الرئيسية / مقالات / لاعنوا الظلام

لاعنوا الظلام

“لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الرَّجُلُ وَيَنْهَى عَنْ نُورٍ فِيهِ ظُلْمَةٌ. إلَّا إذَا حَصَلَ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ”.

لمن ستكون هذه العبارة الذهبية إن لم تكن لابن تيمية الذي لَكَأنّه تخطى عصره ونفذ بكلماته لواقع اللاحقين، هي إحدى اللآلئ الحسان التي خرجت من كنانة فقه الأولويات والمصالح والمفاسد التي حملها ابن تيمية على ظهره، فما أحوجنا اليوم إلى إمعان النظر فيها، والاستضاءة بنورها المُقتبس من نور الوحيين.

لما تقاعدنا وتخاذلنا وتقاعسنا وأوْحلْنا في منطق التبرير لأنفسنا في رقادنا الطويل، صارت بضاعتنا نقد العاملين، ولمّا قصُرتْ بنا الهمم لأن ننشد الكمال في أنفسنا، صرنا ننشده في غيرنا، والويل لهم إن لم تكن أعمالهم على مستوى أحلامنا نحن.

كثر لاعنو الظلام، وغاب حاملو الشموع، فواعجبًا لمن لا يقيم للون الرمادي والمسافة بين المسافتين وزنًا واعتبارًا وهو مُصاب بعمى الألوان وضعف القياس.

ترى في القاعدين إصرارًا عجيبا في إبراز مثالب الغير ولو كانت مغمورة في بحار حسناتهم، يشترطون الكمال على الآخرين وهم يرضون لأنفسهم العيش على هامش الحياة، وإذا تقدم من يحمل المشاعل على قاعدة (سددوا وقاربوا) وأخذ يقطع طريق الإصلاح رويدًا رويدًا أخذًا بسنة التدرج، صرخ القوم ولمّا يبرحوا بعدُ فُرشَهُم الوثيرة: “أدركوه، إنه يُميّع القضية ويخرق النواميس”!

أجهلٌ أصابهم؟ أم حماقةٌ تمكّنت من عقولهم؟ أم حقدٌ على العاملين لأنهم كشفوا قعودهم؟ أم كل ذلك قد داهمهم؟

يا هؤلاء، إن لم يكن صنيع العاملين يرقى لما بَنَتْهُ مُخيلاتكم، فأرونا أفعالكم، ماذا قدمتم غير الكلام وما أيسره؟ ألا فلتنزلوا إلى الميدان وتخوضوا السباق ثم تتحدثوا عن المُتَبارين، وإما أن تُطبقوا أفواهكم وتبتلعوا تلك الكلمات الرخيصة التي تهتف بكم للانطلاق.

دعوا العاملين وشأنهم، وتفقهوا قبل أن تنتقدوا، ولا تكونوا كمن لا يرحم ولا يريد لرحمة الله أن تنزل بالعباد، لا يكن حالكم كحال المنافقين الذين كانوا يلمزون المطوعين في الصدقات وهم أبعد عنها، ويتهمون حملة القرآن بالكذب والجبن عند لقاء الأعداء، بينما لم يشهد أديم الأرض كذبًا مثل كذبهم، وهم القائلون إذ يُنادي منادي الجهاد: لا تنفروا في الحر. هؤلاء المُحْبِطون يجرمون في حق الأمة، ويشاركون أعداءها المكر والكيد، غير أنهم يلبسون مسلكهم العفن ثوب النصح والرغبة في الإصلاح والخوف على حِمى الشريعة وثوابت القضية، ألا بعدًا للقاعدين الشاتمين الشامتين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل ستنجح المعارضة في دفع أردوغان لانتخابات مبكرة؟

لا يخرج النور من أحشاء الظلام إلا بعد فتْقه، وحين يندفع الجنين من رحم أمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *