الرئيسية / مقالات / اختفاء جمال خاشقجي.. ما بين قميص يوسف وعثمان

اختفاء جمال خاشقجي.. ما بين قميص يوسف وعثمان

” انظر جيّدًا إلى هذا الرجل جيدًا.. إنه ( جمال عمّار) واحدٌ من أعظم علماء الطيران في مصر، لقد كان هذا الرجل يضع تصميمًا سريًّا لطائرة جديدة.. وقد اقتربت تجاربه من النّجاح، عندما سافر إلى فرنسا لحضور مؤتمر خاص بالطيران الحديث في باريس، وبرغم الحراسة القوية التي كانت حوله.. فإن هذا الرجل… اختفى “

كانت هذه مقدمة “المهمة المستحيلة” للعدد الأول لرواية “الاختفاء الغامض” من سلسلة روايات “رجل المستحيل” للأديب نبيل فاروق ضمن إنتاجات المؤسسة العربية الحديثة، في 160عددٍ ناجح، والتي انطلقت في عام 1984، والتي لاقت رواجًا في الدول العربية كقصص للجيب كان يبحث عنها شباب ذلك الزمان للخروج من دائرة الرواية النمطية إلى الروايات ذات الطابع البوليسي، حيث كان يواجه “أدهم صبري” بطل الرواية مؤامرات الاستخبارات الأجنبية والأخطار التي تتهدد بلاده مصر، في مغامرات تطوف أرجاء الأرض. 

منذ انطلقت قصة اختفاء الإعلامي السعودي جمال خاشقجي الذي نسأل الله له السلامة، و الذي اختفى في ظروف غامضة ومريبة، بين الرواية التركية الرسمية و التي تُؤكّد أنها حدثت في نطاق القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول، وبين الرواية السعودية التي تؤكّد أنه خرج من القنصلية وأن حادثة الاختفاء إن تمّت فهي خارج أسوار القنصلية، كل هذا نعيشه في حوار علني بين البلدين، بالمقابل تدور في أروقة الغُرف المغلقة مفاوضات جادّة وحازمة من جانب الحكومة التركية بإنهاء حالة احتجاز الصحفي السعودي المعارض وإعادته سالما، حتى انبرى رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان للاهتمام بهذه القضية بصفة شخصية وفتح تحقيق رسمي وقانوني للنيابة العامة التركية. 

بالمقابل الجانب السعودي في حالة الإنكار والتغير في روايته بين القائم بأعمال السفير والخارجية السعودية، أبدى ولي العهد السعودي استعداده لإعطاء الإذن للأمن التركي بتفتيش القنصلية ليحيد عن نفسه رواية الاختطاف لخاشقجي في قنصلية بلاده. 

حتى هنا الأمر في نطاق معتدل في تناوله وتداوله، قبل الخوض في مناهج التحليل والتأويل بين المنطق والسذاجة التي أُغرقت بها وسائل التواصل الاجتماعي، وغدا بها الإعلاميون العرب يتسابقون في إصدار سبق صحفي من مصدر وهمي هنا، ومصدر سرّي هناك.. 

لكن ما أود الإشارة إليه هنا في تلك السطور، حالة السباق الذي انطلقت به أقلام الصحافة العربية والغربية بين التحليل وتناقل الأخبار والروايات بين حقيقة ثابته وبين روايات أقرب للروايات البوليسية، وبعضها تجاوز الجهات الأمنية الرسمية بمصادره الخاصّة، حتى بتنا في حالة من التنافس المحموم لمن يريد إثبات روايته وصحة مصادره حتى لو تجاوزت البُعد الإنساني والقيمي، ولكنها شراهة الشهرة على أوجاع الآخرين، وقد يأتي أحدهم ليفسر الحالة الراهنة بما وصفته سابقًا تحت عنوان “التنافس الصحفي” والتسابق نحو المعلومة التي هي من صميم عمل الصحافة. 

ولكن الأزمة تعاظمت في بُعْدٍ أخلاقي آخر في حالة من الإسقاط والاتهام والهجوم بكل من يناقش الروايات غريبة المضمون متناقضة النتائج، حتى وكالة الأنباء العالمية العريقة “رويترز” ومن اعتمد روايتها دخلت في هذا المضمار بسبق صحفي بأن الصحفي خاشقجي قد قُتل وتحت التعذيب وتم إخراج جثمانه من القُنصلية السعودية، والمصدر مبهم مبني على المجهول لا محل له من التصريح سوى أنه من الأمن التركي، وهو ما لم تعلق عليه الحكومة التركية، بالإيجاب والنفي مما زاد حال الصراع المحموم بين من طاروا بخبر مقتل خاشقجي – سلمه الله من كل سوء -، وهنا نستوقف القوم قليلا.. أليست “الرواية” والتي في أحد رجال سندها إيهام أو جهالة أو دون ذكر الاسم لا تُقبل، فكيف تريدون منا قبول روايات مصادرها مجهولون.

فكأنما هو قميص يوسف الذي جَاء به أبناء يعقوب بِدَمٍ كَذِبٍ حتى ظن بهم سوءا وقال {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}، هنا لابد من تساؤل مشروع من المستفيد من استثمار حادثة اختفاء خاشقجي لدخول تركيا في خصومة مباشرة السعودية؟!

أليس هو ذاته ذلك التيار الليبرالي الدخيل التابع للإمارات، التي تُبشر بشرق أوسط علماني جديد، وتحارب الحرية وساهمت في وأد الثورات المناهضة للظلم والتوريث والاستبداد، والذي سعى لسلخ السعودية عن محيطها الخليجي بحصار قطر وخلافات باردة مع سلطنة عُمان والكويت. 

وهو التيار الذي يقود النظام السعودي في العهد الجديد والذي بنى انطلاقة تاريخه بالحماس نحو علمانية بلاد الحرمين، ومحاربة المبادئ والقيم التي نشأت عليها مملكة التوحيد، ومن ثم اضطهاد العلماء والمفكرين والإعلاميين وكل صوت حرّ ناصح غيور، لتصبح السجون السعودية مُستقرًا لخيرة أبناء الحرمين، واختلاق أزمة مفبركة مع دولة قطر وأميرها الشاب لحصارها وشيطنتها، و اتهامها بكل نقيصة وهي منها براء. 

وهو التيار الذي يسعى لإضعاف دورها الريادي في العالمين العربي والإسلامي، وتقزيمها حتى أصبحت محط تندّر وإهانة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصريحة أمام الناخب الأمريكي، وما تبع ذلك من ردّ رسمي هزيل. 

هو نفسه التيار الذي يسعى اليوم لتفعيل صدام دبلوماسي وسياسي بين قوتين إسلاميتين لطالما جمع بينهما رابط روحي لعاصمة الإسلام مكة المكرمة والمدينة المنورة بعاصمة الخلافة في إسطنبول. 

وهو نفسه التيّار الذي يفرح بكل أزمة تصيب تركيا ونظامها السياسي أو الاقتصادي، وسعى مرارا لدخول تركيا في أزمات متلاحقة من الانقلاب الفاشل في تموز 2015 إلى أزمة الليرة التركية، لافتعال هذه الأزمة التي قد تهز النظام السياسي التركي وحالة الطمأنينة التي تسوقها الحكومة في الداخل والخارج  لاستقطاب رؤوس الأموال لتركيا. 

هو نفسه التيار الذي يدفع نحو الهرولة باتجاه التطبيع مع العدو الصهيوني، المستفيد الرئيس بزيادة الشقاق العربي والإسلامي. 

ما يزيد الطين بِلّة هو تلك الفئة التي تريد استثمار قميص خاشقجي لينبري لإثبات أن القميص اليوم هو قميص عثمان وليس قميص يوسف، وتتبنى رواية “رويترز” وكل رواية بوليسية عجيبة، ويرفضون صوت الحكمة بالتريّث لانتظار انتهاء التحقيقات والتفاوضات الداخلية بين الخارجية التركية والسعودية، وكأنهم يسعرون لحربٍ.. الخاسر الوحيد فيها كلا النظامين، و المنتصر الوحيد هو العدو الصهيوني والتيار الليبرالي الدخيل.. وبدؤوا ينادون بالثأر لدم عثمان، وحمل قميصه أمام النظام التركي ويتحفزون من كل جانب. 

ألا يا بني قومي.. أعطوا للعقل والحكمة في هذه الأحداث موطنها الرشيد، وأطلقوا بين أقلامكم حكمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقلب الحسن بن علي الذي جمع حين اختلف القوم، وكلّنا في حق الصحفي السعودي جمال خاشقجي متضامنون ومتعاطفون مع أبنائه وأقاربه وأصدقائه وقرّائه، ونتمنى أن يكون بخير وعافية ويعود للكتابة واستكمال مسيرة القلم والحرية، ولا تكن لإرهاب من اختلف معك في رأيك المستعجل اليوم شريكًا في الجريمة.. بل ضع يدك في أيدينا لنجمع لا نفرق.. لعل قافلة الخير تحمل إلينا ريح قميص يوسف الذي يزف لنا البشرى ويرد لنا البصر والبصيرة..  والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *