الرئيسية / مقالات / مع رثاء خاشقجي ينجلي الغبار

مع رثاء خاشقجي ينجلي الغبار

اجتمع قومٌ للتشاور في الصلح بين حيّيْنِ من العرب أصاب أحدهما من الآخر دمًا، وخلال الجلسة كانت المحاولات لإقناع أولياء القتيل بأخذ الدية حقنًا للدماء، وبينما هم على ذلك فاجأتهم امرأة يُقال لها جَهِيزة بما يحسم الجدل، فذكرت أن رجلًا من أولياء القتيل ظفر بالقاتل فأجهز عليه، حينئذٍ أطلقها الناس مثلًا سائرا “قطعت جَهِيزة قول كل خطيب“.

وبينما كان الجدل حول اختفاء جمال خاشقجي ثائرًا، آثرتُ التريّث وعدم المسارعة بتأييد الرواية القائلة بمقتل الصحافي في القنصلية السعودية في تركيا، فكما قيل: “على النابِل أن يتأنى، فالسهم متى انطلق لا يعود“.

انتظرتُ جهيزة لتقطع قول كل خطيب، حتى استبان الرشد في ضحى الغد، وأدْلت السعودية باعترافها بمقتل خاشقجي داخل القنصلية في إسطنبول، على إثر اشتباك بالأيدي مع بعض الأشخاص، هكذا قالوا! قطع الاعتراف قول كل خطيب يُلقي بالتبِعة على خصومه القدامى، ويُشير إليهم بأصابع الاتهام، فكان لدينا خطباء ما إن بدأت أزمة خاشقجي حتى سارعوا بالإشارة إلى قطر، فأحد مقدمي البرامج يسأل الكاتب السعودي تركي الحمد: “ماذا لو ثبت تورط قطر في قضية خاشقجي“؟ وعلى الفور وبدون مناقشة لموضوعية الاحتمال أو تعدد الاحتمالات يجيب تركي الحمد: “لو ثبت تورط قطر في هذا الأمر تنتفي عنها صفة الدولة، الدولة لا تمارس أعمال عصابات، هذه أعمال مافيا تتخلص من أعدائها بهذا الشكل، فتنتهي صفتها كدولة وتتحول إلى عصابة تحكم شعبا:.

وكان لدينا خطباء آخرون يرشقون تركيا بتهمة محاولة النيل من السعودية وتوريطها في اختفاء جمال خاشقجي، وأن امتلاكها أدلة على قتله داخل القنصلية محض ادعاءات، ليأتي ذلك الاعتراف بمقتله من قبل الحكومة السعودية، ليثبت قوة وبراعة المنظومة الأمنية التركية، ويمنحها مزيدًا من الثقة في إكمال التحقيقات، من أجل إماطة اللثام كاملًا عن وجه الحقيقة، بعد أن استطاع الأتراك بجديةِ التحقيقات تضييق الخناق على القيادة السعودية وإلجائها إلى خرق الصمت والتصريح بذلك الاعتراف الخطير.

خاشقجي حرّك الماء الراكد في ملف اغتيال حرية الرأي وكسر الأقلام، ومقتله حول الأنظار المُغيَّبة إلى طبيعة المستبدين ومسالكهم
لكن الرواية السعودية قذفت لنا بالنتيجة النهائية من دون تفصيل، فالخلاصة أن جمال خاشقجي قُتل داخل القنصلية على إثر شجار بالأيدي، لكن ثمة أسئلة كثيرة ينبغي على القيادة السعودية الإجابة عليها:

*لماذا تعمدت القيادة التضليل عندما صرحت عقب الاختفاء بأن خاشقجي قد غادر القنصلية سليمًا معافىً ولا تدري شيئا عنه؟

*أين أمن السفارة من الشجار الذي اندلع بين جمال وهؤلاء الأشخاص، على حد الرواية السعودية؟

*إذا كان جمال خاشقجي قد قتل على إثر ذلك الشجار (بالأيدي) فأين جثته؟ وهل تواطأ جميع من في القنصلية على هذا الأمر لإخفائه، من دون علم القيادة السياسية؟

*إذا كانت الرواية السعودية محقة فقطعا ستكون على علمٍ بهؤلاء الأشخاص الذين اشتبكوا مع خاشقجي، ولن يكون تعيينهم عسيرًا عليها، أليس من الطبيعي أن يتم اتهامهم وتقديمهم للمحاكمة بدلًا من إطلاق حملة الإعفاءات التي طالت العديد من المسؤولين السعوديين الذين لا ندري شيئًا عن علاقتهم بالقضية؟

لقد أصابتني الدهشة من نبأ إعفاء اللواء أحمد عسيري نائب رئيس المخابرات، الذي تكهن البعض بأنه مسؤول عن استدراج خاشقجي واستجوابه، ومن ثم يصلح هذا الشخص ليكون كبش فداء يتحمل المسؤولية، وسبب دهشتي أن الجميع يعلمون يقينًا أن عسيري من أكثر المسؤولين إخلاصًا لولي العهد، ويبعد أن يُقدم على اغتيال خاشقجي من دون تلقي الأوامر المباشرة من محمد بن سلمان.

لقد كان الأحرى بالملك سلمان أن يضيف إلى هذه الإعفاءات أهمها وأعظمها، وهي إعفاء ولي العهد، الذي تراكمت عليه الانتهاكات والقرارات العبثية داخل البلاد وخارجها.

الرواية السعودية في غاية الوهن، لكن في الغالب تكفي ترامب ليبني عليها إنقاذ ودعم ولي العهد السعودي، طالما أنه سوف يكون هناك مزيد من التحقيقات والمحاكمات والعقاب في دوائر واسعة، فالذي يهتم له ترامب جلب المزيد من المليارات للخزينة الأمريكية، يُخمد بها الأصوات المعارضة، وينال بها دعم الكونغرس، ويكتسب بها مزيدًا من الشعبية.

نعلم أن جمال خاشقجي رحمه الله ربما تختفي قضيته وحقيقة مقتله وسط زحام مصالح الدول وتفاهماتها وصفقاتها، لكن حسبنا وحسبه أنه، رحمه الله، حرّك الماء الراكد في ملف اغتيال حرية الرأي وكسر الأقلام، وحسبنا وحسبه أن مقتله حول الأنظار المُغيَّبة إلى طبيعة المستبدين ومسالكهم. أعلم أن دماء الآلاف التي تُراق بسكاكين الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والاسلامي ليست أقل ثمنا او قيمة من دماء جمال خاشقجي، لكن الله أراد أن تكون دماؤه سببًا في إحداث هذه الزلزلة. إننا نترقب إتمام التحقيقات لدى الجانب السعودي ليُكمل روايته حتى ننظر جميعًا إلى مدى انسجامها وتماسكها ومنطقيتها، ولدى الجانب التركي الذي نجح إلى الآن في إجراءات التحقيق بصورة محترمة. سننتظر القصاص حتى إن تأخر أوانه، فدماء جمال خاشقجي ليس لها من ثمن مُجدٍ إلا أن يستقيل ولي العهد السعودي، وتُغيِّر بلاده بعد ذلك دفَّتها، فلا يُهجّر المصلحون من أوطانهم، فضلا عن أن يُختطفوا او يُقتلوا. ورغم عدم احترامي للقيادة المتمثلة بولي العهد الحاكم الفعلي للمملكة، إلا أنني أرفض توقيع أي عقوبات مُحتملة على الشعب السعودي، فالواقع أن الولايات المتحدة والغرب بصفة عامة لا يعاقبون سوى الشعوب بفرض عقوبات تكون في الغالب اقتصادية، لا يتأثر بها سوى بسطاء الناس، بينما تبقى الأنظمة وزبانية الأنظمة في ترفها ومجونها، فالولايات المتحدة لن تُضحي برجلها ولن تقبل الإطاحة به، خاصة أنه قد فتح خزائن بلاده لإشباع شراهة ترامب. رحم الله جمال خاشقجي، وانتقم بقدرته وعظمته من كل من شارك في قتله، وجعل الله مقتله مدادا لكل قلم حر، وإلهاما لكل من حمل على عاتقه نصرة قضايا الأمة، ونرثيه كما رثتْه خطيبته خديجة اقتباسًا من قول نبينا صلى الله عليه وسلم: إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا جمال لمحزونون“، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

عندما تكون السلعة أسمى من الإنسان

«من قال إن المال لا يشتري السعادة لم يذهب إلى بلومنجديلز» تعليق طريف لأحد قراء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *