الرئيسية / مقالات / همسة منهجية للدعاة (3)

همسة منهجية للدعاة (3)

“فإن العقيدة الإسلامية، ولو أنها عقيدة، إلا أنها تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي، ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية”.
عبارة عميقة لسيد الظلال، تُحيي حقيقة ومُسلّمة في المنهج الإسلامي رانت عليها التصورات المغلوطة، وهي أن العقيدة ليست مجرد معلومات نظرية تُعبّأ بها الذاكرة، ويُتبارى بها في ساحات الجدال، بل العقيدة التي ينتفع بها العبد في دنياه وآخرته، هي تلك العقيدة التي تمتزج فيها التصورات بالمنظومة الأخلاقية والسلوكية، فتصبح شيئًا حيًا يسير به الناس في واقعهم، ويكون لها أثر ظاهر في الحياة.
إنه من الخلل أن يتصور بعض الدعاة أن العقيدة يمكن التعامل معها بمعزل عن واقع الناس، وأن كمالها لا صلة له بأخلاقيات العبد وعمله، فالإيمان شجرة أصلها في القلوب، وثمرتها كلمة طيبة وعمل طيب وخُلق طيب.
ارتباط وثيق هو بين العقيدة ومنظومة الأخلاقيات والقيم، فترى القرآن يحدثنا عن أسباب دخول النار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 42 – 46]، فلم يكن سبب دخولهم النار هو كفرهم وتكذيبهم فحسب، وإنما حوسبوا على فساد أخلاقهم بقسوتهم على اليتيم.
وما من نبي أرسله الله إلى قومٍ إلا ليصحح لهم عقيدتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم أيضًا، فشعيب عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله وحده، بالتوازي مع دعوتهم لترك الغش والتطفيف في الميزان، ولوط عليه السلام دعا قومه إلى توحيد الله، وإلى ترك إتيان الفواحش المنكرة..
كما أن العقيدة ترتبط بالعمل، وهو ثمرتها، ومن ثم ينبغي على الدعاة ربط تدريس العقيدة بالجانب العملي، إذ أن العقيدة دافعة إلى العمل، فهي تتعلق بتصور العبد عن الله تعالى وذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعن حقيقة الكون وعلاقة الإنسان به، والغاية التي خلق من أجلها، وجانب كبير منها انصبَّ على بيان تفاصيل الدار الآخرة من موت وبعث ونشور وحساب ومصير إلى جنة أو نار، وكلها أمور يُولِّد الإيمان بها طاقة للعمل وفق هذه التصورات.
وكان ربط العمل بالعقيدة هو دأب النبي صلى الله عليه وسلم، فننظر مثلا في حديث رؤية الله تعالى في الجنة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، ثم قرأ {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130].
فهنا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يُحدثهم عن أمر من صميم الاعتقاد وهو رؤية الله عيانا في الجنة، فربط بين هذا التصور وبين العمل الذي يُعد سبيلا إلى الوصول لهذه الجائزة العظيمة والنعمة الكبرى وهو الصلاة، والحال نفسه مع من جاءه يسأله عن الساعة، أمر غيبي معرفي عقدي، فوجّهه إلى ما ينفع من العمل الصالح، فقال: (ما أعددت لها؟).

فحري بالدعاة أن يكون هذا منهجهم في دعوة الناس إلى تصحيح العقيدة وتعليمهم إياها، الربط بينها وبين الأخلاقيات، والربط بينها كذلك وبين العمل الصالح، لئلا تصبح مسائل الاعتقاد مجرد قضايا معرفية بعيدة عن التأثير في واقع الإنسان.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

دراما ابن زايد تعلن الحرب على فاتح القسطنطينية

«قد نبشتُ قبور ملوكهم السابقين والمتأخرين الذين لم يخافوا من هيبة آشور، والذين أقلقوا أسلافي …

2 تعليق واحد

  1. فريد الجزائري

    و من الخلل أيضا أن يبني بعض الدعاة فكرتهم على واقع لا يشاركون في تكوينه و يرفضون أي حراك و أي تجاذب مجتمعي فيعزلون واقعهم بالناس و يحذرون من المآل المحتمل و يتقوقعون كأنهم فئة مختارة من دون بقية الفئات لكنهم في النهاية يقبلون بالوضع و يتأقلمون بالوضع الجديد بينما كان الأجدر أن يؤكدوا العقيدة الصحيحة على الأرض فيتفاعلون مع محيطهم و مجتمعهم و يتواصلون مع أفراده يستمعون إليهم و يتواضعون لهم يتكلمون يقتربون يحببونهم في الله يحببونهم في فعل الخير يخالطونهم يصاحبونهم يفرحون لفرحهم يتواصلون معهم ليس إلا حبا في الله و إحياءا لسنة نبيه و إتباعا لخلقه و خصاله و أخلاقه صلى الله عليه و سلم.

  2. الله يزيدك من فضلو يارب ، كلام من ذهب ، الكثير من الدعاة والمصلحين ملأ تركيز المسلمين في زمن كثرت فيه المشاغل و افهمهم ان معرفة اقسام التوحيد وغيرها من امور العقيدة كافية للنجاة ، هل الله في السماء ، هل نعبده لذاته ام للجنة ، واخذ ذلك الملأ مساحة كبيرة في التركيز على حساب ربطها بالسلوك والاخلاقيات ، فنشأ هذا الفصام النكد عند الكثير من المتدينين اليوم …الايات والاحاديث المذكورة استاذتنا منطقهما لا يقاوم …زادك الله من فضله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *