الرئيسية / مقالات / ‎تعليقا على رسالة الملكة رانيا المُوجّهة للشعب الأردني

‎تعليقا على رسالة الملكة رانيا المُوجّهة للشعب الأردني

نجح رئيس الوزراء البريطاني تشرشل إبان الحرب العالمية الثانية في قيادة الرأي العام لبلاده باقتدار عن طريق اتباع أسلوب مغاير لما كانت عليه النازية والفاشية، وهو أسلوب عرض الحقائق إلى أكبر عدد ممكن من الشعب لحمايته من الحرب النفسية، على أساس أن الحقائق الملموسة أشد وأبقى أثرًا من الشائعات والأكاذيب والتضليل.
‎ولما غاب هذا الأسلوب عن أنظمة الأمة، صار بينها وبين الجماهير تباين كبير ومسافات شاسعة بين مصدر الرسالة ومتلقيها، فأصبحت في واد والشعوب في واد آخر، وأضحت خطابات القيادة شيئًا، وواقع الناس شيئًا آخر.
‎تحديدًا هذا ما يحدث في بلدنا الأردن، دأبنا على استبعاد المصارحة والشفافية، فتأتي بيانات البلاط الملكي بعيدة عن واقع الأردنيين، فلا يجد القوم عند اشتداد الأزمات سوى التأكيد على المنفي أو نفي المؤكد.
‎رسالة العتاب التي وجهتها الملكة مؤخرًا إلى الشعب الأردني، عكست شعور النظام بأزمة حقيقية ضربت (أساس و جوهر) العلاقة بين الجماهير وبين (القصر)، ومن حق الملكة -و لا ننكر عليها ذلك-أن تخرج للرد على ما أسمته التنمُّر والتشكيك في الإنجازات، وليس لأحد أن يُجرّح فيها ويتجاوز النقد الموضوعي وطرح وجهة نظره إلى النيل من شخص الملكة واقتحام حياتها الخاصة التي لا علاقة لها بالشأن العام، وحاشا لله أن نؤيد طعن عرض أي امرأة او التشكيك في عفّتها فضلا عن أن نتعالى على الخلق بالأنساب وهمز الأصول، ومن يفعل ذلك فهو لا يُمثّل الا نفسه وثُلّة من شرذمة لا نحترم أسلوبها في الاعتراض ولا نؤيد منهجهم في النقد والتجريح، ولنا هنا وقفات:
أين هي هذه الإنجازات يا زوجة ملك بلدي؟
و ما علاقة الملكة بالشأن العام أساساً؟
و هل تكرار التدخل في أعمال السلطة التنفيذية أعطاها الحق بذلك ؟
‎الملكة تحدثت عن إنجازاتها من الزاوية التي تحب، فقد تكلمت عن انخراطها في العمل بعدة مجالات أبرزها تطوير التعليم وإنشاء أكاديمية الملك رانيا لتدريب المعلمين للنهوض بالمعلم وإعداده للعملية التعليمية.
‎لكن هناك زاوية أخرى ينظر من خلالها قارئو المشهد في الشعب الأردني يحتم على الملكة أن تصغي للأصوات الناقدة، على الأقل حتى يكون الرد متسقا مع واقع المملكة.
‎القضية ليست قضية إنشاء مؤسسة لتطوير التعليم، المشكلة الرئيسية أنها ترجمة لسياسة المؤسسات الموازية التي اتبعتها الملكة برعاية ملَكية حكومية والتي وصلت إلى 11 مؤسسة إضافة إلى مؤسسة الأكاديمية، تلك المؤسسات التي تزاحم بها القطاع العام والخاص معًا، ويتم ذلك تحت مظلة العمل على التحديث العصري مقحمةً نفسها بالعمل العام دون سند تشريعي.
‎وهل يلزم من التحديث الإنفاق الطائل على تلك المؤسسة بينما يواجه التعليم الحكومي تعنتا من قبل الحكومة كان أبرز مظاهره إضراب المعلمين عن العمل مطالبة بحقوقهم التي أدارت الدولة لها ظهرها؟
‎لمصلحة من هذا التعدي السافر على الوزارة؟ هل هو إقرار بفشلها؟ علمًا بأن التعليم الأردني رغم تعثره الحالي إلا أنه كان منذ عهد قريب من أفضل المنظومات التعليمية في العالم العربي.
‎وهل من المقبول أن ينصب التركيز في جانب تطوير المعلم بينما تترك البيئة التعليمية هملًا؟ فأين صيانة المدارس، وأين الاهتمام بمرافقها ومقاعدها الدراسية وتكدس التلاميذ فيها، وأين العمل على تطوير المناهج التعليمية وتنقيحها بما يتناسب مع هوية المجتمع؟ وأين الاهتمام بالوسائل التعليمية الحديثة؟ بل وأين الاهتمام بالبنية التعليمية عمومًا، وأين الاهتمام بتطوير البحث العلمي؟
‎هل من الإنصاف احتكار الأكاديمية لخدمات التدريب في تطوير المسار المهني للمعلم، بينما يحرم منها السواد الأعظم من المعلمين؟
‎ثم هل من المقبول أن نُعرّض طلبة الامتياز في الجامعات للحرمان من دورهم التنافسي في التوظيف؟ وماذا يفعل خريج الجامعة الذي لا يملك تكاليف الالتحاق بالأكاديمية التي تحظى برعاية خاصة يكون لها الأولوية في التوظيف؟ فيكفي أن يكون المدرس خريجا لأكاديمية الملكة، وليذهب خريجو الجامعات المنتظرون في طوابير التوظيف إلى الجحيم مما يعني خلق طبقية جديدة في مجال حيوي و مهم كمجال التعليم و الاعتداء الواضح الصارخ  على أسس و قيم التعليم و أهمها تقليل الفجوات بين ابناء المجتمع الواحد.
‎إذا كانت الأكاديمية تعبيرا عن فشل التعليم في الجامعات الأردنية، فالأولى أن يتجه الجهد صوب إصلاح وتطوير منظومة التعليم الجامعي بدلا من إنشاء مؤسسة موازية تتعدى على النسق المؤسسي العام للدولة، خاصة وأن الملكة مع احترامي لها ليس لها صفة دستورية في إنشاء وإدارة هذه المؤسسات بعيدا عن الوزارات. ولا نرى بأي حال من الأحوال ان التدخل المستمر يعطي حقوقا مكتسبة للملكة  على حساب الوزارات و المؤسسات الدستورية.
‎الأوْلى إعادة المنظومة التعليمية إلى عهد تألقها وعراقتها والتخلص من البيروقراطية التي أنهكتها، بدلا من اتخاذ مسار آخر يكتب شهادة وفاة التعليم الحكومي ويكون حجر عثرة أمام القطاع الخاص كذلك والذي لا يجد التكافؤ مع مؤسسات التعليم التي أنشأتها الملكة فقد أصبحنا امام دولة داخل الدولة و لا أظن ان ذلك من مصلحة أحد  بمن فيهم الملكة.
‎فتح الأبواب لهذه المؤسسات الموازية في الدولة – على شذوذها عن النسق العام الرسمي وتعارضها مع مراعاة الأولويات ودورها السلبي في مسار التعليم الحكومي والخاص – صورة أخرى من صور البذخ وتبديد الموارد الذي تعيشه البلاد، في ظل الوضع الاقتصادي السيئ.
‎ولقد هالني ما نشره الملك على مواقع التواصل الاجتماعي من أن تحسين الواقع المعيشي لرفاق السلاح من المتقاعدين العسكريين له الأولوية لديه.
‎يا من تولّيت أمرٌ الأردنيين، نسألك: أين بقية الشعب؟ أين المدنيون؟ أين القطاع الحكومي؟
‎كنا نأمل أن يتم العمل بهذا الحماس على تحسين الوضع المعيشي للشعب بجميع فئاته، فهو شعب واحد ومنظومة واحدة، لكن فيما يبدو أن هناك عدم تقدير لحالة الشارع الأردني الذي يزداد غليانه، فعلى النظام الأردني أن يعي جيدا أن ثورات الربيع – التي تحاول الملكة تخويفنا بها بشكل غير مباشر-ليست بعيدة، وأن الضامن لعدم نشوبها في البلد هو تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد المالي والإداري وإصلاح القصر الملكي وتطهيره من العابثين وبطانة السوء التي يتم تقريبها وانتدابها بالمحافل الدولية لتُمثل المملكة لهيئة تُعجب القصر ربما او للكنة يعتبرونها أكثر تحضّرا ورُقيّا، لا نُطالب بتطهير قصركم العامر بسماسرة لصوص المال العام من أجلنا نحن كأردنيين وحسب، بل حفاظاً على العرش كمؤسسة.
و أخيراً لي كلمة اوجهها للملكة المصون:
نحن نقدر لك تضحياتك واهتمامك ومبادراتك، وحيث أن ذلك كله لم يجر عليكِ الا الخذلان فإننا ننصحك بالتوقف عن ذلك كله والرأفة بنفسك وأن تعودي الى قصرك معززة مكرمة و تتركي هذا الهم فهناك سلطة تنفيذية ألزمها الدستور بالقيام بهذا الامر لمصلحة الشعب وعليها الاضطلاع به.
دعونا ننفذ أحكام الدستور وليقُم كلٌّ بواجبه الدستوري حتى ننعم بدولة حضارية قائمة على مبادئ العدل والمساواة التي نظمها ديننا الحنيف (دين أغلبية هذا الشعب المُسلم المحافظ الذي ينبذ العلمانية والتطرف العلماني كما التشدد الديني والتعصّب)، دولة حضارية تقوم على مبدأ احترام الفصل بين السلطات وتكريم مؤسسة العرش وعدم الزج بها بأمور السياسة و الاقتصاد.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

دراما ابن زايد تعلن الحرب على فاتح القسطنطينية

«قد نبشتُ قبور ملوكهم السابقين والمتأخرين الذين لم يخافوا من هيبة آشور، والذين أقلقوا أسلافي …

6 تعليق واحد

  1. العرب المستعربة

    مبدعة دائما استاذة احسان..

  2. فريد الجزائري

    ما شاء الله مقال جميل مرتب تتحدث فيه الكاتبة بكل وضوح تعالج فيه قضية التعليم كأنها مفتشة عامة و يا ليت المفتشين مثلها في معالجتها و طرحها و نقدها و في تقديمها لدليلها و برهانها و قرائنها و في إحترامها للإختصاص ، و فوق الأسلوب الرائع الذي تتحلى به فهي صاحبة أدب راقي فهي إن عارضت و إعترضت تأدبت في ردها و ارتقت إلى ما فوق الخوض في الشخصية و السير الذاتية لمن خالفتهم الآراء و انتقدت خططهم و تصرفاتهم العرجاء ، فتحية لها و لكل ماجدة في بلادنا العربية و الإسلامية.

  3. ما شاء الله مقال في قمة الروعة يضع النقاط على الحروف ويوضح جوانب سلبية في النظام الاردني القائم وباسلوب حضاري بعيدا عن الانتقاد اللاذع والتعصب ..اننا بحاجه فعاليه لمثل هذه التوجهات التي قد تعمل على تحسين الاوضاع اذا كان هناك من يصغي ويتعظ بما يجري حولنا من احداث واوضاع قد تنتقل الينا باسرع ما نظن ..اسأل الله ان يجنب هذه الامة ان تظلم نفسها بنفسها وللكاتبة الاستاذه احسان الفيقه جل الاحترام والتقدير …تحياتي

  4. أحسنتي الكتابه

  5. لحسن الجزائري

    هذه آفة معظم الدول العربية الارتجالية في العمل وتدخل فلان او علان في شان لا يعنيه والدروس على هيئات رسمية مختصة في محالها من المفروض هي المخولة بها.
    في أمتنا العربية اجتمعت فيها الرداءة والانتهازية لتلد هذه الكوارث التي نعيشها الان والتي ان لم تستدرك الأمور ستكون نتائجها وبالا على الاجيال القادمة.
    بارك الله فيك على المقال الرائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *