الرئيسية / مقالات / همسة منهجية للدعاة (1)

همسة منهجية للدعاة (1)

“كثيرٌ من الدعاة غارقون إلى الآذان في محاولة فهم المنهج، ولا يعيرون لقضية كيفيات التحرك به إلا بقايا الجهد والوقت”.

في تلك العبارة يطرق الدكتور عبد الكريم بكار أبواب قضية غاية في الأهمية، وهي مسألة التوقف طويلا عند جزئية إدراك المنهج والركون إلى ذلك، دون إيلاء العمل والتحرك به أهمية بذات القدر، وكأن القضية هي تحديد المنهج فقط لا غير، فيرى بعض الدعاة والمصلحين أن مجرد فهم المنهج وتحديده سيكفل لهم التمكين، «الوسيلة الصحيحة لكسب أي سباق أن تقوي نفسك لا أن تعوق غيرك..».

فنحن إذ نعاني من سطوة الاستبداد من جهة، نعاني بالمقابل؛ من فوضى الإدراك عند بعض الدعاة وخصوصا من تصدّروا مشهد العمل للإسلام، أو تمثيله بالشكل المعاصر، فيقع التعارض بين الحياة الدنيا وصناعة الآخرة والفصل بينهما أو التماهي لتحقيقهما معا، فيعالج الشكل المعاصر بِلَي عنق الموروث من نصوص أهل العلم، حتى بدا المنهج الإسلامي غريبا في عيون بعض أبنائه.

مع أن المنهج الإسلامي بالأساس منهج واضح، ليس طلاسم وأحجيات، ومبني ذلك على تحديد الأصول والفروع، وتعيين الثوابت والمتغيرات، لذلك كل الدعاة والتيارات التي تنتمي لأهل السُّنة في حقيقة الأمر خلافها سطحي تم تعميقه، لأن خلافها ليس في أصول المنهج وثوابته بالأساس، وإنما اِنْصَبّ الخلاف في مسائل الفروع ومساحة المتغيرات وأدوات الدعوة.

فصرنا أسارى الشعارات البراقة على حساب تحقيق المنهج في المجتمعات المتعطشة لروح الإسلام وأفكاره، كما وصف تلك الحالة د.علي عبد الحليم: «ليس العبرة عند العقلاء من الناس بأن يطلق شعار ما، وإنما العبرة بالعمل وفق ما يدل عليه هذا الشعار، فإن لم يقترن العمل بالقول والتطبيق بما يدل عليه الشعار، فإن الشعار يظل الأجوف، مهما حمل من عبارات منتقاة بدقة ودالة بقوة»

وهنا في مقابل الاستغراق في تحديد المنهج وملامحه، لم يركّز كثير منهم على كيفية التحرك به، وكيفية التعامل مع المناخات الصعبة التي يُطرح فيها المنهج، وطريقة عرضه للناس لتحفيزهم إلى تمثّلِ هذا المنهج واقعا في حياتهم، فمعظم هؤلاء الدعاة غابوا عن فقه الموازنات وترتيب الأولويات، وتاهو بين رصد الأهداف والعمل على تحقيقها، بما يتناسب مع جوانب الشخصية المسلمة الروحية والعقلية والبدنية والسلوكية والاجتماعية، ولم يُحسنوا تنزيل النصوص القرآنية والنبوية على الواقع، ولم يضعوا في حساباتهم العوامل الاجتماعية والاقتصادية وسياسة الداخل والعلاقات الدولية.

كما أوصى الشيخ الغزالي رحمه ﷲ «فالرجل صاحب الرسالة يعيش لفكرته ويعيش في فكرته.. فحياته فكرة مجسمة تتحرك بين الناس، تحاول أبدا أن تفرض على الدنيا نفسها، وأن تغرس في حاضر الإنسانية جذرها ليمتد على مر الأيام والليالي فروعا متشابكة تظلل المستقبل وتتغلغل فيه..».

إنها تلك الحقيقة المنسيّة التي طمرتها رواسب الانحراف الفكري والتي بينها المفكر سيد قطب، أنه “ليس من طبيعة الدين أن ينفصل عن الدنيا، وليس من طبيعة المنهج الإلهي أن ينحصر في المشاعر الوجدانية، والأخلاق التهذيبية، والشعائر التعبدية، أو في ركن ضيق من أركان الحياة البشرية”، فلم يُنزل ﷲ دينا لإصلاح الآخرة وآخر لإصلاح الدنيا، هو دين واحد، يصلح تلك القنطرة التي تكون معبر الناس إلى آخرتهم، ويصلح تلك الأخرى التي فيها معادهم، فإن غاية المسلم اليوم بعد دوره في العبادة وعمارة الأرض، إحقاق الحق وتطبيق العدل، وممارسة الإحسان، ورعاية المصالح العامة، ودرء مفاسدها.

كما أن أحد جوانب القصور في التحرك بالمنهج، هو الخلل في توصيف المجتمع، والنظر إليه على أنه حالة مماثلة للحالة المكية قبل الهجرة، مع أن الفارق شاسع بين مجتمع وثني، وبين مجتمع مسلم ابتعد عن الشريعة.

هذا التوصيف ترتّب عليه أخطاء فادحة أبرزها العزلة الشعورية التي مارسها بعض الدعاة في مجتمعاتهم، ولا أقصد بها حتما بغض المنكرات، وإنما أعني بناء ذلك الحاجز النفسي مع أفراد وطبقات المجتمع سوى من يحمل معه نفس الراية الجزئية، حتى غدت الأخوة الإسلامية إذا أطلقت داخل الكيان الواحد تبادر إلى الأذهان بتلقائية أنه الأخوة والرابطة العميقة بين أفراد ذلك الكيان، «لأن المسلمين اليوم بحاجة إلى الإيمان اليقظ، قبل حاجتهم إلى أسباب الغلب المادي» كما قال الغزالي.

ما ترتب كذلك عليه التوصيف الخاطئ، من قيام فكرة إنشاء مجتمع بديل، يقيم الشريعة داخل إطاره، ويتوسع في هذه الدائرة والعمل على استقطاب المجتمع بأسره في دوائر خاصة وعامة، وهذا قطعا حمل بعض الكيانات على تجاهل البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة وقوتها وكذلك العوامل الخارجية، ما عرّض بعض التيارات للاستئصال أو الإضعاف السريع، أو قيام بعض أفرادها بحملات ضد التيارات الأخرى من باب التحاسد لا التنافس، «فينبغي أن يكون المتدينون أبعد الناس عن سوء التقدير وقلة الإنصاف.. فإن أول معالم المجتمع المتدين أنه لا يجحد فضلا ولا ينقص حقا.. ».

الشاهد هنا أنه لا يكفي أن نقول نحن على الحق، ونحن أصحاب المنهج الأسمى، بل ينبغي أن نبصر مواضع الخطى، ونحسن السير بهذا المنهج في الناس، ونُعلي قيمة العمل والإخلاص لتحقيق رسالة الإسلام، لا أن نبقى نراوح مكاننا ننظّر عن الإسلام في الغُرف المغلقة وصومعاتنا في وسائل التواصل الاجتماعي، بل علينا الخروج من تلك الوصامع لنُلامس رغبات الشعوب و أحلامهم، مما يقربهم إلى ﷲ ومنهج نبيه ﷺ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

دراما ابن زايد تعلن الحرب على فاتح القسطنطينية

«قد نبشتُ قبور ملوكهم السابقين والمتأخرين الذين لم يخافوا من هيبة آشور، والذين أقلقوا أسلافي …

3 تعليق واحد

  1. فريد الجزائري

    قد نكون أصحاب حق لكننا لا نعرف كيف نسترده لضعف في تقدير المكان و الزمان الملائمين أو لضعف في المقدرات التي تساعدنا في استرداده
    فلا يكفيك أنك صاحب حق و أنت ضعيف تتباكى و تنتظر أن تمطر السماء ذهبا ، لن تصل لحقك و أنت لا تقرأ و لا تفكر و لا تبحث و لا تعمل و لا تبذل الجهد و لا تتخذ الأسباب المناسبة للوصول لمبتغاك بأقل التكاليف.

  2. أقترح إضافة قسم مخصص للمرأة على الموقع ، و ذلك لحساسية موقفها و أهميته في الأسرة و المجتمع ، و هي الطرف الحاسم بصبرها من عدمه في الأحداث المهمة ، و لكونها الأكثر معاناة و تأثرا من الفوضى و الدمار الذي نواجهه . و أنت أختنا الكريمة بما أعطاك الله من فضله لك كلمة مسموعة و قبول طيب ،
    و أنت أعلم بمفاتيح الخير و مغاليق الشر عند النساء . أتمنى من الله لك و لموقعك القبول عند الناس في الدنيا و عند الله في الآخرة . ثبتنا الله و إياك على الحق .

  3. درر ..ولؤلؤ ..
    إن الممت بالقصد جيدا فمشكلتنا اننا لم نتجاوز بعد ان قضية الاختلاف هي في الفروع والمتغيرات والكثير يرى انها بين حق وباطل

    قلت مرة لصديق لي يتبعي المنهج السلفي ، انتم تحرمون المظاهرات وتعتبرون انها خروج على الحاكم

    ترفضون عمل الاخوان لانه تحزب وتقولون ان المسلم لا يتحزب ، وان كنا لا نتحزب باسم الدين فالواجب ان نخوض اغوار السياسة من اجل الدين فلم تعتبرونها رجسا من عمل الشيطان

    تنكرون على الدعاة ما يفعلونه من اجل الاسلام جملة وتفصيلا بحجة انهم بعيدين عن منهج السلف بسبب الاختلاط والموسيقى وتبدعونهم و تلقون بكل ما يفعلونه في سلة المهملات وان كان فيه خير قابل للتصفية

    فأخبرونا كيف يكون التغيير ، هل بكبسة زر ، ان كنا تقوقعنا على انفسنا بهذه الطريقة كيف سنغير ؟! ، إن لم ندرس واقعنا جيدا ونحدد في اي الدرجات هو في الاخلاق في العلم في الفهم و نحدد الدواء على حسب الحالة والمرض ونبدأ بالعمل و رحلة العلاج بالمراحل وبتخطيط وبخارطة طريق دقيقة وواضحة على خطى السيرة النبوية في الدعوة فكيف سيحدث التغيير

    تركنا من المرحلة المكية قضية الاولويات في الدعوة ، السر وفترة الضعف ثم الجهر ( حمزة ، عمر ) التركيز على الايمان قبل التشريع ، التعريف قبل التعنيف ، تركنا كل هذا و اخذنا منها عزلة وقطبية لم يخترها الصحابة وانما اجبروا عليها من مجتمع كافر وثني جعلنا مجتمعنا شبيها له

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *