الرئيسية / مقالات / تأملات / يا من تعصونه في خلواتكم: أما تخجلون منه وأنتم تعلمون أنه سبحانه يراكم؟!

يا من تعصونه في خلواتكم: أما تخجلون منه وأنتم تعلمون أنه سبحانه يراكم؟!

خُلق الإنسان من ضعف، وركبت فيه القابلية للخطأ والمخالفة، فما من إنسان إلا ويخطئ إلا من عصمه الله من الأنبياء، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل بني آدم خطاء و خير الخطائين التوابون).

بل إنه سبحانه لما وصف المتقين قال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . فلم ينف عنهم سبحانه وتعالى احتمال الوقوع في الفاحشة، ولكنهم لا يقيمون عليها ولا يمكثون في وحلها، بل يسارعون بالتوبة والاستغفار.

لكن ثمة ذنوب تجعل الإنسان على حافة الهاوية، وتبقيه على خطر عظيم عظيم، ذنوب تفني وتبيد حسنات العبد، وتكشف عنه الستر يوم القيامة بالفضيحة على رؤوس الأشهاد، إنها ذنوب الخلوات، نعم ذنوب الخلوات، تلك التي يبارز العبد بها ربه عندما يغلق عليه بابه، فيكون بين الناس على الجادة والاستقامة، يكبح جماح نفسه أمام أعينهم، وينتظر ساعة يخلو بها بنفسه، فإذا حانت، وأرخى عليه ستره، وتوارى عن أعين الناس، سارع يلبي نداء نفسه الأمارة بالسوء، وبارز الله بالموبقات والمعاصي: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}.

قد جعل اللهَ تعالى أهون الناظرين إليه، وعرض نفسه لضياع الحسنات، نعم تضيع حسناته وتفنى، واستمع إلى الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (لأعلمن أقواما يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله هباء منثورا . قال ثوبان : يا رسول الله ! صفهم لنا جلهم لنا ؛ أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم .قال : أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلو بمحارم الله انتهكوها).

أيها المسكين، يا من أتعبت نفسك في جني الحسنات بالصلاة والقيام والصيام والذكر والتلاوة والصدقات، هآ انت اليوم من المفلسين، يا لهول المفاجأة، أين أعمالي؟ أين قيامي وصيامي وزكاتي؟ {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} .

ألا فليعلم صاحب ذنوب الخلوة بأنه على شفا جرف هار، يوشك أن ينهار به إلى النار، يوشك أن تقوده تلك الذنوب إلى سوء الخاتمة، استمع إلى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار).

يعقب الفقيه ابن رجب في جامع العلوم والحكم على الحديث بقوله: (وقوله: «فيما يبدو للناس» إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت).

قال منصور بن عمار : كان لي صديق مسرف على نفسه ثم تاب ، وكنت أراه كثيراً .. كنت أراه كثيراً من العبادوالقوام والصوّام .. أراه كثير العبادة والتهجد ففقدته أياماً فقيل لي : هو مريض . فأتيت إلى داره فخرجت إليّابنته، فقالت : من تريد .

قلت : قولي لأبيك فلان .. فاستأذنت لي ثم دخلت فوجدته في وسط الدار وهو مضطجع على فراشه وقد اسودّ وجهه ، وأذرفت عيناه ، وغلظت شفتاه .

فقلت له وأنا خائف منه : يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله .. ففتح عينيه فنظر إلي بشدة ثم غشي عليه .

فقلت له ثانياً : يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله.. ثم كررتها عليه ثالثاً , ففتح عينيه فقال : يا أخي منصور هذه كلمة قد حيل بيني وبينها .. هذه كلمة قد حيل بيني وبينها ..

فقلت : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قلت له : يا أخي أين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام ..

فقال : كان ذلك لغير الله .. كان ذلك لغير الله ..وكانت توبتي كاذبة ، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني وأُذكر به ،وكنت أفعل ذلك رياء للناس ، فإذا خلوت إلى نفسي أغلقت الأبواب وأرخيت الستور وشربت الخمور وبارزت ربيبالمعاصي .. ودمت على ذلك مدة فأصابني المرض وأشرفت على الهلاك ، فقلت لابنتي هذه : ناوليني المصحف ،فقلت بعد أن أخذت المصحف : اللهم بحق كلامك في هذا المصحف العظيم إلا ما شفيتني وفعت عني البلاء ،وأنا أعاهدك أن لا أعود إلى ذنب أبداً .. ففرج الله عني .. ففرج الله عني .. فلما شفيت عدت إلى ما كنت عليه من اللهو واللذات وأنساني الشيطان العهد الذي بيني وبين ربي ، فبقيت على ذلك مدة من الزمن فمرضت مرة ثانية أشرفت حينها على الهلاك والموت فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كعادتي ثم دعوت بالمصحف وقرأت فيهثم رفعته وقلت : اللهم بحرمة ما في هذا المصحف الكريم من كلامك إلاّ ما فرجت عني ورفعت عني البلاء ،فاستجاب الله مني ورفع عني .. ثم عدت إلى ما كنت عليه من اللهو والضياع ما كأني عاهدت الله أن لا أعود..فوقعت في هذا المرض الذي تراني فيه الآن فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كما تراني ثم دعوت بالمصحف لأقرأ فيه فلم يتبين لي حرف واحد منه .. دعوت بالمصحف لأقرأ فيه فلم يتبين لي حرف واحد منه..فعلمت ان الله سبحانه قد غضب علي فرفعت رأسي إلى السماء وقلت : اللهم فرج عني يا جبّار السماء والأرض .. اللهم فرج عني يا جبّار السماء والأرض ..فسمعت كأن هاتفاً يقول :

تتوب عن الذنوب إذا مرضتا   وترجع للذنوب إذا برأتا

فكم من كربة نجّاك منها       وكم كشف البلاء إذا بليتا

أما تخشى بأن تأتي المنايا     وأنت على الخطايا قد لهوتا

قال منصور بن عمار : فوالله ما خرجت من عنده إلا وعيني تسكب العبرات ، فما وصلت الباب إلا وقيل لي إنه قد مات ..

وهل أتاك نبأ ذلك الشاب الذي أغلق عليه بابه، وجعل يطالع في خلوته الأفلام الإباحية، فإذا به في سكرة لهوهوعصيانه، يصرخ مستنجدًا بأمه: أدركيني، سأموت، الأم تحاول فتح الباب لكنه قد أوصده على نفسه من الداخل، حتى لا تراه أعين الناس، تستعين الأم بأحد الجيران، يكسر الباب فإذا بالشاب ممددًا على الأرض عريانًا قد فارقت روحه الحياة، وبجانبه جهاز الكومبيوتر على فيلم إباحي، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، إذا ما سألني ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني.

أو ما يخشى صاحب ذنوب الخلوات يومًا تبلى فيه السرائر وتبدى، أما يخشى الفضيحة على رؤوس الأشهاد{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.

فبينما يرخي الله ستره على عبده الصالح، ويقرره بذنوبه ويتجاوز عنه، ترى ذلك الذي أفسد ما بينه وبين الله،وبارز الله بالموبقات في الخلوات، تراه قد افتضح أمره، وعلم الجميع في أرض المحشر بما كان يخفيه عن الناسويظهره إلى ربه.

بل إن الله سبحانه وتعالى يختم على فمه، ويأمر أعضاءه بما عملت من سوء، قال الله تعالى في وصف ذلكالمشهد الرهيب يوم القيامة: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَاكُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوافَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ }.

 يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول العبد يوم القيامة : يا رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول : بلى فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني فيقول { كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا } و بالكرام الكاتبين شهودافيختم على فيه و يقال لأركانه : انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه و بين الكلام فيقول : بعدا لكن و سحقافعنكن كنت أناضل).

فيالها من فضيحة أمام الخالق وما خلق، نسأل الله السلامة والعافية والستر في الدنيا والآخرة، ومن موقف قالعنه الله سبحانه وتعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}. سوف تظهر أعمال قد أخفيتها عنالناس ولم تخف على رب الناس ومن أجل ذلك حذر الله تعالى من الذنوب سرها وعلانيتها، فقال جل وعلا: {وَذَرُواظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} ، أي ذنوب العلانية والسر.

ولقد كان خوف الصالحين من الوقوع في ذنوب الخلوات والتجمل للناس بالظاهر دون أن يجملوا باطنهم للهعظيمًا، فها هو الصديق أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما فيالغار، وأفضل هذه الأمة بعد نبيها، كان إذا امتدحه الناس قال: (اللهم أنت أعلم بى من نفسى، وأنا أعلم بنفسىمنهم، اللهم اجعلنى خيرًا مما يظنون، واغفر لى ما لا يعلمون، ولا تؤاخذنى بما يقولون).

وقال أحدهم بحضرة الإمام أحمد رحمه الله: 

(إذا ما قال لي ربِّي: … أما استحييت تعصيني

وتُخفي الذنب من غيري … وبالعصيان تأتيني؟

قال: فرد الباب، وجعل يقول:

إذا ما قال لي ربِّي: … أما استحييتَ تعصيني

وتُخفي الذنبَ مِنْ غَيْري … وبالعصيان تأتيني؟).

لماذا ذنوب الخلوات؟ لماذا يجترئ العبد على مولاه كلما خلا بنفسه؟ لقد نطق بالجواب نوح عليه السلام إذ يدعوقومه : {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15)وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْإِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} .

نعم ذلكم هو السبب، أننا لا نوقر الجليل سبحانه، لا ندرك عظمته، ضعف توقير الله في القلوب، ولو تعرفنا علىعظمة الله ما جعلناه أهون الناظرين إلينا.

إنه الله مالك الملك، وخالق العباد ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر أحوالهم، تعرف على عظمته جبريل عليهالسلام، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم (كالحلس البالي من خشية الله) الحلس أي:الكساء الرقيق الذي يوضععلى ظهر البعير.

تعرفَ على عظمته ديك قد مرقت رجلاه الأرض وعنقه مثنية تحت العرش فقال: (سبحانك ما أعظمك).

تعرفَ على عظمته إبراهيم فألقي في النار وهو ثابت الجنان مطمئن القلب معتمدًا ومتوكلًا على من يقول للشيءكن فيكون، فقال للنار: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}.

تعرفَ على عظمته داود فملأ الدنيا تسبيحًا فسبحت معه الطير وسبحت معه الجبال الراسيات: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَمِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} .

تعرفَ على عظمته موسى عليه السلام فاشتاق إلى رؤيته، فقال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} ، وتعرف على عظمته أكثرفأكثر عندما تجلى ربه للجبل فجعله دكًا.

تعرف على عظمته سيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام الليل حتى تفطرت قدماه وقال أفلاأكون عبدًا شكورًا؟

إنه السميع البصير الذي لا تخفى عنه خافية، الذي يعلم السر وأخفى، يرى ويسمع دبيب النملة السوداء علىالصخرة الصماء في الليلة الظلماء.

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل      خلوت، ولكن قل علي رقيبُ

ولا تحسبن الله يغفل ساعة            ولا أن ما تخفي عليه يغيبُ

خشية الله في السر والعلن:

ولكن هنيئًا لأولئك الذين خافوا من ربهم في سرهم وعلانيتهم، أولئك يخبر الله عن جزائهم بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.

لقد نالوا خشية الله في السر والعلن عندما تفكروا في عظمة ربهم، شاهدوها بالتفكر في عظم ذلك الكون، فيدقته واتساعه ومخلوقاته، شاهدوها في بره سبحانه وإنعامه ورعايته لخلقه بالتدبير والرزق، شاهدوها في كلشيء حولهم {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَوَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِالْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

نالوا خشية الله في السر والعلن، عندما استحضروا بقلوبهم أن الله تعالى نظره سابق إلى ما ينظرون إليهم،وسمعه سابق إلى ما يستمعون إليه، وعلمه سابق إلى ما أقوالهم وأفعالهم، فاستحوا من الله، واستحوا منالملائكة الكرام الكاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد، واستجابوا لوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتق اللهحيثما كنت).

وما أروع ما قالته ابنة بائعة  اللبن في عهد الفاروق عمر، عندما أمرتها أمها بخلط اللبن بالماء، فتقول الفتاةالورعة:  يا أماه! ألم ينه أمير المؤمنين عمر عن مزج اللبن بالماء؟! فتقول الأم لفتاتها: يا بنيتي! إن الناسيمزجون، وما يدري أمير المؤمنين بنا الآن؟ فترد الفتاة الورعة التقية وتقول لأمها: يا أماه! إن كان أمير المؤمنين لايرانا، فرب أمير المؤمنين يرانا.

نالوا خشية الله عندما  استحضروا دنو الأجل، وقصرت بهم الآمال، وخافوا أن تقبض أرواحهم على معصية الله،فأمام أعينهم مشهد السكرات ورؤية ملائكة الموت، فرفعوا شعار: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُتَحِيدُ}.علموا أنهم لا مهرب منها، فلم يتجرأوا على معصية الله في الخلوات.

ولا يفهم من ذلك الكلام أنها دعوة لأن يفشي العبد سر نفسه ويفضحها، أو يجاهر بمعصية الله حتى لا يكون منأصحاب ذنوب الخلوات، ولكن العبد مأمور بالتخلي عن الذنوب جميعها سرها وعلنها

خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى

واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

اللهم إنا نسألك خشيتك في السر والعلن، اللهم طهر قلوبنا وأعمالنا، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خيرمن زكاها، أنت وليها ومولاها، الله أحينا على الإسلام، وتوفنا على الإيمان، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرةحسنة وقنا عذاب النار.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ورقة رابحة في يد الأنظمة الاستبدادية

يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «سيكولوجية الإنسان المقهور»: «وأقصى حالات التماهي المتسلِّط تأخذ شكل …

8 تعليق واحد

  1. هذا الموضوع نحتاج ان يستفيد منه شبابنا اليوم نريد من الاستاذه الفضيله ان تنشره في التلجرام لكي يسهل نسخه

  2. قرأت لك الكثير من المقالات و متأئر كثيرا بكتابتك و لكن هذا المقال من اروع ما كتبتي و تأتر كثيرا به بارك الله فيك و جزاك الله ألف خيرا و جعله في ميزان حسناتك

  3. جدا مؤثره المقاله .. ومایخرج من القلب یصل للقلب مباشره 💔

    ‏کثر الله من امثالک من نساء امتی یااحسان

  4. رائع اللهم ارزقنا التقوي

  5. نجيب عبدالله الصلوي

    جزاكم الله خير

  6. مقال أكثر من رائع كالعادة ماشاء الله

    مشكورة

  7. استغفرالله العظيم واتوب اليه عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *