الرئيسية / تقارير / السعودية2018 : مقتل جمال خاشقجي الحدث الأبرز بكل تداعياته

السعودية2018 : مقتل جمال خاشقجي الحدث الأبرز بكل تداعياته

شهد العام 2018 متغيرات جذرية أطاحت بالكثير من الثوابت في توازن القوى بالمنطقة، وتحولات في القيادة الإقليمية والدور الريادي لبعض مراكز القوى التقليدية في المنطقة، أهمها المملكة العربية السعودية.

الدور الإقليمي، بل والعالمي، للمملكة العربية السعودية وتحالفاتها الواسعة أبرزت المملكة كدولة إقليمية بالغة التأثير في محيطها العربي والإسلامي الذي يتأثر بمواقف المملكة في سياساتها الخارجية، أو بالمتغيرات التي تشهدها في الداخل، سواء ما يتعلق بالإصلاحات السياسية أو القطاع الاقتصادي وفق رؤية 2030 التي أسس لها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في عام 2016.

إن التحولات في الداخل السعودي وفق رؤية 2030 أدت إلى تغيرات جوهرية في مجمل الاقتصاد السعودي، والواقع الاجتماعي بدرجة أقل تمثلت في الانفتاح على قيادة المرأة للسيارة وفتح دور السينما وإقامة الحفلات الغنائية والسماح بحضور المرأة إلى الملاعب الرياضية وغيرها من “المحرمات” قبل عام 2018.

يسعى ولي العهد لإعادة هيكلة الاقتصاد السعودي وتقليص الاعتماد على إيرادات النفط وخلق المزيد من الفرص الاقتصادية للشعب السعودي وجذب الاستثمارات الخارجية بما يتوافق مع رؤية 2030 التي ينظر إليها على أنها خطة إصلاح اقتصادي طموحة تتعدى الجانب الاقتصادي لتشمل الإصلاحات الاجتماعية والسياسية أيضا.

وإذا كان تولي محمد بن سلمان ولاية العهد في يونيو/حزيران 2017 هو الحدث الأبرز لذلك العام مع الإمساك بمعظم القرار الأمني والسياسي والاقتصادي السعودي، فإن مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في 2 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، هو الحدث الأبرز لهذا العام 2018 بكل تداعياته وانعكاساته التي لم تقتصر على الداخل السعودي، إنما تعدت ذلك إلى علاقات المملكة بأهم حلفائها، الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي وتركيا ودول أخرى.

قبل مقتل جمال خاشقجي، كانت الأزمة الخليجية هي محور اهتمامات المتابعين للشأن السعودي، إلى جانب حملات الاعتقالات التي طالت دعاة ومفكرين وأصحاب رأي وناشطين وناشطات في مجال حقوق الإنسان وقضايا أخرى أبرزها الحرب في اليمن، والتي أخذت حيزا من الاهتمام الإقليمي والدولي على إثر المزيد من التقارير التي كشفت تفاقم الأزمة الإنسانية وتسبب التحالف العربي لدعم الشرعية بقيادة السعودية في مقتل مدنيين.

كما كان من بين ما أثار اهتمام الرأي العام الإقليمي والدولي في ما يتعلق بالسعودية، استمرار الأزمة الخليجية التي ابتدأت في 5 يونيو/حزيران 2017 ودخولها عامها الثاني مع انسداد أي آفاق لتسويتها.

قد تكون جولة ولي العهد السعودي العربية من بين ما ميز عام 2018 لتزامنها مع تداعيات مقتل جمال خاشقجي والاتهامات الموجهة صراحة لولي العهد بالضلوع المباشر بمقتل خاشقجي وتبعات ذلك على الشارع العربي في العواصم التي شملتها جولته، والرفض الواسع لاستقباله من قبل بعض الحكومات، مثل تونس والجزائر وموريتانيا.

في واقع الأمر، فقد ولي العهد بشكل خاص الكثير من سمعته لدى العرب ودول العالم بعد مقتل خاشقجي؛ وما يقال عن حالة العزلة التي رافقت زيارته لعدد من العواصم العربية يصح القول فيه في حضوره قمة الدول العشرين في الأرجنتين، حيث لم يحظ باستقبال حار من قادة العالم باستثناء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

من المهم لولي العهد والمملكة العربية السعودية الحفاظ على شكل العلاقات مع الولايات المتحدة التي تمتد لعقود من الشراكة والتحالف، وهي العلاقات التي تضررت إلى حد كبير جراء مقتل خاشقجي وتشكل رأي عام أمريكي حتى داخل الكونغرس “مناهض” لولي العهد وللقيادات الأمريكية التي لا تزال تحاول الحفاظ على مثل هذه العلاقات، بمن فيهم الرئيس الأمريكي الذي يواجه حملة مضادة في داخل مجلسي النواب والشيوخ حتى من قبل أعضاء في حزبه، الحزب الجمهوري.

وإذا كان مجلس الشيوخ الأمريكي قد اتخذ مؤخرا قرارات تتعلق بالدور السعودي في اليمن وتزويد السعودية بالسلاح على خلفية الأزمة الإنسانية ومقتل مدنيين، وأيضا كأحد تداعيات مقتل جمال خاشقجي، فإن العلاقات السعودية الأمريكية التي تمر بأسوأ مراحلها قد لا تشهد المزيد من التراجع على مستوى الدولتين، لكن بالتأكيد سوف لن يكون ولي العهد مرحبا به في الأوساط السياسية الأمريكية.

قد يكون اتفاق السويد بين الحكومة الشرعية في اليمن وجماعة الحوثي خاتمة التطورات غير الاعتيادية التي شهدها العام 2018، وهو الاتفاق الذي ينظر إليه من زوايا متعددة أهمها واقع أن اتفاق وقف إطلاق النار جاء بعد أربع سنوات من تدخل التحالف العربي الذي تقوده السعودية بقرار من ولي العهد محمد بن سلمان دون أن يحقق التحالف أيا من أهدافه في إعادة السلطة الشرعية إلى العاصمة أو هزيمة الحوثي عسكريا ونزع أسلحته وقد بدا في موقع أكثر قوة عسكرية من الأيام الأولى للحرب اليمنية، كما أن النفوذ الإيراني بات أكثر اتساعا وتجذرا في اليمن.

من المتوقع أن يركز ولي العهد، وهو صاحب القرار الأول في السعودية، على الشأن الداخلي وتحقيق أهداف رؤية 2030 بعيدا عن الدور الإقليمي والدولي المعهود للمملكة بما يتناسب مع ثقلها.

وفي ضوء الاهتمام بالشأن الداخلي واعتباره ضمن أولويات المتغيرات التي طرأت على سياسات المملكة وطريقة تعاطي صاحب القرار الأول، محمد بن سلمان، بعد حالة الانكفاء الاضطرارية بسبب مقتل خاشقجي، ودّعت السعودية العام 2018 بسلسلة من القرارات الملكية التي ينظر اليها على أنها قرارات استبدال لمواقع المسؤولية ضمن ذات الوجوه التي ألفتها منظومة الحكم السعودية.

تم استبدال وزير الخارجية عادل الجبير بوزير المالية السابق إبراهيم العساف وتعيين الجبير وزيرا للدولة للشؤون الخارجية، وهو منصب اقل أهمية من وزارة الخارجية لكنه في كل الأحوال ضمن ذات الدائرة المتعلقة بالسياسة الخارجية للمملكة.

المثير في التعيينات أن العساف هو أحد نزلاء فندق الريتز، وهو من أصحاب الثروات التي قيل أنها جاءت بطرق تثير الشك، تعرض صاحبها للمساءلة في محجر فندق الريتز دون تفاصيل عن الاستيلاء على جزء من ثروته مقابل الإفراج عنه وإعادته إلى منصبه السابق وزيرا للمالية، مع كل ما شهدته فترة الاحتجاز من حملات إعلامية طالت سمعة الرجل.

تعيين العساف وزيرا للخارجية مع خبرة طويلة في مجال المال والاستثمار يفهم منه أنه ضمن سياق الاهتمام بالجوانب الاقتصادية بشكل أكبر من قبل ولي العهد، وهو ذات الفهم الذي يقود إلى أن تعيين تركي آل الشيخ رئيسا لهيئة الترفيه لا يخلو من الجانب الاقتصادي.

في كل الأحوال، تتجه المملكة نحو الشأن الداخلي بالتركيز على الجانب الاقتصادي على حساب الدور الإقليمي والدولي الذي يتناسب مع ثرواتها وقدراتها بالتأثير في الاقتصاد العالمي، ودورها في الحرب على الإرهاب والتصدي للتهديدات الإيرانية.

وشهد العام 2018 تراجع مناخ السوق الجاذب للاستثمارات الخارجية بسبب عدم الثقة التي تسببت بها حملة الاعتقالات التي طالت أمراء من الأسرة الحاكمة ورجال أعمال سعوديين بتهم تتعلق بالفساد المالي والإثراء غير المشروع؛ كما أن مقتل جمال خاشقجي يعد عاملا إضافيا في تراجع ثقة المستثمرين الأجانب على مستوى الدول أو الشركات أو رجال الأعمال.

يمكن الإشارة بثقة عالية إلى أن المتغيرات التي تشهدها السعودية في ما يتعلق بنظام الحكم داخل الأسرة الحاكمة تجعلنا نقول أننا اليوم بصدد طور ولادة الدولة السعودية الرابعة على غير ما هي عليه الدولة السعودية الثالثة، والتي امتدت لعقود من تداول السلطة وفق آليات متوارثة منذ عام 1932 لانتقال السلطة بين أبناء الملك المؤسس.

ويبقى من نافلة القول الإشارة إلى أن الملك سلمان بن عبد العزيز لا يزال الشخص الوحيد الذي يملك قرار الإبقاء على ولي العهد وعدم استبداله، أو تقليل صلاحياته، بينما لا يمكن التعويل على أن يكون عام 2019 مختلفا عن عام 2018 على صعيد شكل نظام الحكم داخل الأسرة السعودية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حركات الإسلام السياسي.. وجود مؤثر رغم الإخفاقات

ظلت مسألة انتقال حركات الإسلام السياسي من الحالة التنظيمية إلى الحالة السلطوية مثار جدل في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *