الرئيسية / مقالات / السعودية وجغرافيا التدين

السعودية وجغرافيا التدين

كمعينِ الماء الزلال يرِدُه كل مستوطنٍ ومُرتحل، كان لقاء الغرباء، عربي وفارسي وحبشي، لم يجدوا معيارًا يميز بعضهم عن الآخر سوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وبمثل هذا التصور انطلق الجميع لنشر الدعوة في الأرجاء، وما إن تصل إلى أرضٍ حتى تنصهر في البوتقة، وتحمل الراية مع غيرها.

“إن عالمية الإسلام “من كتاب وسنة” يخاطبان الإنسان حيث كان، دون انحصار في زمان أو مكان.. إنهما ارتباط بالفطرة، وحوار من العقل البشرى تحت أي سماء وإلى آخر الدهر”.

تلك هي الحقيقة الساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار، التي صاغ حقيقتها المفكر الإسلامي محمد الغزالي بعذوبة لفظه، إنها حقًا عالمية الإسلام التي تخاطب البشر في كل زمان ومكانٍ متخطية الحدود الجغرافية، والتي تعني من جانب آخر لها أن راية الإسلام يحملها جميع الذين انضووا تحتها، فليس لأحد أن يدّعي احتكارها، وليس لشعب أن يحصر التدين بين حدوده ولا أن يزعم أنه حامل اللواء دون غيره ولو كانت أرضه هي مهبط الوحي وتنزّل الرسالة.

إنه لمن التدليس والافتراء حصر التدين في الجزيرة العربية ودول الخليج، والادعاء بأنهم حملة راية السنة، وأن من سواهم أقوامٌ حادوا عن الفهم والتطبيق الصحيح للدين.

 وإنه من الضلال أن ينظر المتدينون في هذه البلاد إلى غيرهم بذلك التعالي لا لشيء إلا لأن بلادهم تضم المقدسات أو قريبة منها، والزعم بأن علماءهم هم من يجب الأخذ عنهم دون علماء سائر البلاد الأخرى.

من قال أن التدين بصورته الصحيحة لا وجود له إلا بتلك البقاع؟ قد علمنا أنها مهبط الوحي، لكننا علمنا مع ذلك أن الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية، وأن عقر دار المؤمنين الشام، فيها الإيمان إذا وقعت الفتن كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

حُدِّثنا أن صلاح الدين الذي حرر الأقصى لم يكن حجازيًا، ولم يكن سيف الدين قطز الذي كسر شوكة التتار نجديًا.

كان أبو حنيفة كوفيًا، وأحمد بن حنبل عراقيًا، وابن تيمية حرانيًا ثم دمشقيًا، والنووي سوريًا، والليث بن سعد مصريًا، والبخاري أوزباكستيًا، ومسلم نيسابوريًا……….

وكما أن أرض الحجاز أنجبت الفضلاء ابن باز وابن العثيمين وابن جبرين، فإنه لم يخرُج من رحمها الألباني، ولا القرضاوي، ولا الشعراوي ،ولا محمد الحسن الددو الشنقيطي، ولا محمد راتب النابلسي، ولا علي الصلابي، ولا عبد المجيد الزنداني…..

فدعونا من هذه الفرية، الأمة ولادة، والتدين ليس محصورًا في الديار السعودية أو الخليجية، بل انظروا خارج دائرة العرب إلى مظاهر التدين في إندونيسيا وباكستان وأفغانستان بل حتى في تركيا التي بدأت في طريق استعادة هويتها الإسلامية بعد قرابة قرنٍ من الهيمنة العلمانية.

لقد كان الأديب عبد الوهاب عزام رحمه الله يجوب الأقطار الإسلامية شرقًا وغربًا، بلاد العرب وتركيا والهند وغيرها، ودرس واقعها عن قرب، فجعل يبشر الناس في كتاباته بأن في الأمة أخيارًا فقط ينقصهم الانحياز غلى راية جامعة، فخير الأمة ليس محصورًا في منطقة بعينها.

سوف تكون الوصاية السعودية على الأمة مقبولة إذا قامت بالمسؤولية المنوطة بها نحو تحرير فلسطين قضية المسلمين المركزية، وسبحت بالأمة عكس تيار التطبيع، وسوف تكون وصايتها على الأمة مقبولة إذا أخذت بحُجُزِها نحو الخروج عن التبعية لأمريكا، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

التدين في السعودية ربما يركز على الهدي الظاهر بصورة مبالغ فيها (مع إقرارنا بأهميته)، وفي ذلك كان اعتماد خيارات فقهية تُحجّر واسعًا، فمثلا قضية تغطية الوجه التي هي من الفروع محل الخلاف بين العلماء ولكلٍ أدلته، أصبح القول بوجوبه قولًا واحدًا يتم تعميمه، ومن ثم صارت كاشفة الوجه في الشعوب الأخرى أو داخل السعودية تُسمى سافرة، وكذا الأخذ من اللحية صار أمرًا منكرًا رغم تعدد الأقوال الفقهية فيه، وتوسعوا في قاعدة سد الذريعة بإفراط، حتى صار تواجد الرجال والنساء في مكان واحد اختلاطًا محرمًا ولو كانت المرأة بحجابها دون تلامس أو مقاربة شديدة، وهكذا دواليك.

وربما حرَمتْ هذه الخيارات الفقهية جماهير الأمة من السعة التي أوجدتها المدارس المتعددة للفتوى، إضافة للتشكيك في علماء ودعاة الأمة الآخرين، حكى لي بعض أصدقائي من مصر أن ما سماه البعض بالفقه السعودي الذي داهم مصر منذ بضعة عقود، تأثرت به شرائح واسعة في المجتمع المصري، خاصة التيار السلفي، حتى غدا علماء الأزهر في نظر هؤلاء ما هم إلا مشايخ جهلة تابعين للسلطة ومن الخطأ الأخذ عنهم ولو بعدت فتاواهم عن الجانب السياسي.

كما علمت من بعض إخوتي الشوام أنه يسود بين بعض المتدينين في السعودية حالة من عدم الرضا عن عالم الحديث ناصر الدين الألباني واتهامه بالتساهل في تحقيق الأحاديث النبوية، علمًا بأن الرجل رحمه الله قد أحدث ثورة علمية في تنقية السنة النبوية من الموضوع والضعيف، وأصبحت كتبه منهلًا لكل باحث، لا لشيء إلا لأن الألباني ليس سعوديًا، والأمر نفسه مع محمد الحسن الددو الشنقيطي، حيث يُتهم بالابتداع عند بعض المتدينين السعوديين مع سعة علمه وقوة حجته وذاكرته العلمية الكربونية، والكلام نفسه يقال عن الشيخ يوسف القرضاوي.

أنا قطعا لا أطعن في تدين إخوتي السعوديين، لكنني أنتقد احتكار الحق، والنظر إلى تدين الآخرين بمنطق الشعوبية، باعتبار أن بلادهم حاضنة الحرمين.  إن الرسالة المحمدية ليست ميراثًا جغرافيًا، إنما هي منهج يحمله من خلَفٍ عدُولُه، في كل مكان على وجه البسيطة، فمن قام به وتمثله واقعًا كان مِن حَمَلَتِه بحق، ومن فرط في تلك الأمانة لَحِقَتْه الآية الكريمة {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

تعليق واحد

  1. مقالة في القمة بوركتي دكتورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *