الرئيسية / مقالات / أكلتم من خيرنا

أكلتم من خيرنا

نحن النيامُ إذا الليالي سالمتْ   فإذا وَثَبْنَ فنحنُ غيرُ نيام

ما أراك إلا أفرطت في تفاؤلك يا أمير الشعراء، فقومنا مهما وثبت الليالي فهم نيامٌ، وكأنهم الفُلْك إذا سكنت الريح، فظللن رواكد على وجه الماء.

 قالوا لنا: أمتنا يلتئم شملها في الأزمات، ولكن يبدو أن ذلك محلّه في الأزمان الخالية، ففي الوقت الذي اتسعت فيه رقعة الجرح الفلسطيني بمدْيةٍ أمريكية وصمتٍ عربي، انشغلت الشعوب بصراعاتها الجانبية، وتم استدعاء روح القبيلة ومنطق دريد بن الصمّة:

وَهَلْ أنَا إلا مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وَإنْ تَرْشُدْ غَزيَّةُ أرْشُدِ

ولو رأيت القوم وهم يمنّون على بني جلدتهم، تُحرّكهم آفة الشعوبية والشعور بالفوقية، لقلت على هذه الأمة السلام.

ما من مُنصف إلا ويقر بالفضل للسعودية على غيرها من بلدان العالم الإسلامي والعربي، حيث ظلت أبوابها مفتوحة للباحثين عن لقمة العيش التي يأكلونها في أوطانهم مُغمسة بالتراب، أو المتطلعين إلى حياة أفضل ورغد من العيش، إضافة إلى جهود إغاثية وإنسانية لا ينكرها إلا جاحد مغرض.

ولكن يا أهلنا في السعودية هي الأيام دولٌ بين الناس، اليوم تَمنح وغدا تُمنح، بالأمس أُعطِيت، واليوم أعطيْتَ، فلا يستقيم لأهل الكرم أن يُعيّروا من هاجر إليهم بأنهم أكلوا من خيرهم، لمجرد أنهم خالفوا في بعض الرأي، أو حانت منهم انتقادات لأصحاب الأرض.

تغريدة عبرت فيها إعلامية (أكلت من خير السعودية) عن ألمها تجاه التطورات الأخيرة بشأن القدس، ولامت فيه – بقصد أو بغير قصد – موقف المملكة تجاه القضية، انطلقت على إثرها الشتائم والتعيير بأنها أكلت من خير السعودية ثم هاجمتها.

يا قومنا أوافقكم الرأي في أن هناك من يُحمل المملكة مسؤولية كل الكوارث، بعضهم يفعل ذلك لأغراض خبيثة في نفسه، وغيرهم يفعل لإيمانه بأن السعودية قائد يُنتظر منه أكثر مما يُنتظر من غيره.

أوافقكم في أن السعودية ليست وحدها من تقاعس، فماذا فعلت بقية الدول العربية بما فيهم وطني الأردن؟ لا شيء، جميعنا متخاذلون صامتون، ولكن في النهاية تبقى السعودية ضمن الدول التي تُنتقد بشأن الموقف من الأحداث.

لا ينبغي أن تسود النظرة الشعوبية بيننا، فأولئك الذي عملوا على أرضكم لم يكونوا متسوّلين، إنما هي وظائفهم وخدماتهم التي يأخذون عنها المقابل، فقد استفادوا وأفادوا، ومن جهة أخرى، ما من دولة وإلا ولها يد ونعمة على غيرها، فهل نستجيب لنعرات الجاهلية ونتراشق فيما بيننا بالمن والأذى؟!

كنا نعيب معكم على بعض الجهلة من إخواننا المصريين الذين يُعيّرون السعودية بسابق الخير والمعونة في السابق، وعبنا على بعض الجهلة من إخواننا في الشمال الإفريقي الذين نظروا إليكم بتلك النظرة الشعوبية، ورأوا أنهم أهل الحكمة والثقافة والمدنية بينما أنتم أهل النفط والريال، فهل تكوون غيركم بما اكتويتم به؟

يا إخواني آل سعود ليسوا أنبياء معصومين، وهم كغيرهم يصيبون ويُخطئون، يُمدحون إذا أحسنوا، ويُنتقدون إذا أساءوا، فكيف تعقدون راية والولاء والبراء على رأي الناس فيهم ونظرة الشعوب إليهم؟

لطالما دافعت – ولا زلت- عن السعودية وشعبها وحكامها فيما أراه حقا، وكانت تنهال عليّ حينئذ كلمات الإطراء (كفو-بنت الرجال- لا فض فوك-سلمت يداك)، ولما عبّرت عن قناعاتي بشأن حصار قطر، وانتقدت حزمة التهم الموجهة إليها، صرت أنا الكاتبة المتقلبة المتلونة التي باعت السعودية بالريالات القطرية.

ذكرني ذلك بما حدث مع الصحابي عبد الله بن سلام وتحوّله عن اليهودية إلى الإسلام، فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود، وكان عبد الله في الداخل يسمع: (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟)، فقالوا: أعلُمنا وابن أعلمنا، سيدنا وابن سيدنا، فما إن خرج عليهم عبد الله مُعلِنا إسلامه، حتى تنكروا لمناقبه وفضائله التي اعترفوا بها منذ لحظات، ووقعوا فيه: شرُّنا وابن شرُّنا.

يا إخواني ليس كل من انتقدكم أو خالفكم كان لكم كارهًا، فلنجمع شتاتنا من هذه الصراعات الجانبية، ونركز في شأن القدس مسرى رسول الله وأولى القبلتين، فطريق الأعداء إلى الكعبة يمر بالأقصى.

المال مال الله، والخير من عند الله، والمسلمون أمة واحدة كالجسد الواحد، فلا ينبغي أن يعيّر بعضنا بعضا بالمعروف وكرم الضيافة، فما ذاك للمؤمنين بُخُلق.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل نحن عبيد الأمر الواقع؟

نظر أبو الحارث جمّين أحد أدباء العرب الظرفاء، إلى بِرذون يُحمل عليه الماء فقال: «وما …

تعليق واحد

  1. هي الفتن يا اختاه ولن تستطيعي اصلاح ما أفسده العطار ابدا ، لأن شعوبنا في هذا التطور الرقمي لم تزداد إلا جهلا وقليلٌ منهم المبصرين .
    أما عن كتاباتك فنحن نرى فيها كلمة حق واحسان وانصاف وكما ذكرتِ ليس فينا من هو معصوم ولكننا نرجو من الله الهداية لكل مسلم ونأمل منك كلمة حق حتى ولو كان السلطان جائر .
    شكرا لك اختنا احسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *