًا للعام 2016 الذي تمت فيه تعديلات كبيرة جملة واحدة، فحُذفت مئات الآيات والأحاديث من الكتب في عملية سلخ واضحة للمجتمع عن أصل هويته الحضارية الإسلامية.

أكاديمية الملكة تصادر تدريب المعلمين

مع مراحل تغيير المناهج ظهرت برامج أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، الممولة بدعم خارجي كبير، مع تخصيص نفقات لها من موازنة الدولة، حيث انتزعت مهمة التدريب من وزارة التربية والتعليم، وافتتحت مركزها داخل حرم الجامعة الأردنية، بعقد إيجار بخس الثمن، طويل الزمن، بعد الإطاحة برئيس الجامعة نفسه لممناعته التفريط بأرض أم الجامعات الأردنية بهذه الصورة.

*سلخ المناهج عن جذورها..

بقيت عملية إعداد المناهج وتطويرها بيد وزارة التربية والتعليم، والتي تشكل مؤسسة عميقة بنيت بجهد شخصيات وطنية وعروبية وإسلامية، لذا كان سلخ كل المعاني الوطنية والقومية والإسلامية من المناهج ورغم كل التعديلات يواجه عملية رفض ضمنية، ويتم ببطء لا يتّفق وما يريده صُناع القرار والعقد الاجتماعي الجديد، ورغم كل التعديلات كان لا يزال في المناهج بقية خير، لذا تسارعت الخطى لفصل عملية إعداد المناهج وتطويرها عن جسم وزارة التربية والتعليم بكل مؤسسيتها العريقة، التي شادت مناهج دول عربية عدة وأسست صروح التربية والتعليم فيها.

جاء إنشاء المركز الوطني لتطوير المناهج في الأردن حلقة خطيرة في تخريب مناهج الأردن، ورمت الحكومة بهذه الخطوة جهد الدولة في البناء التربوي الذي بذلته منذ تأسيسها خلف الظهر، وألقي تاريخ الخبرات الأردنية التي صاغت أجود مناهج التربية والتعليم جانبًا، وهي بالمناسبة خطوة تأخر في تنفيذها الوزير الأسبق محمد الذنيبات، الأمر الذي جعل سيدة القصر تطيح به من الوزارة رغم ما قدّمه من جُرأة في تحمل مسؤولية تعديلات المناهج عام 2016 وجيء بعمر الرزاز ليستكمل حلقات التغيير جذريًا بخطى هادئة، وجدير بالذكر أنّ بعض ملازم تعديل المناهج جاءت من السفارة الأمريكية مباشرة، بل كُتبت التعديلات والملاحظات باللغة الإنجليزية حتى فيما يتعلق بمناهج التربية الإسلامية.

*نقابة المعلمين وترويض النمور..

بعد المضي بأمر تدريب المعلمين والمناهج، كانت المرحلة اللاحقة تتعلق بقانون نقابة المعلمين، فقد شكل وجود النقابة التي جاءت على كره من أجهزة الدولة ورأسها، وتحت ضغط أحداث الربيع العربي، قلقًا كبيرًا، لما يشكله أعضاؤها من ثقل كبير، عددي ونوعي وما تمثله من انتشار اجتماعي، سيشكل عائقًا أمام سيطرة سلطانة دابوق والجندويل على عملية التربية والتعليم في الأردن، وتنفيذ مراحل تفريغ مؤسسات الدولة الخاصة بالتربية والتعليم من مهامها.

جاء تعديل قانون نقابة المعلمين قبل عامين تقريبًا ليشكل حاجزًا يمنع وجود قوة مؤثرة تقود النقابة، وليحدد اختصاصات عملها بشكل يجعلها أقرب لجمعية تعاونية تكافلية، ترعى شؤون أعضائها، دون أي قدرة على التدخل لحماية حقوقهم الوظيفية، أو المشاركة في إعداد المناهج وتطويرها، مع أنّهم الجهة الأكثر أهلية لذلك، بحكم أنّهم في الميدان يطبّقون هذه المناهج، ويمتلكون التغذية الراجعة من المدارس حولها بكل تفصيل .

*كولينز … الملكة مكان الدولة..

لم يتم الاكتفاء بسلخ المناهج عن وزارة التربية والتعليم، ولا منع نقابة المعلمين من أي حضور مؤثر في إعدادها، فكانت المفاجأة بفرض مناهج من إعداد شركة أجنبية ” كولينز ” تنزع من المناهج ما بقي من روح وطنية في منهجي العلوم والرياضيات لطلاب الأول والخامس الابتدائي، وأن يتم ذلك خارج إطار الدستور والتشريعات، كما هي كل إجراءات الحكومة بهذا الصدد، وذلك بفرض وبتوجيه مباشر من الملكة، وهذا سر عدم طرح أي عطاء لذلك، وتنفيذه في مدّة وجيزة، وعدم محاسبة من فعل ذلك، خصوصًا بعد الضجّة الكبرى على ذلك، واكتشاف أخطاء فادحة في المناهج.

*شجرة بلا ورق وثمار..

بعد فصل التدريب وإعداد المناهج عن وزارة التربية والتعليم الأردنية تم فعليًا تحويل الوزارة من بيت خبرة عريق صدّر المناهج والمعلمين إلى الدول العربية إلى ما يُشبه إدارة شؤون للموظفين تتابع دوامهم وإجازاتهم وإجراءات تعيينهم واستقالاتهم لا أكثر، في عملية تدمير مؤلمة لمُنجَز كان الأردن يُفاخر ببنائه بأيد وطنية، قبل أن تعبث به أياد الملكة، ويصبح شجرة بلا ورق وثمار..

*النمور تبقى نمور ..

الجهة الوحيدة التي بقيت تطلب حقها وتعمل على استعادة دورها، وبقيت متيقظة لما يجري كانت نقابة المعلمين، وبالذات مجلسها الحالي، فالنقابة بعد الانتخابات الأخيرة، وبالتحالف الوطني الإسلامي الذي شكّل مجلسها، شكّلت عائقًا في وجه ما يجري للعملية التربوية في الأردن، وساهم حضورها بما تشكله من ثقل، وتأثير في كل مناطق وبيوت المملكة، ورغم قصقصة قانونها، وعملية تقزيمها، في أن تكون السد الأخير الذي يمكنه التصدي لتغيير هوية الأردن وغسل أدمغة أجياله.

*إضراب ودرس الكرامة يقلب الطاولة…

لم يكن إضراب النقابة قبل عام شكل من أشكال المطالبة بالحق المادي فقط، ولا مطالب وهموم تنحصر بفئة المعلمين – مع أنّ بعضها تشاركهم بها قطاعات عمالية ومهنية أخرى – ، كان الإضراب الأطول في تاريخ الأردن إثبات للشعب أنّه لا مستحيل مع الإرادة، وأنّ الحقوق تنتزع، وأدى المعلمون أعظم درس في الأردن لطلبتهم وللمجتمع، كان درسًا في تحقيق الكرامة، ولم يعد المعلم الأردني قبل الإضراب هو المعلم الأردني بعده، فانتقل من ردّ الفعل إلى الفعل والتأثير، وغيّر إضراب المعلمين ما كان سائدًا من تصوّرات عبرت عنها أمثال أردنية ( حط راسك بين الروس ) ( الكف ما بتناطح مخرز ) ( امشي جنب الحيط وقول يا رب الستر ) ، لقد زجّت الحكومة بالقضاء في وجه الشعب فلم تفلح، وتطوع كتاب التدخل السريع لمساندتها بتشويه المعلمين ولم تفلح، وكان الإلتفاف الشعبي هو الأعظم في تاريخ الأردن حول فعل نقابي رأوه يعبر عن همومهم جميعًا ، وجاء نجاح الإضراب ثمرة ذلك كله.

عودة مسلسل الاستهداف ..

ما يجري حاليًا هو تنفيذ عملي لتغريدة الملك بعد انتهاء الإضراب العام الماضي، لم يتصرف كملك وقتها، كان الجميع ينتظر منه كلمة جامعة، تشيد بحالة وطنية تحدث في كل الدول الديمقراطية، لكنّه تكلّم كصاحب ثأر، فهو لم يحتمل وجود جهة مؤثرة بين الشعب، ويشكل عملها التصاقًا بثقافة المواطن الأردني وعقيدته، وتقف عقبة في وجه مشاريع تغيير مناهج التعليم القائمة على قدم وساق ،منذ انتهاء الإضراب وأجهزة الحكومة في الأردن لم تتوقف عن محاولة تفكيك الحالة الشعبية التي أوجدها، والإنقضاض على النقابة، لكنّ أزمة وباء كورونا حالت دون التعجيل بذلك.

*لوازم التطبيع والتركيع …

لقاء الملك بابن زايد الذي سبق إجراءات الحكومة ضد المعلمين لم يكن حول جماعة الإخوان المسلمين أو نقابة المعلمين بشكل خاص، بل كان وساطة إماراتية بينه وبين الصهاينة حول صفقة القرن وما يتعلق باستكمال الاستيلاء الرسمي للصهاينة على مناطق الضفة الغربية فيما يعرف بخطة الضم، ومن لوازم تمرير هذه الصفقات بهدوء لجم أي قوة لا تزال مؤثرة في الوقوف ضدها ومنها نقابة المعلمين.

*المناهج ثم المناهج رحى المعركة..

وشكّلت نقاشات النقابة خلال اجتماعات نائب نقيبها مع مركز تطوير المناهج وتأشيرها على الخلل الكبير القادم ورفضها له سببًا رئيسًا في الاجراءات الأخيرة والتعجيل بوأد أم النقابات المهنية.

النقابة عنوان ومجرد موجة ظاهرة فوق السطح، وما يجري في الأعماق ويستهدف هوية الأردن أمواج أكبر وأعظم، ليست النقابة وحدها في خطر، وما عملية حل مجلسها لعامين إلا تأشير على خطر كبير يتهدد المجتمع بأسره، وعلى تغييرات جديدة على المناهج يراد لها أن تمر دون ضجيج ، والخطر هو على الأبناء والأجيال القادمة.

*إنّما النصر صبر ساعة..

الصراع في الأردن صراع هوية بين تيار ليبرالي مدني متصهين تغلغل في مفاصل الدولة الرسمية، ويتحكم بمفاصلها الأمنية، ويُدار من أروقة القصر مباشرة، تمامًا كما يتم إدارة أزمة النقابة من القصر مباشرة ، غذته سفارات أجنبية طوال عقود، وبين نقابة تشكل بتركيبتها هوية المجتمع الأردني وتعكس إرادته، وانتمائه العربي الإسلامي وهويته الوطنية الحقيقية، المعركة قاسية، ونتائجها ليست بسيطة، وواضح أنّ العقل السياسي للدولة لم يستوعب درس إضراب المعلمين، وأنّ استنساخ تجربة مصر في اتهام أي جهة يتم استهدافها بالأخونة والتسييس تمت بغباء، ولا تصلح في الأردن، لذا ارتدّت سلبًا على الحكومة، لا تزال معركة الأنفاس وعض الأصابع مستمرة، الشعب مع النقابة يتفاعل ويتظاهر ويعتصم مؤيدًا لحقّها، والحكومة تعتقل وتحاكم، وترسل الوساطات والرسائل السرية لعدة أطراف في محاولة لاحتواء التظاهرات الشعبية التي فاجئتها، والنقابة ثابتة على حقها، وتطلب دورًا حقيقيًا لا شكليًا في العملية التربوية، والنصر صبر ساعة

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

تعليق واحد

  1. اختي العزيزة الغالية

    ابدعتي كعادتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *