الرئيسية / مقالات / اليوم الوطني لقطر

اليوم الوطني لقطر

بينما أنا سابحةٌ في “النظرات” للأديب المنفلوطي، استوقفتني معاني الحرية في أحد المواطن التي أبدع فيها بكلماته الأنيقة وهو ينقلك عبر معانٍ عميقة تربط بين السعادة والحرية إذ يقول :” لا سبيلَ إلى السعادةَ في الحياة إلا إذا عاش الإنسانُ فيها حرا مطلقا، لا يسيطرُ على جسمِه وعقلِه ونفسِه ووجدانِه وفكره مسيطرٌ إلا أدب النفس. 

فالحرية شمس يجب أن تشرقَ في كل نفس، فمن عاش محروما منها عاش في ظلمة حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر“

 لطالما آمنت أن الحرية المنضبطة بالقيم تصنع المجتمعات القوية، حين تقدم قيمة الإنسان على العمران، وتتسيد فكرة النهوض والتنمية مجالس أهل الفكر والسياسة، فيصنع المجتمع من خطابه المثالي حالة من التناغم مع الحقيقة بلغة الإنجاز والتنمية، فسرعان ما آتت أكلها في الوجدان الجمعي للشعوب الطموحة، وأصبحت قوة فعالة لتحقق إحدى عوامل التغيير بأنفس الناس من تقاليد وعادات تجمع ما بين الموروث بلغة المعاصرة. 

كم هي درّة التحدي والإباء تلك الدولة، والتي هي في نظر البعض شبه جزيرة صغيرة تطل على الخليج العربي، وفي نظر النجاح تلك التي صقلت الموروث بأسلوب حياة جديد معاصر، وقصة إنجاز باهر، فهي من حيث النشأة في سباق مع الزمن وتنافس مع قدراتها للوصول للقمة، لم تفتر منها العزيمة، ولم تناجزها هواجس النفس أنها دولة صغيرة، وفي محيط مضطرب، فاختارت أن تكون بحق لؤلؤة الخليج.. إنها قطر كعبة المضيوم كما يحلو لأهلها أن يسمونها. 

وأمام تصفحي لجدول احتفالات قطر بيومها الوطني في 18 من ديسمبر استوقفتني كثيرا شعار احتفالاتها (قطر ستبقى حُرّة)، فجعلت أقلب في ذاكرة الأيام تلك الأحداث العصيبة التي مرّت بها قطر شعبا وأرضا وحكومة، فمنذ تآمر عليها رباعي الكيد والحصار، و أجمعوا أمرهم على حصارها، أصابتني الرهبة من وَهْل الحدث وكآبة الحقيقة، فقد أرادوا لها أن تكون طائعة لرغباتهم، أَمَةً لا تمتلك إرادتها ولا قرارها، ولا تقوم بأمر حتى تعود لأوصياء نصبوا أنفسهم سادة عليها، هكذا كان يحلم الواهمون!! 

فنظرت حولي فإذا بشعب تشرّب معاني العروبة والإباء من معين النخوة والكرامة، فانعكست النشأة على الحدث، فصمد القطريون خلف أحلامهم، واستبسلوا وراء قطار منجزاتهم، وحلقت أفئدتهم في سماء الحرية والامتداد في التواجد الإقليمي والدولي كدولة لها وزنها السياسي، عبر أدوارها في دعم القضايا العادلة في فلسطين والعراق وسوريا ودول القرن الإفريقي، فكانت دفء لشتاء البؤساء، وطعام خير لأمعاء الجوعى من كرام الشعوب، والذي فتك بهم سياط الاستبداد والدكتاتورية، ثم عبر تحالفاتها الإقليمية والتي تجلّت مع تركيا فغدت التوأمة بين البلدين شعارا كما قالها الطيب أردوغان” كانت قطر لنا بحق الصديق وقت الضيق “، وعبر تحالفات إنسانية تنموية مع الأردن في أشد ظروفه الاقتصادية قسوة، ومع مؤسسات دولية كان ختامها جملة من الاتفاقيات مع مؤسسات الأمم المتحدة بالأمس الأول في منتدى الدوحة، والذي استقبل في يومين نخبة من المفكرين والسياسيين العرب والغرب، وصناع القرار وذوي الخبرة والحكمة والرأي. 

ولك أيها القارئ العربي أن تتجول بفكرك في شوارع قطر، لتستشعر جمال العمارة المعاصر الممتزج بعبق اللون العربي والإسلامي في مبانيها وشوارعها، و تتلمس تلك الحالة من الدفء التي تحفُّ قلوب الوافدين والمقيمين والسياح لها، ولطالما وصف لي من زار الدوحة، أنها اسم على مسمى أرض خير كالشجرة الكبيرة الوارفة التي تفيء بظلالها على من أعياهم وعثاء الأيام والسفر، وطيبة أهلها وهم يرسمون البسمة والبشاشة في وجه من يحدثهم أو حدثوه، فكأنما أنت في حركة الحياة كحفل بهيج مع العوائل الكريمة الأصيلة، وتسمع أغنية البراءة تجوب ضحكات الأطفال، فانطلقت الثقافة العربية والإسلامية ومعاني الحداثة في تجلياتها المعرفية في المجتمع القطري عبر ركائز ومقومات موروثة جيلا بعد جيل.

فكان هذا العام بحق عام الثقافة من افتتاح مكتبة قطر الوطنية، واستمرار مسيرة معرض الدوحة الدولي للكتاب، ومعجم الدوحة التاريخي لكلمات اللغة العربية، وعبر متاحفها العريقة، ومنتدياتها الثقافية ومؤسساتها المعرفية وجامعاتها الكبيرة، وهي إذ تختتم العام بمنجز دولي بالمرتبة الخامس كأفضل دولة في العالم من حيث جودة التعليم، والأولى عربيا، لتحقق شعارها لهذا العام “بالتميز نبني الأجيال”، ونجاح  برنامج “علم طفلاً” التابع لمؤسسة التعليم فوق الجميع، في بلوغ هدفه وإعادة إلحاق 10 ملايين طفل بالمدارس في العالم.

وأما على المستوى الاقتصادي والذي كان قلب استهداف قطر وحريتها، فحققت قفزات رقمية بارعة في معدلات تسجيل الشركات، وحجم الإيداعات الاستثمارية الداخلية والخارجية، والاستثمارات غير النفطية، وتوسع في سوق للمال القطري وقوة تداول الأسهم في “بورصة قطر” وهي تحقق أكثر من مرة أعلى مؤشر يسر المضاربين والمستثمرين، وشراكات استثمارية مع كبرى اقتصاديات العالم من ألمانيا وبريطانيا إلى تركيا إلى ماليزيا وأمريكا الجنوبية وشبه القارة الهندية، ودول شرق آسيا، ومن ثم ما حققه ميناء حمد من حراك تجاري قوي ما كان له أن يكون لولا محنة الحصار.. حتى اتخذت قرارا سياديا بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط في العالم أوبك، واتجهت نحو تنمية استثماراتها الخارجية في قطاع التنقيب عن النفط، وتطوير سوق الغاز لتغدو الأولى في تصدير الغاز المسال في العالم.

وهي إذ تبني الإنسان، فتسعى للحفاظ عليه وعلى صحته، فهي تمنح مواطنيها والمقيمين على أراضيها العلاج مجانا، وتحقق إنجازا جديدا حيث احتل النظام الصحي في قطر المرتبة 13 بقائمة أفضل النظم الصحية في العالم، والمرتبة الأولى على مستوى منطقة الشرق الأوسط. 

ولك في قطر الصغيرة التي لم تتجاوز مخاوفها من غدر ذوي القربى في تقوية جوانبها الدفاعية عبر تحالفات استراتيجية ذات بعد تدريبي وعسكري، ورفع كفاءة أبناء قطر من حيث الأداء والتجهيز العسكري، ورفع مستويات التعبئة الوطنية المعنوية، وتعزز معاني الوطنية والتوحد حول الراية والقائد الشاب ومؤسسات الدولة ومشاريعها، ليغدو كل قطري جنديا في مكانه يذود عن وطنه، وجدار حصينا أمام الدعوات والأكاذيب التي قد تستهدف منجزاتها. 

نعم، قطر امتلكت حريتها بيديها وأنيابها، وكسر قيد التبعية منذ اليوم الذي انتزعت خنجر الخيانة من دول الجوار الذي غُرِز بليل في خاصرتها، بعدما تطببت من جراحات تسعينيات القرن الماضي، لينكأ جراحاتها صبيان المرحلة الطارئون على تاريخ العروبة وقيم النخوة والجوار كما يقول القاضي محمد بن حسين: ”الحرية في الموطن والمسكن والرسائل والتفكير والطريق والعمل؛ هي حق لصيق بالإنسان، فاحترام حرية الإنسان في عقله وتفكيره وتعليمه وتصرفه؛ هو احترام لآدميته وتكريم الله له، وهو أمر محبب للنفس ليس له ثمن“، فالثراء لا يمنحك الحرية، ولإن تمتلك جواز سفر يجوب بك دول العالم ولا يهبك الحرية في وطنك واحترام الشعوب في المعمورة فهو ورق زائف لا قيمة له، بقدر ما أن ترى مكانة القطري اسما ورسم قُرْبًا من قلوب الأمة شعوبا ونخبا ومنارات حضارية، فمحبة الناس لا تُشترى بمال ولا تباع في أسواق الذهب والفضة، بل هي وسام تحمله على صدرك مقابل مواقفك وإيمانك بنفسك.. 

وفي رحلتي كلماتي في سنديانة قطر واحتفائي بعرسها الوطني، استذكر كثيرا من الأحيان عندما كان يواجهني بعض قرائي الذين هم عُزوتي وعشيرتي الكبرى، بسؤال على بساطته يحمل عُمقا عاطفيا ومعرفيا.. يا إحسان لماذا تحبين قطر؟!، فأصمت مليا.. لامتلك اليوم بعد أسطري السابقة لجام الإجابة والكلام فأقول:

لأنها امتلكت حريتها.. وانعكست بقيمها في شعبها وموروثها القيمي والديني والأخلاقي،  وستبقى قطر حرة وأبية وعصية على المتربصين بسيادتها وأمنها واستقلالها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي نحو طموحاتها التي فيها رفعة لكل العرب. 

كل عام وأنت بخير ومنصورة يا قطر.. يا دوحة الخير وكعبة المضيوم.. 

والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 *#قطر_ستبقى_حرة*  *#اليوم_الوطني_القطري*

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *