الرئيسية / مقالات / أسطورة محاربة الفساد في الأردن

أسطورة محاربة الفساد في الأردن

في نهاية الثمانينيات هبط سعر صرف الدينار الأردني إلى النصف، أفلست الخزينة، باعت الدولة رصيدها من الذهب، انهار بنك البتراء وهرب رئيسه العراقي أحمد الجلبي بمئات الملايين خارج الأردن، ولم تستطع الحكومة إعادته أو لم تُرِد ذلك ..


خرج الشعب بمظاهرات عمّت الأردن في هبة نيسان الشهيرة، ولامتصاص غضب الشعب، أُقيلت حكومة رئيس الوزراء زيد الرفاعي، وأُجريت انتخابات نيابية بعد غياب لعدة عقود، وجاء مجلس نواب جديدوعندما مضى مجلس النواب لكي يحاكم رئيس الحكومة زيد الرفاعي وبعض وزرائه، ومنهم د. فايز الطراونة “”وزير التموين” آنذاك، نجى الرفاعي من توجيه الاتهام له بفارق صوت القومي العريق المعارض “حسين مجلي” خلال التصويت..ونجا بقية المُتّهمين من الحكومة من إجراءات التحقيق والمحاكمة بعفو ملكي !


*تدور الأيام ويعود زيد الرفاعي رئيسا لمجلس أعيان الملك ويعود فايز الطراونة الوزير المتهم سابقا، ليتولى رئاسة الحكومة ثم رئاسة ديوان الملك !
يتولى زيد الرفاعي عام 2016 أيضا رئاسة لجنة تطوير القضاء مع أنه صاحب أكبر مجزرة قضائية عام 1989 م، يوم أحال ما يقارب ال 15 قاضيا من أعلى مواقع القضاء “أنفسهم” على التقاعد بسبب تهديداته ..
إذن هكذا يحارب الفساد في الأردن !


في الأردن مقولة شهيرة يتندّر بها الناس، تقول:(لدينا فساد لكن ليس لدينا فاسدين )!
فمسار الحكاية، مسؤول يتولى مهامه ويحظى بثقة الملك، ثم يضج الناس من فساده، فيُقال من موقعه، ولا تتغير قراراته، يحاكم فيخرج بريئا، أو غير مسؤول عما جرى، أو بتسوية تغسل ذنبه، أو يُغلَق الملف بعفو ملكي، وربما لا يحاكم من الأساس ولا يُهان، وربما تُلقى التهمة على غيره من أكباش الفداء، ثم يعاد تدويره ليعود من خلال موقع آخر، تزين وجهه إبتسامة صفراء تُعرف بها وجوه اللصوص، مُبشّرا بعهد جديد من الإصلاح المزعوم.


*الجدير بالملاحظة أن أغلب من حُوكموا او تم تقديمهم للمحاكمة ممن تولوا مناصب مدنية وعسكرية عليا، كُلفوا بمهامهم من الملك وقد أقسموا اليمين عند الملك على القيام بواجباتهم بكل أمانة وإخلاص وتولوا لديه أرفع المناصب وتداوروا عليها !


*لو استعرضنا في الأردن كل قضايا الفساد التي زعموا حربها، وكل شخوص الفاسدين، لوجدنا أنها مجرد استنساخ للمشهد مع الاختلاف فقط في الفترة الزمنية والأسماء.
يوما ما استغرب الناس في الأردن إخراج فاسد من سجنه للعلاج في الخارج، واعتبروا إعادته للسجن إنجازا، وكأنهم نسوا أن هناك من خرج من تهمه ليعود رئيسا لمجلس أعيان الملك أو عضوا في مجلسه، أو رئيسا لديوانه، أو رئيسا للحكومة وبتكليف من الملك.


*السؤال هنا لم يخرج النظام كل فترة بحكاية فساد جديدة، أبطالها رسميون، وأمنيون؟
-ببساطة، إشغال الناس عن همهم اليومي والمعاشي يتطلب ذلك، وصراعات مراكز القوى في الحكم على الكراسي وتنازع الغنائم تُحتّم ذلك، وإلهاء الناس عن أخطار مشاريع الكيان الصهيوني تتطلب ذلك،ولوازم خطابات الاستهلاك المحلي لإيجاد الشعبيات تسلتزم ذلك من نظام لم يتخذ الاصلاح نهجا حتى اللحظة ..


*لن استطرد في حكايات وأمثلة، فما قلناه وضّح كيف تسير العربة ولنتحدث عما يجري الآن في الأردن، فجأة الحكومة الضعيفة التي يجهل أغلب الشعب أسماء من فيها شربت حليب السباع وبدأت بعمليات مُداهمة لشركات ومكاتب شخصيات كبرى يملكها أقطاب في لعبة النظام السياسية ومن خدمه ..


*الحكومة بدأت بتوجيه دوائرها على رأسها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، تجاه عدة شخصيات بعينها، على طريقة “ابن سلمان” لكن بأسلوب أكثر رقّة، وتحولت أجهزة الدولة التي يُفترض بها محاربة الفساد والحفاظ على المال العام إلى أدوات بلطجة سياسية، تُوجَّهُ بانتقائية ضد كل فاسد يُراد إنهاء وجوده في مسرح الأحداث، أو لإعادته لحجمه الذي بدأ منه، أو لاستبداله بفاسد آخر أعلى منه مكانة،او أكثر منه قُربا للقصر العامر بلصوص المال العام ..


*يتحدثون الآن عن رئيس الوزراء الأسبق عبدالله النسور وعلاقته بعطاء تمت عليه تعديلات ضاعفت قيمته بالملايين، لكن يغفلون عن سؤال ومحاكمة عبدالله النسور على إنفاقه مليار ونصف خارج موازنة الدولة، وعن زيادة المديونية في عهده زيادة قياسية بالمليارات.


*قدموا وزيرا إلى مجلس النواب لمنح النيابة العامة إذن ملاحقته في قضية بمئات الآلاف، وتركوا عشرات العطاءات المشبوهة التي مررها وتُقدّر قيمتها بمئات الملايين بل تجاوزت المليار، في مشهد حكاية من قتلوا الحسين ثم عكفوا يتساءلون عن حكم قتل الذباب في الحرم !


*رئيس مجلس النواب وأشقاؤه على القائمة في لعبة تصفية الحسابات وتخلية الساحات، وهو يرأس المجلس الذي تحول لمجلس مقاولات وعطاءات على حساب مصالح الشعب المقهور، وباتت لجانه، خط الدفاع الأول عن الفاسدين ومقبرة لقضاياهم، تمنحهم صكوك الغفران وتعمل على مبدأ:( إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ) !


*سبقتهم جميعا قضية ” الدخان والسجائر ” وأبطالها ما بين مُفرج عنه او سجين وآخرون ماتوا بعد الاعتقال ودُفنت معهم أسرارهم وأسماء شركائهم ..
العجيب أن قضايا هؤلاء التي تبرز الآن طُرحت سابقا ومنذ سنوات، وبُحّت أصواتٌ من مختلف المواقع تتحدث عنها دون أن تُحرّك السلطات ساكنا، بل ارتقى اصحاب هذه القضايا في مراكز سيادية وقيادية في إدارة الحكم في الأردن، ونالوا أعلى الأوسمة، بل ومن الملك، (الذي يؤكد أنه سيضرب الفاسدين بيد من حديد) !
*ما يجري هو عملية تسويق للوهم والتعامُل مع ذلك الوهم وكأنه حقيقة، فالأردنيون لا يُصدقون بأن نظامهم الحاكم جاد في محاربة الفساد، فالنهج لا زال هو النهج في الحكم وإدارة الدولة الأردنية تتم بعقلية إدارة الشركات والاستثمارات ( وليتها تكسب )، والسلطة الملكية الفردية المطلقة تترسخ أكثر فأكثر ..


يُقال بأن الأفعى لا تعض بطنها، لكنها تُغيّر جلدها، هذا واقع حال النظام في الأردن من إطاحة الفاسدين بالفاسدين في لعبة الكراسي التي وُرثت عن إدارة الحُكم السابقة.


الخلاصة، إن ما يشهده الأردن تلاعب بالشعب، وتغييب للذاكرة، وإلهاء عن أصول القضايا وأساس الفساد ، وصرف للنظر عما يجري تحت الطاولة مع العدو الصهيوني وترتيبات صفقة القرن وضم الضفة الغربية، والدليل ما يلي :


1- لماذا لم يحاكم من باعوا مؤسسات الأردن وشركاته ؟!


2- لماذ لم يتم التحقيق في أين ذهبت أموال بيع تلك المؤسسات وخصخصتها؟!

3- لماذا لا تزال الهيئات المستقلة قائمة تستنزف مليارات الدنانير سنويا وتشكل دُولا داخل الدولة؟!


4- لماذا يتم إنشاء مؤسسات ومكاتب ترتبط بشخصيات في القصر والعائلة الحاكمة ويُنفق عليها من موازنة الدولة ؟!يُمكنكم البحث عما يرتبط بالملكة وحدها من مؤسسات ..


5- لماذا يعود بعض من حُوكموا او اتُّهموا، ليُصبحوا أعيانا ووزراء ومسؤولين، هل ماسكين على الكبار مماسك مثلا؟!


6- لماذا سُمِح بفرار كبار من أهدروا مال الشعب ولم يتم القبض عليهم( وليد الكردي زوج الأميرة الهاشمية بسمة بنت طلال) على سبيل المثال؟!


7- كيف يتولى رئاسة جهاز مكافحة الفساد في الأردن شخصية تلاحقها سمعة سيئة حول تزوير شهادات الشهود في قضية النفير ضد ليث الشبيلات الشهيرة في بداية التسعينيات ؟!


8- لماذا تم إنهاء خدمات وعقود بعض الموظفين الرسميين ممن تقدموا
لدائرة النزاهة ومكافحة الفساد بالشكوى ضد فاسدين، ويتم استدعاؤهم
لجهاز المخابرات للترهيب والترغيب ؟!


9- ماذا فعل المدعي العام مع إحالة أربعة وزراء سابقين إليه ، فلم يسمع أحد عن قضاياهم بعد ذلك ؟!

10- لماذا لا يتم تأميم كافة المؤسسات التي بُنيَتْ بعرق وجهد الأردنيين واستعادتها ؟!

11- أخيرا لماذا يأتي الفاسدون من بطانة الملك ويعودون إلى بطانة الملك ثم يتم تكليفهم مرّة أخرى من قبل الملك او يتم تصديرهم باسم الملك لخدمة ملوك آخرين؟!وعليه:النهج المنحرف في الحكم لا يجعل مسار البلاد مستقيما ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

3 تعليق واحد

  1. السمك يفسد من رأسه ، ولم ولن نسمع ان عض الكلب ذيله

  2. ملك ملك كله منه

    ملك ملك… كاني سمعت اغنية يتقول اشي مثل هيك!!!

  3. بصراحة ابدعت . والفساد ينبع من رأس الهرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *