الرئيسية / مقالات / تأملات / عودة إلى الله

عودة إلى الله

أراك قد سئمت الذنوب، وعفت قيودها، وأطالع في قلبك الحنين إلى مولاك، تشتاق إلى العودة، بعد أن أضناك البعد، وأعياك المسير في التيه، الخير الكامن فيك يصور لك مشهدًا فريدًا، ويثير في نفسك الشوق له: مشهد إقبالك على أعتاب الإنابة، تخلع عن جسدك الثياب الرثة، وتغتسل في معين التوبة، وتطرق باب الرحمن، فتلحق بقوافل العائدين إلى رب العالمين، وتعود روحك إليك، فما حياتك إلا بالعيش في رياض محبته ورضاه.

لا تتردد، شد رحالك إلى الله، وفر منه إليه، من لك غيره؟ أي خير في حياة خلت من القرب من الجليل؟ فما الذي يلم شعث القلوب إلا الإقبال عليه؟ وما الذي يزيل وحشتها إلا الأنس به، وما الذي يذهب حزنها إلا المعرفة بعظمته؟ وما الذي يسكن قلقها غير الفرار منه إليه؟

أراك تقف مطرق الرأس، حائر الطرف، كأنك تصرخ بلوعة الندم:

قد مضى في اللهو عمري             وتــناهى فيـه أمري

كل يوم أنـا رهـــنٌ            بين آثامـــي ووزري

ويح قلبي من تَناسِـــي           مـــقامي يوم حشري

واشتغالي عن خطــايـا           أثقلـــت والله ظهري

 هلم نمخر في بحار الأمل والرجاء، نغوص في أعماقها، نستخرج الدر واللآليء، من آية تبعث فينا الأمل، أو قول نبوي تنقشع به سحب اليأس السوداء، أو أثر يكون بردًا وسلامًا على القلوب المشتعلة، أو شعر يلامس أوتار القلوب فتهتز رجاءً، إنها بشائر وأفراح، أفراح العودة إلى الله.

بالطبع قرأتها مرارًا، لكننا معًا سنعيد تلاوتها، ولندع القلوب هي التي تتلوها، فهي الملتاعة، هي الحيرانة، هي المشتاقة إلى ما يبعث فيها الرجاء، والرجاء في النداء، فاستمع إلى رب الأرض والسماء:

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

نداء يبدأ بكلمة محببة إلى النفوس المؤمنة، التي رضيت بالله ربًا مهما طال منها الجفاء، يبدأ الرحمن بقوله: {يَا عِبَادِيَ}، إنه نداء يفيض رحمة وودًا، أتدري من هم العباد الذين أراد الله بهذا النداء؟ أهم المتقون؟ أهم الخاشعون؟ أهم الطائعون؟

إنه يخاطب بهذا النداء أولئك الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي والذنوب، فما أروعه من تحبُّب من رب العباد إلى عباده المسرفين على أنفسهم، المستكثرين من الذنوب، نعم يا رب نحن المسرفون.

{لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}، ما أعظمك من إله، نعصيك فترفق بنا، وتفتح لنا باب الرجاء، وتنهانا عن القنوط من تنزل رحماتك، فكيف لا نرجوك بعد هذا يا ربنا.

{إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، ما هذا الأمان الذي ينبعث ويشع ويفيض من هذه الآية، أكل الذنوب يارب ستغفر؟ أتمحو عنا خطايانا كبيرها وصغيرها؟ ما أكرمك وما أعظمك.

{إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، تُذكرنا يا مولانا في ختام الآية باسمين عظيمين من أسمائك الحسنى ـ وكل أسمائك عظيمة ـ الغفور الرحيم، لقد علمنا يا ربنا أنك للطائعين والمذنبين، لا تقطع عنا الرجاء فيك، يا من أنت أرحم منا بآبائنا وأمهاتنا، لقد علمنا لماذا أقدم المنادي وناجاك:

يارب إن عظمت ذنوبي كثـرة                فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسـن                 فبمن يلوذ ويستجير المجــرم

أدعوك ربي كما أمرت تضرعا               فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

مالي إليك وسيلة إلا الرجـاء                 وجميل عفوك ثم أني مســلم

أو تظن أن يغلق في وجهك الباب وقد طرقتَه؟ لا تكن برحمة الله جهولًا، لئن ذهبت إلى المخلوق تعتذر ربما لم يقبل، ولئن قبل ربما لا يصفو، لكنك تتعامل مع الخالق، الذي ما إن تطرق أبوابه يفرح.

يفرح؟ نعم، أطعته فشكرك، وعصيته فأمهلك، ولئن رجعت إليه قبلك، بل يزيد على ذلك فيفرح بعودتك إليه فرحًا يليق بكماله وجلاله، أتدري كيف يصور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحة الله بتوبة عبده، اسمع وانتش وافرح واستبشر، يقول الحبيب إمام الأوابين محمد رسول رب العالمين: ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح).

 إنه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، فكيف لا يقبلنا، وكيف يغلق بابه في وجوهنا، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من السبْيِّ قد وجدت صبيها بعد أن فقدته، فألصقته ببطنها، وأرضعته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أترون هذه طارحة ولدها في النار؟) فقالوا:لا، فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها).

إنه الله الرحمن الرحيم، القائل في كتابه الكريم: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، قال الغزالي في الإحياء: “يروى أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله تعالى عشرين سنة، ثم عصى الله عشرين سنة، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك، فقال: اللهم أطعتك عشرين سنة، ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فناداه منادي أرحم الراحمين: أحببتنا فأحببناك، تركتنا فتركناك، عصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك”.

سمع أعرابي ابن عباس يقرأ: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}، فقال: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس: (خذوها من غير فقيه).

كلما قسى قلبي وضاقت مـذاهبي            جعلت الرجا منك لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنتُه بعفـوك              ربي كــان عفوك أعظمـا

فما زلت ذا جود وفضل ومـنـة             تـجود وتعفو منَّـةً وتكرما

أيها التائق إلى العودة، كن مع ربك مثل هذا الصبي مع أمه، ولله المثل الأعلى، يحكي ابن القيم عن بعض الصالحين حين حصل له شرود وإباق من ربه، (أنه رأى في بعض السكك باب قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده حتى خرج.

ذهب الصبي غير بعيد ثم وقف متفكرًا، لم يجد له مأوى غير والدته التي تؤويه،فرجع مكسور القلب حزينًا، فوجد الباب مرتجًا فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام وخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك إلا أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي، وتقول: يا ولدي، أين تذهب عني؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك … وإرادتي الخير لك … ثم أخذته ودخلت.

تأمل قول الأم: لاتحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة، وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم (الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها).

 وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه, فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به، فهذه تُطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها).

إلهي من لي غيرك… أسأله كشف ضري.

إلهي من لي غيرك … من لي غيرك.

إلهي حجتي حاجتي … وعدتي فاقتي.

فارحمني إلهي … من لي غيرك.

كيف امتنع بالذنب من الدعاء.

ولا أعلمك تمنع مع الذنب من العطاء.

فإن رحمت … فخير راحم أنت.

وإن عذبت … فغير ظالم أنت.

أنت الكريم … أنت الحليم … أنت الغفور … أنت الرحيم. وأنت الله … أنت الله.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

2 تعليق واحد

  1. الله الله مالنا سوى عفوك

  2. اللهم تب علينا لنتوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *