الرئيسية / مقالات / همسة منهجية للدعاة (2)

همسة منهجية للدعاة (2)

في كل بحار ومحيطات العالم يحدث المد والجزر، ظاهرتان ثابتتان، لا تتغيران، ولكن ماذا يحمل الموج في مده وجزره كل مرة من كائنات؟ ذلك هو ما يتغير.
المنهج الإسلامي كذلك، فيه الثوابت والمتغيرات، والخلط بينهما هو مكمن الخلل لدى كثير من الدعاة والتيارات الإسلامية العاملة في الحقل الإصلاحي.
عندما ننظر إلى الفلسفات الغربية، نجد مثلا أن منطق أرسطو يتجه إلى القول بثبات الموجودات، بينما نجد أن منطق هيجل يقول بالتغير الدائم للموجودات، أما الإسلام، فهو كما يقول المفكر الراحل أنور الجندي، يجمع بين الأصول العقائدية الثابتة وبين الاجتهاد في الفروع والتفاصيل والتطبيقات، وهو ما نسميه التطور، ويقول بتغير الأحكام النوعية مع تغير الأزمنة والأمكنة، وهو ما يسميه الفقهاء اختلاف زمان ومكان، لا اختلاف حجة وبرهان.
وعين ما تهدف إليه الحداثة هو تجاوز تلك الثوابت الدينية التي تحفظ هوية الأفراد والمجتمعات، بحجة أن تحطيم الثوابت هو طريق العبور إلى الإبداع والتقدم والرقي.
كثير من الدعاة والمصلحين بدورهم، ترنّحوا في جانب الثوابت والمتغيرات، وخلطوا بينهما، فثبَّتوا المتغيرات، وغيّروا الثوابت.
البعض جعلوا من خياراتهم الفقهية التي يتبنونها ثوابت يُفاصل عليها، وهي لا تعدو أن تكون من مسائل الفروع التي يسوغ فيها الخلاف، والحال نفسه مع الخيارات الحركية التي هي محل اجتهاد بشري عدّوها من الثوابت، هذا الخلط من شأنه سد أبواب السعة على المجتمع وتنفيره من الدعوة، إضافة إلى أنه يضع التيارات العاملة أمام حائط سد، حيث يسلبها ذلك التوجّه المرونة اللازمة في التعاطي مع الواقع ضمن مساحات خضراء لم يتم استغلالها، وكل ذلك بسبب الخلط بين الثوابت والمتغيرات.
بل وصل الأمر إلى أنهم وضعوا تصورات مفترضة للمجتمع المسلم لم يدل عليها دليل، فمن ذلك قضية تعامل المرأة مع الرجال، صاغوا لها إطارًا من قبل أنفسهم، فصوروا المجتمع على أنه قسم للرجال وقسم للنساء، مع أن المرأة كانت أيام النبي صلى الله عليه وسلم تبيع وتشتري، وتستفتي وتُستفتى، وتبيع في الأسواق، وتناقش وتُجادل أولي الأمر، وتذهب إلى الجهاد للسقيا وتضميد الجرحى كما هو ثابت عن نساء الصحابة، بل كانت المرأة تعود المرضى من الرجال مع أمن الفتنة والتقيّد بالضوابط الشرعية من الحجاب الشرعي وعدم الخلوة وترك اللين في القول ونحوه، وهو ما أفرد له البخاري بابا في صحيحه.
وقطعا هذا أتى كردّ فعل على الانفتاح الخالي من الضوابط الشرعية بين الجنسين، لكن دائما التوسع في سد الذرائع يأتي بنتائج عكسية، ويعالج التطرف بتطرف آخر.
ينبغي على الدعاة والفصائل العاملة تحديد الثوابت والمتغيرات، فالأصول تعني أصول أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، وأصول النظر والاستدلال مما انعقد عليه إجماع الأمة، فهناك في العقيدة أصول لا يسوغ فيها الخلاف كأركان الإيمان والرسالة وعصمة القرآن على سبيل المثال، وهناك فروع للعقيدة لا يؤثر فيها الخلاف، كاختلاف الصحابة حول رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في رحلة المعراج…
وأما الشريعة فمواطن الإجماع فيها والنصوص قطعية الثبوت والدلالة لا يحل الخلاف فيها، وفيها يقول الشافعي: “كل ما أقام به الله الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بيّنًا، لم يحل فيه الخلاف لمن علمه”، وهو ما أسماه شيخ الإسلام ابن تيمية بالشرع المنزل.
وفي مقابل الشرع المُنزّل كانت تسمية العلماء لما يعرف بالشرع المُؤول، وهو موارد الاجتهاد وكل ما لم يكن موضعًا لسنة صحيحة لا معارض لها أو إجماع كما يقول الدكتور صلاح الصاوي.
هناك مسألة أخرى فيما يتعلق بالثوابت والمتغيرات بخصوص الدعوة، وهي أن منهج الدعوة إلى الله ثابت لا يتغير في أصوله وغاياته وضوابطه، لأن المنهج الدعوي رباني المصدر ثابت لا يتغير، بينما يكون العنصر المتغير في الدعوة هو الأساليب والوسائل البشرية المتطورة التي تناسب العصر.
فحركة المسلم قانون مترابط مُتسق بين القيم التي جاء بها الإسلام وهي الثوابت، وبين متغيرات البيئة واختلاف الزمان والمكان، وهو ما لا يسع العاملون في حقل الدعوة إغفاله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ليس حُبّا بآل سعود..بل حُبا بمن خلق المُسيء فيهم والمُحسن وأمرنا بالعدل

من احسان الفقيه الى الأخ الكريم الذي ارسل لي رابط هذه الخطبة وقال بالحرف:”خطبة فبٲي …

2 تعليق واحد

  1. جعل الثوابت متغيرات لا خوف منه ولا اختلاف كبير عليه في اعتقادي هو اقل تعقيدا

    ولكن مشكلتنا الكبيرة اعتقد هي في من يظنون انهم الموا بالحق الذي لا حق بعده ، والسبب هو التحقيق في النصوص النبوية وبذلك اعتبروا ان خياراتهم الفقهية ثوابت

    يستدلون بمقولة إن صح الحديث فهو مذهبي ، و صاحب المذهب افتى ولم يصله الحديث ، وهذا في اعتقادي البسيط المتواضع انه اتهام للدين بالنقص يوم اكتمل ، فلو اراد الله عز وجل لامر نبيه بجمع الاحاديث في حياته وتكون كالقرآن ولا يستغرق جمعها والتحقيق فيها وقتا وصل الى زمننا ، ولكن الفقهاء الاوائل حين توافر لديهم القرآن و احاديث منتشرة جعلوا اصولا للفقه سببت الاختلاف والمرونة والسعة واعطونا موسوعة فقهية كبيرة تصلح للاخذ منها حسب الزمان والمكان

    حتى وإن صح الحديث فالمفروض لاينبني عليه حكم فقهي الا بجمع كل النصوص الصحيحة في الموضوع نفسه من كتاب وسنة ، ومن هنا تنشأ المرونة في التعامل مع المتغيرات هذا الذي سبب الخلط في جعل المتغيرات ثوابت

    ولكن من يسمع ومن يعي …يا ليت قومنا يعلمون

  2. فتح الله عليك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *