الرئيسية / مقالات / رموز اسلامية / موعد مع ابن تيمية

موعد مع ابن تيمية

الأفكار وحدها تطْوي المسافات، وتصِلُ الماضين باللاحقين، وفي غمْرة الشعور بالانتماء لذلك الركب السائر عبر التاريخ، تتبدّد وساوس اليأس من الإصلاح، ويجد المرء في الحياة مرعىً خصيبا ليحلم بالأعمال الكبيرة، ويخرج من سجن الجيل الذي قال عنه الرافعي “تُخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها”.

غرقت في كتبه، وبغرقي هذا نجوت، نعم هكذا كان الحال مع شيخ الإسلام ابن تيمية، هناك مَن بث في قلبي الفزع تجاه تلك الشخصية التي كِيلت لها الاتهامات بالتكفير والتكريس للغلو وصناعة الفرق والاختلاف، وهالني ما رأيت من نصوص له اجتزأها أهل التضليل والغواية، فقابلت التخويف منه بجرأة السباحة في بحر علومه وتصانيفه، وجمْع أطراف حديثه، وضمِّ ما أجمَلَه إلى ما فصّله، لأقف على الحقيقة التي صرتُ ولا زلت أنافح عنها، أنّ ذلك الفذّ الثِّقة قد أصّل لفقه الائتلاف، يتلقى اتّهَامه بالكفر بالاعتذار عمّن كفّره، يتخذ من الحوار البنَّاء نهجا، يُبرز خِصال الخير في مخالفيه قبل نقدهم، يتمرد بوعي على الجمود الفقهي، ويراعي فقه الأولويات وضرورات الواقع.

فلما عرفته هِمْتُ به كحال العشاق في دنيا الصحراء حيث العاطفة الرحبة التي تتناغم مع اللاحدود، وحيث الطبيعة العذراء المُلهمة، وودت لو كنت أحد شعراء عصره فأنتصر له بالاسترسال مع فطرة الجمال، ومقارعة شانئيه الذين ناجزوه لدى العامة بِرقّة الشعر وروعة البيان.

أفلا ألتقيه؟ بلى قد حان الموعد.

 وفي يوم مسْغبةٍ روحية طوَّقتني، أتاني البشير وكأنه قميص يوسف، فارتدّ إليّ عزمي عندما عرضَتْ عليَّ شركة البراق القطرية، المشارَكة في فريق البحث الخاص بعمل درامي يتناول سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية.

قلت مَرْحى، هي فرصتي لخدمة تراث هذه الشخصية التجديدية، أن أشارك بجهد المقلّ بحسب ما يسر الله لي مع نخبة من الباحثين أنا لهم تَبَعٌ، لنبحر سويا في تاريخ تلك الشخصية والوقوف على ما يلزم لخدمة السيناريو الذي سيكتبه أحد الموهوبين، تحت قيادة مخرج مُبدع.

ألا أيها القارئ لا تعجل علي بالعذْل متهما إياي بالخوض في شأني الخاص، فسعادتي بالعمل على خدمة تراث ابن تيمية، توازيها فرحة أخرى تغمرني، إنها فرحتي بولادة مشروع طالما حلمت به وكتبت عنه ودعوت إليه، إنه حلم الدراما الهادفة التي تبني الشخصية المسلمة، تبني المجتمع المسلم الذي يتعرض لطوفان من المواد الدرامية التي تسلبه قِيَمه وهويته.

التأثير العميق للدراما في نفوس الشعوب لا يحتاج إلى برهان، فقد استطاعت الولايات المتحدة من خلال هوليود رسم صورة ذهنية بين شعوب العالم تنسجم مع تطلعاتها وأطماعها.

 كما تُعد الدراما إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة، ولا أدلَّ على ذلك من الغزو الثقافي الهندي للأمة الإسلامية العربية عن طريق الأفلام الهندية التي عرَّفت المواطن العربي بالعادات والسلوكيات والأنماط الحياتية داخل الهند.

ثم يأتي تأثير الدراما الهابطة التي تخضغ غالبا في الوطن العربي – كجزء من الإعلام – إلى النظرية السلطوية التي يكون مصدرها فلسفة السلطة المطلقة للحاكم، فتصبح الدراما أداة لترويج ودعم سياسات الأنظمة، وتعمل على تشكيل الرأي العام بما يتناسب مع توجّهات الحكام.

لقد اكتسبت الدراما أهميتها من كونها نابعة من النزعة الفطرية البشرية للمحاكاة، ومن ثمّ تنسجم اتجاهات الإنسان النفسية مع العمل الدرامي، الذي يتألف من كلمة تُجسّدها الحركة والفعل والإيحاءات النفسية.

إننا لا نجد عناءً في رصد تأثير الدراما على العلاقات الاجتماعية والإنسانية، فعن طريق الدراما المُغرضة تفكّكت أواصر المجتمع، حيث أصبحت – على سبيل المثال – العلاقة بين الطالب والمُعلم تجري على غير مثال سابق، بعدما أهْدرت السينما العربية كرامة المعلم عن طريق الأنماط والقوالب السلبية التي أظهرته من خلالتها.

وتأثرت العلاقة بين الزوجة وحماتها في البيت المسلم، فبعد أن كانت تُمثل لها أُمّا ثانية، صارت حربا ضروسا بينهما للاستيلاء على الزوج الكادح الذي يعود من عمله مُتعبا لتستقبله الأزمات المتلاحقة بين الأم والزوجة، وعليه أن يختار بينهما، فلا ريب أن الدراما التي جسدت أمّ الزوج في قوالب الشر والسوء صنعت حاجزا في نفوس الفتيات بأثر تراكُمي.

فكيف الأمر لو كانت هناك دراما هادفة تغرس القيم في الأجيال الناشئة وهم في بيوتهم، تُعرفهم بتاريخهم المجيد لينطلقوا منه إلى البناء والنهضة، تعالج قضاياهم وأزماتهم الاجتماعية في إطار نظيف لا يخرج عن إطار الشريعة والقيم الوطنية المتناغمة معها.

لقد وجدت ضالتي في “البراق” والتي أنتجت عددا من الأعمال الهادفة كان آخرها مسلسل الإمام أحمد بن حنبل، وهي الآن بصدد إصدار عمل ضخم عن السلطان محمد الفاتح، إضافة إلى مسلسل عن شيخ الإسلام ابن تيمية.

سعدت بالتعاون مع البراق لأنها شركة قطرية منفتحة عابرة للحدود، تتعاون في إنتاج الأعمال الدرامية مع أشقاء بالكويت وتركيا وغيرهما، وتستقدم شخصيات فنية لتجسيد العمل من شتى البلدان العربية.

إنني إذ أكتب عن شركة البراق وأعمالها، فهو من قبيل تقديم النموذج الحي الواقعي ليكون أسوة لأصحاب رؤوس الأموال في استثمار ثرواتهم في مثل هذه المشاريع الاستراتيجية التي قد تغير واقع العالم الإسلامي والعربي في فترة وجيزة إذا تمت على الوجه المطلوب.

وأجد نفسي في النهاية سعيدة بالمشاركة في هذا العمل الهادف، وسعيدة في ذات الوقت بذلك الموعد الذي حملته الأقدار إلي مع أستاذي ومعلمي ابن تيمية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ماذا يبقى بعد الطعن في القرآن؟!

عاد أبو جهل وأبو لهب، عادت حمالة الحطب، عادت اللات والعزى، عاد من يقول لكلام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *