الرئيسية / مقالات / الشأن الإيراني / الهجوم الإيراني على السعودية..وأسطورة الدقائق الأربع

الهجوم الإيراني على السعودية..وأسطورة الدقائق الأربع

“الحرب النفسية استخدام مخطط من جانب دولة أو مجموعة دول، للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية التي تستهدف جماعات معادية أو محايدة أو صديقة، للتأثير على آرائها وعواطفها واتجاهاتها وسلوكها، بطريقة تساعد على تحقيق سياسة الدولة أو الدول المستخدمة لها وأهدافها”.

ذلك هو تعريف وزارة الدفاع الأمريكية للحرب النفسية والذي أدرجته في قاموس المصطلحات الحربية الصادر عام 1955م.

وتقوم الحرب النفسية على ثلاثة عناصر هي: الشائعات، وافتعال الأزمات، وإثارة الرعب.

وهذه الأخيرة (إثارة الرعب والفوضى)، هي ما برعت فيه المخابرات النازية التي استغلت دوافع الأمان لدى البشر في إثارة الرعب والفزع لإرهاب الشعوب، وترويج أقاصيص الرعب التي أشاعتها بغزارة قبل اجتياح فرنسا، لتقوم ألمانيا باحتلال فرنسا في 17 يوما، رغم وجود خط “ماجينو”.

وفي ظل سخونة الأوضاع في المنطقة، ووجود العديد من البؤر الملتهبة، والتي تقع فيها إيران موقع العامل المشترك، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن، تعول طهران على أسلوب إثارة الرعب كجزء من الحرب النفسية ضد السعودية بصفة خاصة.

فبعد أن غيرت أمريكا سياستها في المنطقة من التدخل المباشر إلى التدخل غير المباشر بعد فشلها في أفغانستان والعراق…

وبعد اتجاهها لسحب يديها جزئيا عن المنطقة بسبب مخاوفها في أوربا من النفوذ الروسي، وفي آسيا من النفوذ الصيني…

وبعد تقاربها مع إيران لتُحْدث عن طريقها التوازن اللازم لمصلحة إسرائيل، بأن تكون إيران في مواجهة دول السنّة في المنطقة وإشغالهم عن المشروع الصيهوني.

بعد كل ذلك، لم يعد هناك مفرًا من أن تقود السعودية حلفا سنيا لوقف الزحف الإيراني تجاه دول الخليج في أحد محطاته الهامة وهي اليمن، باعتبار أن الانقلابيين الحوثيين يتحركون بأجندة إيرانية.

هذا التدخل العسكري المفاجئ للسعودية، أربك حسابات إيران، والتي استماتت لإجهاض العمليات العسكرية التي تشنها السعودية وحلفاؤها على الحوثيين، سواء بالصراخ والتنديد، أو بالعمل على إمداد الحوثيين بالسلاح، إلا أن سيطرة سلاح الجو السعودي على المجال الجوي حالت دون وصول هذه الإمدادات المباشرة، لكن حتما لجأت إيران إلى العصابات وتجار السلاح لهذا الغرض.

يردد الإيرانيون عبارة: أربع دقائق تكفينا لإعادة السعودية إلى العصر الجاهلي.

ودخل موقع  (Defense one) الأمريكي على الخط مروجا هذه التصريحات في تقرير نشر يوم 26-5-2015، بعنوان “أربع دقائق فقط.. هو الوقت الذي تملكه السعودية والخليج للتصرف في حال أطلقت إيران صواريخها”.

وانبنى هذا التقرير على القدرات الصاروخية الإيرانية، وأن إيران إذا أطلقت أحد صواريخها على السعودية ودول الخليج، فإنه لن يتبقى لها سوى أربع دقائق لكي تتصرف قبل أن يصيب الصاروخ هدفه.

هذا الإرجاف والتخويف يأتي في الوقت الذي تقف فيه إيران عاجزة عن التمكين للحوثيين في اليمن، وفي الوقت الذي تعجز فيه أيضًا عن حسم المعارك على الأراضي السورية لصالح حليفها بشار الأسد، فلجأت كعادتها إلى هذا النمط من الحرب النفسية، لبث الثقة في أذرعها وأتباعها في مختلف الدول، والتغطية على فشلها.

من وجهة نظري أستبعد قيام إيران بشن حرب شاملة على السعودية في الوقت الحالي، وإن كانت السعودية هي الجائزة الكبرى في الحلم الإيراني الصفوي الفارسي.

إيران من عهد رفسنجاني غيرت من سياستها في تصدير الثورة، فانتقلت من المسار العسكري إلى الغزو الثقافي والفكري والديني، وتصدير الأزمات ورعاية الأقليات، والحرب بالوكالة عن طريق ميلشياتها المتناثرة في عدة دول.

وبالنظر إلى الخطة الخمسينية التي صاغها الملالي لابتلاع المنطقة والتي كتبت عنها سابقا (انظر مقالة: عجز أمتي وجلد المجوس)، تلك الخطة التي نشرتها رابطة أهل السنة في إيران (مكتب لندن) وأيدها وصدَّقها الواقع، سنرى أن آخر مراحل تنفيذ هذه الخطة – بعد التوغل الاقتصادي والسياسي وتغيير التركيبة السكانية… – هي مرحلة النضج.

 عند الوصول إلى هذه المرحلة يفترض– وفق الخطة- أن تكون الدولة قد فقدت عناصر قوتها وهي الأمن والاقتصاد والهدوء، فيستغل العملاء الإيرانيون القلاقل والاضطرابات وانعدام الثقة بين الحكام والشعوب، في طرح أنفسهم كمُخلّصين، عن طريق اقتراح مجلس شعبي لضبط الأمور وتهدئة الشارع ودعم السلطة في إحكام السيطرة، والدفع بالقيادات الصفوية في ذلك المجلس ليشكلوا أغلبيته.

على أن الخطة قد تضمنت إضرام الثورة الشعبية إذا لم يتسن تحقيق أهدافها بدون إراقة الدماء، مستفيدة من الانجازات التراكمية عبر المراحل السابقة.

إيران تعرف خطورة الإقدام على تلك الخطوة الهمجية من مهاجمة السعودية، ولذا أرى أن الحرب بين الطرفين مستبعدة طالما ظلت ملفات العراق وسوريا واليمن معلقة لم تحسم لصالح إيران، فإن حدث -لا قدر الله –سهل على إيران ابتلاع الخليج ويكون الطريق مفتوحا إلى السعودية.

ولكن هل القدرات العسكرية الإيرانية تتناسب مع لهجة التهديدات وتشكل خطرًا داهمًا على السعودية بالفعل؟ وهل تتباين تلك القدرات بين الدولتين إلى هذا الحد الذي يجعل أمن وسلامة ومستقبل السعودية رهن الدقائق الأربع؟

السعودية منفتحة على أسواق السلاح العالمية، ومن ثمّ تتجه بميزانيتها العسكرية الكبيرة إلى شراء الأسلحة المتطورة، بخلاف إيران التي ضيق الحصار عليها الخناق، فتعتمد بدرجة كبيرة على الصناعة المحلية، وتطوير السلاح الروسي القديم.

كما أن التفوق في سلاح الجو لصالح السعودية، وقد أكد الكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي على هذه الحقيقة، مستدلا بما حدث في يونيو 1984م عندما تجاوزت مقاتلتان إيرانيتان “خط فهد” وهو خط وهمي رسمته المملكة في منتصف الخليج من الشمال إلى الجنوب إبان الحرب العراقية الإيرانية، وحذرت السعودية من أنها ستسقط أي طائرة إيرانية تتجاوزه دون إنذار.

وعندما تجاوزت المقاتلتان الإيرانيتان من طراز إف-4، تصدت لهما مقاتلتان تابعتان لسلاح الجو السعودي من طراز إف-16 وقامتا بإسقاطهما في مياه الخليج.

وفي الشهر الماضي تصدت المقاتلات السعودية لطائرة إيرانية حاولت الهبوط في مطار صنعاء، وتصدت كذلك لسفينة إيرانية حاولت نقل مواد إغاثية، لكن ردتهما الطائرات السعودية.

السعودية لديها عدد ضخم من الطائرات المتطورة ومنها الأواكس التي تستطيع تعطيل عمل الرادارات الإيرانية، بالإضافة إلى صواريخ اعتراضية متطورة تمتلكها السعودية والإمارات وقطر والكويت، وقامت بشراء صواريخ باتريوت، وتهتم –وربما حصلت عليها بالفعل- بشراء أنظمة “ثاد” الدفاعية المتطورة.

لكن لابد مع امتلاك دول الخليج لهذه الأنظمة الدفاعية، من ربط أنظمة الصواريخ الاعتراضية وراداراتها في درع صاروخي واحد.

وثمة موانع أخرى لقيام إيران بشن هجوم على المملكة على الأقل في الوقت الحالي، من أبرزها:

أن هذه الحرب التي تندلع بين دولتين نفطيتين بهذا الحجم، من شأنه أن يؤثر على الاقتصاد العالمي، وهو ما تتخوف منه أمريكا والدول العظمى، ومن ثم ستعمل على منعه.

ومنها أن هناك دولا في المنطقة تعمل لها إيران ألف حساب، سوف تتدخل لصالح السعودية في حال قيام إيران بشن هجوم على المملكة، منها باكستان ذات القوة النووية، والتي تربطها علاقات حميمية مع السعودية، فالأخيرة تمول كثيرا من المشروعات العسكرية الباكستانية.

وكذلك تركيا المنافس الأول لإيران في المنطقة، والتي تتأثر بشكل قوي بالمد الإيراني في المنطقة.

كما أن استهداف السعودية وهي قبلة جميع المسلمين في شتى بقاع الأرض والتي فيها أهم مقدساتهم، سوف يفتح أبواب الجهاد المقدس للدفاع عن أرض الحرمين، وسوف يكون هذا الميدان أرضية مشتركة تلتقي عليها القوى السنية المختلفة أو المتناحرة.

وحتما سوف تكون المصالح الإيرانية مستهدفة في كل مكان على وجه الأرض، بالإضافة إلى أهل السنة في إيران ذاتها، حتما سوف يكون لهم دور في ضرب إيران الفارسية من الداخل.

لذا أرى أن هذه الجعجعة الإيرانية هي صرخة خائف، تسعى من خلالها إيران إلى بث الثقة في أذرعها وأتباعها في المنطقة، وفي نفس الوقت، بث الرعب والفزع في دول الخليج.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

عندما تكون السلعة أسمى من الإنسان

«من قال إن المال لا يشتري السعادة لم يذهب إلى بلومنجديلز» تعليق طريف لأحد قراء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *